في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (258)

258

والآية الأولى تحكي حوارا بين إبراهيم - عليه السلام - وملك في أيامه يجادله في الله . لا يذكر السياق اسمه ، لأن ذكر اسمه لا يزيد من العبرة التي تمثلها الآية شيئا . وهذا الحوار يعرض على النبي [ ص ] وعلى الجماعة المسلمة في أسلوب التعجيب من هذا المجادل ، الذي حاج إبراهيم في ربه ؛ وكأنما مشهد الحوار يعاد عرضه من ثنايا التعبير القرآني العجيب :

( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ؟ إذ قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت . قال : أنا أحيي وأميت ! قال إبراهيم : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب . فبهت الذي كفر . والله لا يهدي القوم الظالمين ) . .

إن هذا الملك الذي حاج إبراهيم في ربه لم يكن منكرا لوجود الله أصلا إنما كان منكرا لوحدانيته في الألوهية والربوبية ولتصريفه للكون وتدبيره لما يجري فيه وحده ، كما كان بعض المنحرفين في الجاهلية يعترفون بوجود الله ولكنهم يجعلون له اندادا ينسبون إليها فاعلية وعملا في حياتهم ! وكذلك كان منكرا أن الحاكمية لله وحده ، فلا حكم إلا حكمه في شؤون الأرض وشريعة المجتمع .

إن هذا الملك المنكر المتعنت إنما ينكر ويتعنت للسبب الذي كان ينبغي من أجله أن يؤمن ويشكر . هذا السبب هو ( أن آتاه الله الملك ) . . وجعل في يده السلطان ! لقد كان ينبغي أن يشكر ويعترف ، لولا أن الملك يطغي ويبطر من لا يقدرون نعمة الله ، ولا يدركون مصدر الإنعام . ومن ثم يضعون الكفر في موضع الشكر ؛ ويضلون بالسبب الذي كان ينبغي أن يكونوا به مهتدين ! فهم حاكمون لأن الله حكمهم ، وهو لم يخولهم استعباد الناس بقسرهم على شرائع من عندهم . فهم كالناس عبيد لله ، يتلقون مثلهم الشريعة من الله ، ولا يستقلون دونه بحكم ولا تشريع فهم خلفاء لا أصلاء !

ومن ثم يعجب الله من أمره وهو يعرضه على نبيه :

( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ؟ ) . .

ألم تر ؟ إنه تعبير التشنيع والتفظيع ؛ وإن الإنكار والاستنكار لينطلقان من بنائه اللفظي وبنائه المعنوي سواء . فالفعلة منكرة حقا : أن يأتي الحجاج والجدال بسبب النعمة والعطاء ! وأن يدعي عبد لنفسه ما هو من اختصاص الرب ، وأن يستقل حاكم بحكم الناس بهواه دون أن يستمد قانونه من الله .

( قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت ) . .

والإحياء والإماتة هما الظاهرتان المكرورتان في كل لحظة ، المعروضتان لحس الإنسان وعقله . وهما - في الوقت نفسه - السر الذي يحير ، والذي يلجيء الإدراك البشري الجاء إلى مصدر آخر غير بشري . وإلى أمر آخر غير أمر المخاليق . ولا بد من الالتجاء إلى الألوهية القادرة على الإنشاء والإفناء لحل هذا اللغز الذي يعجز عنه كل الأحياء .

إننا لا نعرف شيئا عن حقيقة الحياة وحقيقة الموت حتى اللحظة الحاضرة . ولكننا ندرك مظاهرهما في الأحياء والأموات . ونحن ملزمون أن نكل مصدر الحياة والموت إلى قوة ليست من جنس القوى التي نعرفها على الإطلاق . . قوة الله . .

ومن ثم عرف إبراهيم - عليه السلام - ربه بالصفة التي لا يمكن أن يشاركه فيها أحد ، ولا يمكن أن يزعمها أحد ، وقال وهذا الملك يسأله عمن يدين له بالربوبية ويراه مصدر الحكم والتشريع غيره . . قال : ربي الذي يحيي ويميت فهو من ثم الذي يحكم ويشرع .

وما كان إبراهيم - عليه السلام - وهو رسول موهوب تلك الموهبة اللدنية التي أشرنا إليها في مطلع هذا الجزء - ليعني من الأحياء والإماتة إلا إنشاء هاتين الحقيقتين إنشاء . فذلك عمل الرب المتفرد الذي لا يشاركه فيه أحد من خلقه . ولكن الذي حاج إبراهيم في ربه رأى في كونه حاكما لقومه وقادرا على إنفاذ أمره فيهم بالحياة والموت مظهرا من مظاهر الربوبية . فقال لإبراهيم : أنا سيد هؤلاء القوم وأنا المتصرف في شأنهم ، فأنا إذن الرب الذي يجب عليك أن تخضع له ، وتسلم بحاكميته :

( قال : أنا أحيي وأميت ) !

عند ذلك لم يرد إبراهيم - عليه السلام - أن يسترسل في جدل حول معنى الإحياء والإماتة مع رجل يماري ويداور في تلك الحقيقة الهائلة . حقيقة منح الحياة وسلبها . هذا السر الذي لم تدرك منه البشرية حتى اليوم شيئا . . وعندئذ عدل عن هذه السنة الكونية الخفية ، إلى سنة أخرى ظاهرة مرئية ؛ وعدل عن طريقة العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله : ( ربي الذي يحيي ويميت ) . . إلى طريقة التحدي ، وطلب تغيير سنة الله لمن ينكر ويتعنت ويجادل في الله ؛ ليريه أن الرب ليس حاكم قوم في ركن من الأرض ، إنما هو مصرف هذا الكون كله . ومن ربوبيته هذه للكون يتعين أن يكون هو رب الناس المشرع لهم :

( قال إبراهيم : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ) . .

