في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا} (27)

21

ثم يعرض مشهدا من مشاهد ذلك اليوم ، يصور ندم الظالمين الضالين . يعرضه عرضا طويلا مديدا ، يخيل للسامع أنه لن ينتهي ولن يبرح . مشهد الظالم يعض على يديه من الندم والأسف والأسى :

ويوم يعض الظالم على يديه يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا . يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا . لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا . .

ويصمت كل شيء من حوله ؛ ويروح يمد في صوته المتحسر ، ونبراته الأسيفة ؛ والإيقاع الممدود يزيد الموقف طولا ويزيد أثره عمقا . حتى ليكاد القارئ للآيات والسامع يشاركان في الندم والأسف والأسى !

( ويوم يعض الظالم على يديه ) . . فلا تكفيه يد واحدة يعض عليها . إنما هو يداول بين هذه وتلك ، أو يجمع بينهما لشدة ما يعانيه من الندم اللاذع المتمثل في عضه على اليدين . وهي حركة معهودة يرمز بها إلى حالة نفسية فيجسمها تجسيما .

( يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ) . . فسلكت طريقه ، لم أفارقه ، ولم أضل عنه . . الرسول الذي كان ينكر رسالته ويستبعد أن يبعثه الله رسولا !

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا} (27)

قوله تعالى :{ ويوم يعض الظالم على يديه } أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط ، وذلك أن عقبة كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا إليه أشراف قومه ، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاماً فدعا الناس ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قرب الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فقال عقبة : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه ، وكان عقبة صديقاً لأبي بن خلف ، فلما أخبر أبيّ بن خلف قال له : يا عقبة صبأت ؟ قال : لا والله ما صبأت ، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له ، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم ، فشهدت له فطعم ، فقال : ما أنا بالذي أرضى عنك أبداً إلا أن تأتيه فتبزق في وجهه ، ففعل ذلك عقبة ، فقال عليه السلام : لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فقتل عقبة يوم بدر صبراً . وأما أبي بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد بيده . وقال الضحاك : لما بزق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد بزاقه في وجهه فاحترق خداه ، وكان أثر ذلك فيه حتى الموت . وقال الشعبي : كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة ، فقال أمية : وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمداً ، فكفر وارتد ، فأنزل الله عز وجل : { ويوم يعض الظالم } يعني : عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف على يديه ندماً وأسفاً على ما فرط في جنب الله ، وأوبق نفسه بالمعصية والكفر بالله بطاعة خليله الذي صده عن سبيل ربه . قال عطاء : يأكل يديه حتى تبلغ مرفقيه ثم تنبتان ، ثم يأكل هكذا ، كلما نبتت يده أكلها تحسراً على ما فعل . { يقول يا ليتني اتخذت } في الدنيا ، { مع الرسول سبيلاً } ليتني اتبعت محمداً صلى الله عليه وسلم ، واتخذت معه سبيلاً إلى الهدى . قرأ أبو عمرو : ( يا ليتني اتخذت ) بفتح الياء ، والآخرون بإسكانها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا} (27)

ولما كان حاصل حالهم أنهم جانبوا أشرف الخلق الهادي لهم إلى كل خير ، وصاحبوا غيره ممن يقودهم إلى كل شر ، بين عسر ذلك اليوم الذي إنما أوجب جرأتهم تكذيبهم به بتناهي ندمهم على فعلهم هذا فقال : { ويوم يعض الظالم } أي لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال { على يديه } أي كلتيهما فيكاد يقطعهما لشدة حسرته وهو لا يشعر ، حال كونه مع هذا الفعل { يقول } أي يجدد في كل لحظة قوله : { يا ليتني اتخذت } أي أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا { مع الرسول سبيلاً* } أي عملاً واحداً من الأعمال التي دعاني إليها ، وأطعته طاعة ما ، لما انكشف لي في هذا اليوم من أن كل من أطاعه ولو لحظة حصلت له سعادة بقدرها ، وعض اليد والأنامل وعرق الأسنان ونحو ذلك كناية عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما ، فتذكر الرادفة دلالة على المردوف فيرتفع الكلام في طبقة الفصاحة إلى حد يجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجده عند المكنى عنه .