ومن الوفاء بالعهد إلى إيفاء الكيل والميزان :
( وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم . ذلك خير وأحسن تأويلا ) . .
والمناسبة بين الوفاء بالعهد وإيفاء الكيل والميزان ظاهرة في المعنى واللفظ ، فالانتقال في السياق ملحوظ التناسق .
وإيفاء الكيل والاستقامة في الوزن ، أمانة في التعامل ، ونظافة في القلب ، يستقيم بهما التعامل في الجماعة ، وتتوافر بهما الثقة في النفوس ، وتتم بهما البركة في الحياة . ( ذلك خير و أحسن تأويلا ) . . خير في الدنيا وأحسن مآلا في الآخرة .
والرسول [ ص ] يقول : " لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ، ليس به إلا مخافة الله ، إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير من ذلك " .
والطمع في الكيل والوزن قذارة وصغار في النفس ، وغش وخيانة في التعامل تتزعزع بهما الثقة ، ويتبعها الكساد ، وتقل بهما البركة في محيط الجماعة ، فيرتد هذا على الأفراد ؛ وهم يحسبون أنهم كاسبون بالتطفيف .
وهو كسب ظاهري ووقتي ، لأن الكساد في الجماعة يعود على الأفراد بعد حين .
وهذه حقيقة أدركها بعيدو النظر في عالم التجارة فاتبعوها ، ولم يكن الدافع الأخلاقي ، أو الحافز الديني هو الباعث عليها ؛ بل مجرد إدراكها في واقع السوق بالتجربة العملية .
والفارق بين من يلتزم إيفاء الكيل والميزان تجارة ، ومن يلتزمه اعتقادا . . أن هذا يحقق أهداف ذاك ؛ ويزيد عليه نظافة القلب والتطلع في نشاطه العملي إلى آفاق أعلى من الأرض ، وأوسع في تصور الحياة وتذوقها .
وهكذا يحقق الإسلام دائما أهداف الحياة العملية وهو ماض في طريقه إلى آفاقه الوضيئة وآماده البعيدة ، ومجالاته الرحيبة .
{ وأوفوا الكيل إذا كِلتم } ولا تبخسوا فيه { وزنوا بالقسطاس المستقيم } بالميزان السوي ، وهو رومي عرب ولا يقدح ذلك في عربية القرآن ، لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا . وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف هنا في " الشعراء " . { ذلك خير وأحسن تأويلا } وأحسن عاقبة تفعيل من آل إذا رجع .
{ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ( 35 ) }
القسطاس المستقيم : الميزان السوي .
35- { وأوفوا الكيل إذا كلتم . . . }
أي : أتموه إذا كلتم لغيركم ولا تبخسوه .
{ وزنوا بالقسطاس المستقيم } . أي : بالميزان السوي بلا اعوجاج ولا خديعة { ذلك خير } أي : أي لكم في معاشكم لإقبال المشترين عليكم ولانتظام أموركم بالعدل ، وإيفاء الحقوق أربابها { وأحسن تأويلا } أي : عاقبة ومآلا ، إذ ليس معه مظلمة يطالب بها يوم القيامة .
وكثير من الفقراء الذين اشتهروا بالأمانة والبعد عن الخيانة ؛ أقبلت عليهم الدنيا وجمعوا بين الثورة والغنى وبين مرضاة الله وطاعته .
روى ابن كثير في تفسيره : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به ؛ إلا مخافة الله ؛ إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو له خير من ذلك ) .
وقد شدد القرآن في التحذير من تطفيف الكيل وتوعد فاعله بالعذاب الشديد فقال تعالى : { ويل للمطففين . الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون . وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون } . ( المطففين : 3 ، 1 ) .
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من عدل في الكيل والتزم الأمانة وابتعد عن الغش ){[396]} كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم ( أن التاجر الصدوق يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) {[397]} ؛ لأن الشيطان يأتي له من ناحية الكيل والبيع والغش وإغلاء الأسعار .
ونظرا لأن الناس جميعا محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء ؛ فقد بالغ في النهي عن الغش في البيع والشراء وحذر منه وتوعد فاعله بأشد العقاب ؛ سعيا في إبقاء الأموال لأربابها . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من غشنا فليس منا ){[398]} .
ثم إن الطمع في الكيل والوزن قذارة وصغار في النفس ، وغش وخيانة في التعامل تزعزع بهما الثقة ويتبعهما الكساد ، وتقل بهما البركة في محيط الجماعة فيرتد هذا على الأفراد ، وهم يحسبون أنهم كاسبون بالتطفيف{[399]} وهو كسب ظاهري ووقتي ؛ لأن الكساد في الجماعة يعود على الأفراد بعد حين .
وهذه حقيقة أدركها بعيدوا النظر في عالم التجارة فاتبعوها ، ولم يكن الدافع الأخلاقي أو الحافز الديني هو الباعث عليها ، بل مجرد إدراكها في واقع السوق بالتجربة العملية .
والفارق بين من يلتزم إيفاء الكيل والميزان تجارة ومن يلتزمه اعتقادا ، أن هذا يحقق أهداف ذلك ، ويزيد عليه نظافة القلب والتطلع في نشاطه العلمي إلى آفاق أعلى من الأرض ، وأوسع في تصور الحياة وتذوقها وكذلك يحقق الإسلام دائما أهداف الحياة العلمية وهو ماض في طريقه إلى آفاقه الوضيئة وآماده البعيدة ومجالاته الرحيبة .
قوله تعالى : { وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس } ، قرأ حمزة و الكسائي و حفص بالقسطاس بكسر القاف والباقون بضمه ، وهما لغتان وهو الميزان صغر أو كبر أي : بميزان العدل . وقال الحسن : هو القبان . قال مجاهد : هو رومي . وقال غيره : هو عربي مأخوذ من القسط وهو العدل ، أي : زنوا بالعدل . { المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلاً } أي : عاقبةً .
قوله : ( وأوفوا الكيل إذا كلتم ) أي أتموا الكيل ولا تبخسوا الناس من حقوقهم شيئا ( وزنوا بالقسطاس المستقيم ) القسطاس بمعنى الميزان . وهو مأخوذ من القسط ومعناه المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الجانبين{[2683]} ؛ أي إذا وزنتم الناس فزنوهم بالميزان المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا ميل ولا غش . كقوله سبحانه : ( ألا تطغوا في الميزان ) أي لا تجاوزوا الحد لا بزيادة ولا بنقصان .
قوله : ( ذلك خير وأحسن تأويلا ) الإشارة عائدة إلى الوفاء في الكيل ، والوزن بالعدل . وذلك كله خير لكم ؛ إذ تنتزعون من الناس محبتهم وثقتهم وكمال إقبالهم عليكم بيعا وشراء فتكسبون وترزقون . وهو كذلك أحسن تأويلا ؛ أي أحسن عاقبة لكم وذلك في الآخرة إذ يكتب الله لكم حسن المثوبة والجزاء{[2684]} .