وبعد تقرير تلك الحقيقة تمضي القصة في أحداثها بعد الرجفة :
( وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ؛ وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه : أن اضرب بعصاك الحجر ، فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً . قد علم كل أناس مشربهم . وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى . كلوا من طيبات ما رزقناكم . وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) . .
إنها رعاية الله ما زالت تظلل موسى وقومه - بعد أن كفروا فعبدوا العجل ، ثم كفروا عن الخطيئة كما أمرهم الله ، فتاب عليهم . وبعد أن طلبوا رؤية الله جهرة ، فأخذتهم الرجفة ، ثم استجاب الله لدعاء موسى فأحياهم . . تتجلى هذه الرعاية في تنظيمهم حسب فروعهم في اثنتي عشرة أمة - أي جماعة كبيرة - ترجع كل جماعة منها إلى حفيد من حفداء جدهم يعقوب - وهو إسرائيل - وقد كانوا محتفظين بأنسابهم على الطريقة القبلية :
( وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ) . .
وتبدو في تخصيص عين تشرب منها كل جماعة وتعيينها لهم ، فلا يعتدي بعضهم على بعض .
( وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه : أن اضرب بعصاك الحجر ، فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً . قد علم كل أناس مشربهم . . )
وتبدو في تظليل الغمام لهم من شمس هذه الصحراء المحرقة ؛ وإنزال المن - وهو نوع من العسل البري - والسلوى ، وهو طائر السماني ؛ وتيسيره لهم ضماناً لطعامهم بعد ضمان شرابهم :
( وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى ) . .
وتبدو في إباحة كل هذه الطيبات لهم ، حيث لم يكن قد حرم عليهم بعد شيء بسبب عصيانهم :
( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) . .
والرعاية واضحة في هذا كله ؛ ولكن هذه الجبلة ما تزال بعد عصية على الهدى والإستقامة كما يبدو من ختام هذه الآية التي تذكر كل هذه النعم وكل هذه الخوارق : من تفجير العيون لهم من الصخر بضربة من عصا موسى . ومن تظليل الغمام لهم في الصحراء الجافة . ومن تيسير الطعام الفاخر من المن والسلوى :
( وما ظلمونا ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) . .
وسيعرض السياق نماذج من ظلمهم لأنفسهم ؛ بالمعصية عن أمر الله والإلتواء عن طريقه . . وما يبلغون بهذا الإلتواء وتلك المعصية أن يظلموا الله - سبحانه - فالله غني عنهم وعن العالمين أجمعين . وما ينقص من ملكه أن يجتمعوا هم والعالمون على معصيته ؛ وما يزيد في ملكه أن يجتمعوا هم والعالمون على طاعته . إنما هم يؤذون أنفسهم ويظلمونها بالمعصية والإلتواء ، في الدنيا وفي الآخرة سواء .
قوله : { وقطعنا اثنتي عشرة أسباطا أمما } قطعناهم بمعنى فرقناهم وميزنا بينهم . اثنتي عشرة ، مفعول ثان لقطعنا . وقد أنث اثنتي عشرة على تقدير أمة : وتقديره : اثنتا عشرة أمة . وأسباطا بدل من اثنتي عشرة . وأمما نعت لأسباطا أو بدل منه{[1542]} ، والأسباط جمع سبط بكسر السين وهو ولد الولد . والمراد بالأسباط القبائل{[1543]} . والمعنى : أن اله صير بني إسرائيل اثنتي عشرة أمة من اثني عشر ولدا ؛ لرجع كل سبط إلى رئيسه فيخفف أمرهم على موسى ؛ ولئلا يتحاسدوا ويختلفوا فيقع بينهم الاقتتال .
قوله : { وأوحينا إلى موسى إذ استقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا } لما أصاب بني إسرائيل العطاش في التيه سألوا موسى أن يستسقي لهم ربه ، فأوحي الله إليه أن يضرب الحجر فضربه { فانبجست منه اثنتا عشرة عينا } انبجست ، انفجرت ، وذلك من الانبجاس وهو الانفجار ، أو النبوع في عين الماء{[1544]} .
فإنه عقب ضرب الحجر بالعصا انفجرت منه اثنتا عشرة عينا . وذلك بعدد الأسباط وهم الاثنا عشر ؛ ليكون سبط عين مختصة بهم بشربهم منها ، وكل سبط منهم هم بنو أب واحد . ولذلك قال : { قد علم كل أناس مشربهم } .
قوله : { وظللنا عليهم الغمم وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم } لما كان بنو إسرائيل في التيه وغشيهم من سموم الصحراء ولظى الشمس الحرور ما غشيهم ؛ أظلهم الله بالغمام تضليلا . والغمام معناه السحاب{[1545]} ؛ فقد استظلوا بالسحاب الرخي الرطيب ، يسكن بسكونهم ، ويسر بسيرهم وكذلك أنزل عليهم المن ؛ وهو كل طل{[1546]} ينزل من السماء على شجر أو حجر ويحلو وينعقد عسلا ويجف جفاف الصمغ{[1547]} .
كذلك انزل عليهم ( السلوى ) وهو طائر ، واحدته سلوة . وقيل : هو السماني{[1548]} . وقد سبق بيان ذلك في تفسير سورة البقرة . وذلك كله من فضل الله على بني إسرائيل ؛ إذ تفضل عليهم بعطايا وخيرات ما سبقهم بها أمة من الأمم . فكانوا بذلك قد تميزوا بجزيل النعم من الله كنعمة الغمام والمن والسلوى وانبجاس الماء من الصخر . وغير ذلك من المنن الأخريات الكثيرة التي فضل الله بها بني إسرائيل على العالمين . إما في زمانهم دون غيره من الأزمنة ، أو في الزمان كله . وذلك لتكون له الحجة عليهم إذا لم يؤمنوا ويهتدوا ، فيعصوا وعتوا وأضلوا وأفسدوا في الأرض ؛ فإنه إذا من الله على أناسي من عباده بجزيل من فضله ونعمه ، فما شكروا ولا أذعنوا لله بالطاعة والامتثال بل طغوا وبغوا وتجبروا في الأرض وأفسدوا في البلاد وبين العباد ، لا جرم أن ينالهم عذاب الله في الدنيا بالخزي والإذلال وغير ذلك من أنواع البلاء ، وفي الآخرة لهم سواء الدار وبئس القرار .
قوله : { كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بعد أن رزق الله بن إسرائيل بالمن والسلوى وهما من خير الطعام المستلذ المفيد ، مضافا إليه الماء البارد الفارت في جوف الصحراء الحارقة الحرور ، وقد أظلهم السحاب الرخي العليل –بعد ذلك قال الله لهم : كلوا من هذه الأطايب المستلذة ؛ لكنهم لم يقدروا الله حق قدره ؛ إذ لم يشكروه على هذه النعم ؛ بل خالفوا عن أمره سبحانه وجحدوا نعمه الجليلة : فهم بعصيانهم وكفرانهم لم يظلموا الله شيئا ، فإن الله لا ينال منه ظلم الظالمين ، ولكن الظالمين إنما يظلمون أنفسهم بإيقاعها في الهلكة والتخسير{[1549]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.