في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (75)

44

الدرس الثامن : 74 - 75 خسارة المشركين يوم القيامة

ويختم هذه الجولات بمشهد سريع من مشاهد القيامة يسألهم فيه سؤال استنكار عما زعموا من شركاء . ويقفهم وجها لوجه أمام أباطيلهم المدعاة ، حيث تتذاوب وتتهاوى في موقف السؤال والحساب :

( ويوم يناديهم فيقول : أين شركائي الذين كنتم تزعمون ? ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا : هاتوا برهانكم . فعلموا أن الحق لله ، وضل عنهم ما كانوا يفترون ) . .

وتصوير يوم النداء ، وما فيه من سؤال عن الشركاء ، قد سبق في جولة ماضية . فهو يعاد هنا لتوكيده وتثبيته بمناسبة المشهد الجديد الذي يعرض هنا . مشهد نزع شهيد من كل أمة . وهو نبيها الذي يشهد بما أجابته وما استقبلت به رسالته . والنزع حركة شديدة ، والمقصود إقامته وإبرازه وإفراده من بينهم ليشهده قومه جميعا وليشهد قومه جميعا . وفي مواجهة هذا الشاهد يطلب منهم برهانهم على ما اعتقدوا وما فعلوا . وليس لديهم برهان ؛ ولا سبيل لهم يومئذ إلى المكابرة :

( فعلموا أن الحق لله ) . . الحق كله خالصا لا شبهة فيه ولا ريبة .

( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) . . من شرك ومن شركاء ، فما هو بواجدهم وما هم بواجديه ! في وقت حاجتهم إليه في موقف الجدل والبرهان !

بهذا تنتهي التعقيبات على قصة موسى وفرعون . وقد طوفت بالنفوس والقلوب في تلك الآفاق والعوالم والأحداث والمشاهد وردتها من الدنيا إلى الآخرة ، ومن الآخرة إلى الدنيا . وطوقت بها في جنبات الكون وفي أغوار النفس ، وفي مصارع الغابرين ، وفي سنن الكون والحياة . متناسقة كلها مع محور السورة الأصيل . ومع القصتين الرئيسيتين في السورة : قصة موسى وفرعون . وقصة قارون . وقد مضت الأولى . فلنستعرض الثانية بعد تلك التعقيبات وهذه الجولات .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (75)

قوله : { وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } أي وأحضرنا يوم القيامة من كل جماعة نبيها ليشهد عليها بما عملته في الدنيا { فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } يقول الله يوم القيامة لكل أمة مشركة ضالة أعرضت عن رسالة نبيها : هاتوا حجتكم على كفركم وإشراككم بالله .

قوله : { فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ } أيقن الظالمون الخاسرون يوم القيامة صدق ما جاءهم به النبيون المرسلون ، وأن الحجة البالغة لله عليهم ، وأنهم محجوجون خاسرون هلكى .

قوله : { وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } أي ذهب عنهم وزال ما كانوا يتخرّصونه من الكذب على الله ، وما كانوا يفترونه من الآلهة الموهومة المصطنعة ؛ فأيقنوا أن الله وحده لهو الحق ، وأن ما دونه من الأرباب المفتراة محض باطل{[3524]} .


[3524]:تفسير الطبري ج 20 ص 66، وتفسير القرطبي ج 13 ص 308.