ولما دعا سبحانه فيها إلى معالي الشيم وعدم الاعتراض ، وختم بالأمر بالملة الحنيفية التي هي سهولة الانقياد للدليل ، وعدم الكون مع الجامدين ، اقتداء بالأب الأعظم ، وكان الخلاف والعسر مخالفاً لملته ، فكان لا يجر إلى خير ، وكان من المعلوم أن كل حكم حدث بعده ليس من ملته ، وكان اليهود يزعمون جهلاً أنه كان على دينهم ، وكان السبت من أعظم شعائرهم ، أنتج ذلك قوله تعالى جواباً لمن قد يدعي من اليهود أنه كان على دينهم ، وتحذيراً من العقوبة على الاختلاف في الحق بالتشديد في الأمر . { إنما جعل } ، أي : بجعل من لا أمر لغيره ، { السبت } ، أي : تحريمه واحترامه أو وباله ، { على الذين اختلفوا فيه } ، حين أمرهم نبيهم بالجمعة فقبل ذلك بعضهم وأراد السبت آخرون ، فبدلوا بالجمعة السبت . وشدد عليهم في أمره انتقاماً منهم بما تفهمه التعدية ب " على " ، فكان ذلك وبالاً عليهم ، وفي ذلك تذكير بنعمة التيسير علينا ؛ قال البغوي ؛ قال الكلبي : أمرهم موسى عليه السلام بالجمعة فقال : تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوماً ، فاعبدوه يوم الجمعة ، ولا تعملوا فيه عملاً لصنعتكم ، وستة أيام لصناعتكم ، فأبوا إلا شرذمة منهم وقالوا : لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم السبت ، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه ، ثم جاءهم عيسى عليه السلام بيوم الجمعة فقالوا : لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا ، فأخذوا الأحد ، فأعطى الله الجمعة هذه الأمة فقبلوها وبورك لهم فيها .
وقال عبد الرزاق في تفسيره : أخبرني معمر أخبرني من سمع مجاهداً يقول في قوله تعالى : { إنما جعل السبت } ، فقال : ردوا الجمعة وأخذوا السبت مكانه . وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له . فهم لنا فيه تبع ، فاليهود غداً والنصارى بعد غد " .
ولما كان الإشراك واضحاً في أمر النصارى ، استغنى بنفيه عنه عن التصريح بأنه ليس على دينهم ؛ ثم حذر من الاختلاف مثبتاً أمر البعث فقال تعالى : { وإن ربك } ، أي : المحسن إليك بطواعية أصحابك لك ، { ليحكم بينهم } ، أي : هؤلاء المختلفين ، ( يوم القيامة ) ، واجتماع جميع الخلائق ، ( فيما كانوا ) ، أي : بجبلاتهم ، { فيه يختلفون * } ، من قبول الجمعة وردها ، ومن الإذعان لتحريم الصيد وإبائه وغير ذلك ، فيجازي كل فريق منهم بما يستحقه .
قوله تعالى : { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } ، لم يفرض الله تعظيم يوم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه ؛ إذ قال بعضهم ، وهو اليهود : إنه أعظم الأيام . وقال آخرون وهم النصارى : بل أعظم الأيام يوم الأحد . فاختاروه وتركوا تعظيم يوم الجمعة .
على أن المراد بقوله : ( على الذين اختلفوا فيه ) ، على نبيهم موسى ؛ إذ أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت . فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم . وليس المراد أن اليهود اختلفوا فيه ، فمنهم من قال بالسبت ومنهم من لم يقل به . وقيل : المراد باختلافهم في يوم السبت : أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة أخرى ؛ فشدد الله عليهم .
قوله : ( وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) ، سوف يحكم الله بين هؤلاء المختلفين في السبت عندما يصيرون إلى الله يوم القيامة ، وحينئذ يقضي الله للفئة المؤمنة المستقيمة منهم بحسن الجزاء ، ولأهل الباطل- وهم الأكثرون – بسوء المصير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.