في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ} (5)

ولقد حاروا كيف يصفون هذا القرآن وكيف يتقونه . فقالوا : إنه سحر . وقالوا : إنه أحلام مختلطة يراها محمد ويرويها . وقالوا : إنه شعر . وقالوا : إنه افتراه وزعم إنه وحي من عند الله :

( بل قالوا : أضغاث أحلام ، بل افتراه ، بل هو شاعر ) . .

ولم يثبتوا على صفة له ، ولا على رأي يرونه فيه ، لأنهم إنما يتمحلون ويحاولون أن يعللوا أثره المزلزل في نفوسهم بشتى التعلات فلا يستطيعون ؛ فينتقلون من ادعاء إلى ادعاء ، ومن تعليل إلى تعليل ، حائرين غير مستقرين . . ثم يخلصون من الحرج بأن يطلبوا بدل القرآن خارقة من الخوارق التي جاء بها الأولون :

( فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ} (5)

قوله : ( بل قالوا أضغاث أحلام ) ( أضغاث ) جمع ضغث ومعناه القبضة من الحشيش المختلط رطبه بيابسه . وأضغاث الأحلام ، يعني الرؤيا التي لا يصح تأويلها لاختلاطها{[3018]} . لقد قال المشركون عما يأتي رسول الله ( ص ) من وحي : إنه أخلاط كالأحلام المختلطة . ثم أضربوا عن قولهم إنه تخاليط أحلام رآها في نومه ، إلى قولهم : ( بل افتراه ) أي ما جاءهم به محمد ( ص ) إن هو إلا كلام مفترى . ثم أضربوا عن قولهم هذا إلى قوله : ( بل هو شاعر ) هكذا كان المشركون الظالمون . كانوا متلجلجين حيارى في أقوالهم . مترددين في افتراءاتهم وأباطيلهم الظالمة عن حقيقة هذا النبي الكريم .

فما كان يأتي النبي ( ص ) غير الوحي الصادق الأمين المنزل من السماء ؛ إذ كان يأتيه بالسورة أو الآيات . فما كان جبريل يبرحه إلى السماء حتى ترسخ في قلبه آيات الرحمان رسوخ الرواسي ليتلوها بعد ذلك على الناس ؛ فإذا هي منظوم رباني فذ ليس له في كلام العالمين شبيه ولا مثيل ، فأين ذلك من أهاويل الرؤية المختلطة في المنام ؟ !

ولئن قالوا افتراه أو اختلقه من عنده ، فما بين القرآن وحديث الرسول ( ص ) من سعة البون وهائل المباينة والاختلاف مثل الذي بين السماء والأرض أو أكبر ؛ فإن الحديث والقرآن ، من حيث روعة النظم وعجيب الأسلوب ، لمختلفان بالغ الاختلاف ؛ فأنى بعد ذلك لغاشم جهول أن يزعم أن القرآن من صنع محمد ( ص ) ؟ !

أما قولهم : إن محمدا شاعر فلا جرم أن ذلك أبعد في الجهل وأرسخ في الحماقة وتعْس الافتراء والتقوّل . فما كان القرآن إلا قرآنا . هكذا سماه الله ؛ فهو ليس على ضرب من ضروب الكلام في أساليب العرب ، كالشعر أو النثر أو السجع أو الخطابة ؛ بل إنه قرآن وكفى .

قوله : ( فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) سألوا أن يأتيهم رسول الله مثل ما أوتي موسى العصا ، ومثل ما أوتي صالح الناقة . مع أنهم يعلمون أكثر من غيرهم من سائر الأمم أن القرآن فيه من كمال الإعجاز ما يغنيهم عن سائر المعجزات الملموسة والمنظورة . لكنه العناد والجحود والاستكبار ، وفرط النفور من الإذعان للحق والصواب .


[3018]:- مختار الصحاح ص 381.