{ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون } متلذذون في النعمة من الفكاهة ، وفي تنكير { شغل } وإبهامه تعظيم لما هم فيه من البهجة والتلذذ ، وتنبيه على أنه أعلى ما يحيط به الأفهام ويعرب عن كنهه الكلام ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو " في شغل " بالسكون ، ويعقوب في رواية " فكهون " للمبالغة وهما خبران ل { إن } ، ويجوز أن يكون في { شغل } صلة { لفاكهون } ، وقرىء " فكهون " بالضم وهو لغة كنطس ونطس " وفاكهين " و " فكهين " على الحال من المستكهن في الظرف ، و{ شغل } بفتحتين وفتحة وسكون والكل لغات .
{ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ( 55 ) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ( 56 ) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ( 57 ) سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ( 58 ) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ( 59 )* }
الشغل : الشأن الذي يصدّ الإنسان ، ويشغله عما سواه ، من شئونه وأحواله لأهميته لديه ، إما لأنه يحصّل مسرة كاملة ، أو مساءة عظيمة .
فاكهون : متلذذون ، أو فرحون ، والفاكه : الطيب النفس الضحوك .
55 { إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } .
لقد وعد الحق سبحانه بأن يجازي كل إنسان الجزاء المناسب بعمله ، في الآية السابقة ، ثم تكلّم سبحانه عن نعيم أهل الجنة وسرورهم ، فهم مستغرقون في النعيم ، قد ملأ عليهم نفوسهم ، وتمتعوا بالملاذّ والنعيم المقيم ، ولهم في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
شُغُل وأي شغل ، عَزْف الأوتار على ضفاف الأنهار ، تحت أشجار الثمار ، وضيافة الجبار .
والشغل هو الشأن الذي يشغل الإنسان ، ويصدّه عما سواه من شئون ، لكونه أهم عنده من الكلّ ، وإما لإيجابه كمال المسرة أو كمال المساءة ، والمراد هنا الأول ، وتنكيره لتعظيم ، كأنه شغل لا يدرك كنهه ، والمراد به النعيم الذي شغلهم عن كل ما سواه .
وعن ابن كسان : الشغل : التزاور وضيافة الله .
{ فاكهون } متلذذون ، متنعمون بالنعمة التي تحيط بهم ، معجبون بما أكرمهم الله به ، والفاكه والفكه : المتنعم المتلذذ ، ومنه الفاكهة لأنها مما تلذذ بها ، وكذلك الفكاهة التي هي المزاحة .
{ 55 - 58 } { إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ }
[ لما ذكر تعالى ] أن كل أحد لا يجازى إلا ما عمله ، ذكر جزاء الفريقين ، فبدأ بجزاء أهل الجنة ، وأخبر أنهم في ذلك اليوم { فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } أي : في شغل مفكه للنفس ، مُلِذِّ لها ، من كل ما تهواه النفوس ، وتلذه العيون ، ويتمناه المتمنون .
قوله تعالى : { فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون إن أصحاب الجنة اليوم في شغل } قرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو ( ( في شغل ) ) ، بسكون الغين ، والباقون بضمها ، وهما لغتان ، مثل السحت والسحت . واختلفوا في معنى الشغل ، قال ابن عباس : في افتضاض الأبكار ، وقال وكيع بن الجراح : في السماع . وقال الكلبي : في شغل عن أهل النار وعما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم . وقال الحسن : شغلوا بما في الجنة من النعيم عما فيه أهل النار من العذاب . وقال ابن كيسان : في زيارة بعضهم بعضاً . وقيل : في ضيافة الله تعالى . { فاكهون } قرأ أبو جعفر : ( ( فكهون ) ) حيث كان ، وافقه حفص في المطففين ، وهما لغتان مثل : الحاذر والحذر ، أي : ناعمون . قال مجاهد و الضحاك : معجبون بما هم فيه . وعن ابن عباس قال : فرحون .
وبعد هذا الحديث المتنوع عن أحوال الكافرين يوم القيامة ، جاء الحديث عما أعده الله - تعالى - بفضله وكرمه للمؤمنين ، وعما يقال للكافرين فى هذا اليوم من تبكيت وتأنيب فقال - تعالى - :
{ إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم . . . } .
قوله - تعالى - : { إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } بيان لأحوالهم الطيبة ، بعد بيان أحوال الكافرين السيئة .
والشغل : الشأن الذى يشغل الإِنسان عما سواه من الشئون ، لكونه أهم عنده من غيره ، وما فيه من التنكير للتفخيم ، كأنه قيل : فى شغل أى شغل .
وفاكهون : أى : متنعون متلذذون فى النعمة التى تحيط بهم ، مأخوذ من الفكاهة - بفتح الفاء - وهي طيب العيش مع النشا . يقال : فكه الرجل فكها وفكاهة فهو فكه وفاكه ، إذا طاب عيشه ، وزاد سروره ، وعظم نشاطه وسميت الفاكهة بذلك لتلذذ الإنسان بها .
أى : يقال للكافرين فى يوم الحساب والجزاء زيادة فى حسرتهم - إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل عظيم ، يتلذذون فيه بما يشرح صدورهم ، ويرضى نفوسهم ، ويقر عيونهم ، ويجعلهم فى أعلى درجات التنعم والغبطة .
وعبر عن حالهم هذه بالجملة الاسمية المؤكدة ، للإِشعار بأن هذه الحال ثابتة لهم ثبوتا تاما ، بفضل الله - تعالى - وكرمه .
قوله تعالى : { إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ( 55 ) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ( 56 ) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ( 57 ) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } .
{ فِي شُغُلٍ } خبر إن . و { فَاكِهُونَ } خبر ثان . و { فَاكِهُونَ } أي طربون فرحو متنعمون بأنواع اللذائذ والطيبات . والفاكه والفكه بمعنى المتلذذ المتنعم{[3918]} .
الله جل جلاله يصف حال المؤمنين الذين ارتحلوا عن أرض المحشر حيث الأهوال والعرصات الشداد . فقد فازوا بمرضاة الله وحسن جزائه بدخولهم جنات النعيم ؛ فهم حينئذ في روضات الجنات في شغل عما فيه أهل النار . أو شغلهم النعيم عن كل ما يخطر بالبال فهم مشغولون بالبهجة والنعيم المقيم . وهم فيه { فَاكِهُونَ } أي مبتهجون محبورون متنعمون .