وبعد هذه المقابلة بين حسن أدب المؤمنين ، وسوء أدب المنافقين الذين يدعون الإيمان ، وما هم بمؤمنين ، بعد هذه المقابلة يعود إلى استكمال الحديث عن هؤلاء المنافقين :
( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن . قل : لا تقسموا . طاعة معروفة . إن الله خبير بما تعملون . قل : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول . فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم . وإن تطيعوه تهتدوا . وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) . .
ولقد كان المنافقون يقسمون لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لئن أمرهم بالخروج إلى القتال ليخرجن والله يعلم إنهم لكاذبون . فهو يرد عليهم متهكما ، ساخرا من أيمانهم . ( قل : لا تقسموا . طاعة معروفة ) . . لا تحلفوا فإن طاعتكم معروف أمرها ، مفروغ منها ، لا تحتاج إلى حلف أو توكيد ! كما تقول لمن تعلم عليه الكذب وهو مشهور به : لا تحلف لي على صدقك . فهو مؤكد ثابت لا يحتاج إلى دليل .
ويعقب على التهكم الساخر بقوله : ( إن الله خبير بما تعملون ) . . فلا يحتاج إلى قسم ولا توكيد ، وقد علم أنكم لا تطيعون ولا تخرجون !
{ وأقسموا بالله جهد أيمانهم } إنكار للإمتناع عن حكمه . { لئن أمرتهم } الخروج عن ديارهم وأموالهم . { ليخرجن } جواب ل{ أقسموا } على الحكاية . { قل لا تقسموا } على الكذب . { طاعة معروفة } أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين على الطاعة النفاقية المنكرة . أو { طاعة معروفة } أمثل منها أو لتكن طاعة ، وقرئت بالنصب على أطيعوا طاعة . { إن الله خير بما تعلمون } فلا يخفى عليه سرائركم .
ثم حكى سبحانه نوعا آخر من أكاذيب المنافقين بقوله :
53 - وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ . . .
جهد أيمانهم : أي : أقصى غايتها ، من قولهم : جهد نفسه ، إذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها .
أي : وحلفوا بالله جاهدين أيمانهم بالغين غايتها ، لئن أمرتهم بالخروج للجهاد والغزو ؛ ليلبن الطلب وليخرجن كما أمرت .
والخلاصة : أنهم أغلظوا الأيمان وشددوها في أن يكونوا طوع أمرك ورهن إشارتك ، وقالوا : أينما تكن نكن معك ، فإن أقمت أقمنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا . فرد الله عليهم وزجرهم عن التفوه بهذه الأيمان الفاجرة ، وأمره أن يقول لهم :
أي : قل لهم : لا تحلفوا ، فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى قسم ويمين لوضوح كذبه . ثم علل النهي عن الحلف بقوله :
أي : لا تقسموا لأن طاعتكم معروفة لنا ، فهي طاعة باللسان فحسب ، من غير مواطأة القلب لها ، ولا يجهلها أحد من الناس .
ونحو الآية قوله : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . ( التوبة : 96 ) .
وقوله : اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ . ( المجادلة : 16 ) .
ثم هددهم وتوعدهم على أيمانهم الكاذبة ، وأنه مجازيهم على أعمالهم السيئة ، ولا سيما ذلك النفاق المفضوح ، فقال :
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .
أي : أنه تعالى لا تخفى عليه خافية من ظاهر أعمالكم وخافيها ، فيعلم ما تظهرونه من الطاعة المؤكدة بالأيمان الكاذبة ، وما تبطنونه من الكفر والنفاق والعزيمة على مخادعة المؤمنين ، ونحو ذلك من أفانين الشر والفساد التي دبرتموها .
{ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( 53 ) }
وأقسم المنافقون بالله تعالى غاية اجتهادهم في الأيمان المغلَّظة : لئن أمرتنا - يا محمد - بالخروج للجهاد معك لنخرجن ، قل لهم : لا تحلفوا كذبًا ، فطاعتكم معروفة بأنها باللسان فحسب ، إن الله خبير بما تعملونه ، وسيجازيكم عليه .
قوله تعالى :{ وأقسموا بالله جهد أيمانهم } جهد اليمين أن يحلف بالله ، ولا حلف فوق الحلف بالله ، { لئن أمرتهم ليخرجن } وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أينما كنت نكن معك ، لئن خرجت خرجنا ، وإن أقمت أقمنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ، فقال تعالى : { قل } لهم ، { لا تقسموا } لا تحلفوا ، وقد تم الكلام ، ثم قال : { طاعة معروفة } أي : هذه طاعة بالقول وباللسان دون الاعتقاد ، وهي معروفة يعني : أمر عرف منكم أنكم تكذبون وتقولون ما لا تفعلون ، هذا معنى قول مجاهد رضي الله عنه . وقيل معناه : طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل . وقال مقاتل بن سليمان : لكن منكم طاعة معروفة . { إن الله خبير بما تعملون* }
قوله تعالى : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون ( 53 ) قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ( 54 ) } يبين الله كيد المنافقين وكذبهم على الله ورسوله ؛ إذ يحلفون بالله جهد أيمانهم ، و ( جهد ) منصوب على المصدر المؤكد لفعل محذوف . والتقدير : أقسموا بالله يجهدون أيمانهم جهدا . فحذف الفعل وقدم المصدر . والمعنى : أقسموا أغلظ أيمانهم وأشدها ، أو طاقة ما قدروا أن يحلفوا .
قوله : ( لئن أمرتهم ليخرجن ) يحلف المنافقون كاذبين : لئن أمرتنا يا محمد بالخروج للجهاد لخرجنا جهادا في سبيل الله تاركين وراءنا ديارنا وأموالنا وأهلينا . والله يعلم أنهم منافقون كاذبون فيما قالوا أو حلفوا . فأمر الله نبيه أن يقول لهم : ( لا تقسموا طاعة معروفة ) ( طاعة ) خبر لمبتدأ محذوف تقديره : أمرنا طاعة معروفة . وقيل : مبتدأ وخبره محذوف وتقديره طاعة معروفة أمثل من غيرها{[3282]} يعني لا تقسموا ، طاعتكم طاعة معروفة . أي تبينت طاعتكم فأنتم كاذبون منافقون .
قوله : ( إن الله خبير بما تعملون ) الله عليم بحقيقة ما انتم عليه وبما تخفيه صدوركم من الكيد والنفاق . وهو سبحانه لا تخفى عليه خوافيكم وأسراركم وما يستكن في ضمائركم من الكراهية وسوء القصد . وهو سبحانه مجازيكم بكل ذلك .