وهي حقيقة كونية مكرورة كذلك ؛ تطالع الأنظار والمدارك كل يوم ؛ ولا تتخلف مرة ولا تتأخر . وهي شاهد يخاطب الفطرة - حتى ولو لم يعرف الإنسان شيئا عن تركيب هذا الكون ، ولم يتعلم شيئا من حقائق الفلك ونظرياته - والرسالات تخاطب فطرة الكائن البشري في أية مرحلة من مراحل نموه العقلي والثقافي والاجتماعي ، لتأخذ بيده من الموضع الذي هو فيه . ومن ثم كان هذا التحدي الذي يخاطب الفطرة كما يتحدث بلسان الواقع الذي لا يقبل الجدل :

( فبهت الذي كفر ) . .

فالتحدي قائم ، والأمر ظاهر ، ولا سبيل إلى سوء الفهم ، أو الجدال والمراء . . وكان التسليم أولى والإيمان أجدر . ولكن الكبر عن الرجوع إلى الحق يمسك بالذي كفر ، فيبهت ويبلس ويتحير . ولا يهديه الله إلى الحق لأنه لم يتلمس الهداية ، ولم يرغب في الحق ؛ ولم يلتزم القصد والعدل :

( والله لا يهدي القوم الظالمين ) . .

ويمضي هذا الجدل الذي عرضه الله على نبيه [ ص ] وعلى الجماعة المسلمة . مثلا للضلال والعناد ؛ وتجربة يتزود بها أصحاب الدعوة الجدد في مواجهة المنكرين ؛ وفي ترويض النفوس على تعنتالمنكرين !

كذلك يمضي بتقرير تلك الحقائق التي تؤلف قاعدة التصور الإيماني الناصع : ( ربي الذي يحيي ويميت ) . .

( فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ! ) . . حقيقة في الأنفس وحقيقة في الآفاق . حقيقتان كونيتان هائلتان ؛ وهما - مع ذلك - مكرورتان معروضتان للبصائر والأبصار آناء الليل وأطراف النهار . لا تحتاجان إلى علم غزير ، ولا إلى تفكير طويل . فالله أرحم بعباده أن يكلهم في مسألة الإيمان به والاهتداء إليه ، إلى العلم الذي قد يتأخر وقد يتعثر ، وإلى التفكير الذي قد لا يتهيأ للبدائيين . إنما يكلهم في هذا الأمر الحيوي الذي لا تستغني عنه فطرتهم ، ولا تستقيم بدونه حياتهم ، ولا ينتظم مع فقدانه مجتمعهم . . ولا يعرف الناس بدونه من أين يتلقون شريعتهم وقيمهم وآدابهم . . يكلهم في هذا الأمر إلى مجرد التقاء الفطرة بالحقائق الكونية المعروضة على الجميع ، والتي تفرض نفسها فرضا على الفطرة ، فلا يحيد الإنسان عن إيحائها الملجيء إلا بعسر ومشقة ومحاولة ومحال وتعنت وعناد !

والشأن في مسألة الاعتقاد هو الشأن في كل أمر حيوي تتوقف عليه حياة الكائن البشري . فالكائن الحي يبحث عن الطعام والشراب والهواء - كما يبحث عن التناسل والتكاثر - بحثا فطريا ، ولا يترك الأمر في هذه الحيويات حتى يكمل التفكير وينضج ، أو حتى ينمو العلم ويغزر . . وإلا تعرضت حياة الكائن الحي إلى الدمار والبوار . . والإيمان حيوي للإنسان حيوية الطعام والشراب والهواء سواء بسواء . ومن ثم يكله الله فيه إلى تلاقي الفطرة بآياته المبثوثة في صفحات الكون كله في الأنفس والآفاق .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (258)

ولما ذكر {[12452]}ما له سبحانه وتعالى{[12453]} من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر الإيمان وتوليه{[12454]} حزبه{[12455]} وأمر الكفران وخذلانه{[12456]} أهله أخذ يدل على ذلك بقصة المحاج للخليل والمار على القرية مذكراً بقصة الذين قال لهم{[12457]} موتوا ثم أحياهم في سياق التعجيب من تلك الجرأة - قال الحرالي : ولما كان ما أظهره الحق في آية عظمته وما اتصل بها في خاصة عباده{[12458]} اختص هذا الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم لعلو مفهوم مغزاه عمن دونه ، انتهى - فقال تعالى : { ألم تر{[12459]} } أي تعلم بما نخبرك{[12460]} به علماً هو عندك كالمشاهدة لما لك من كمال البصيرة وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة . ولما كان هذا المحاج بعيداً من{[12461]} الصواب كثيف الحجاب أشار إلى بعده بحرف الغاية فقال : { إلى الذي حآج إبراهيم } أي الذي هو أبو العرب وهم أحق الناس{[12462]} بالاقتداء به { في ربه } الضمير يصح أن يعود على كل منهما أي فيما يختص به خالقه{[12463]} المربي له{[12464]} المحسن إليه بعد وضوح هذه الأدلة وقيام هذه البراهين إشارة إلى أنه سبحانه أوضح على لسان كل نبي أمره وبين عظمته وقدره{[12465]} مع أنه ركز{[12466]} ذلك في جميع الفطر وقادها إلى بحور جلاله بأدنى نظر فكأن نمرود{[12467]} المحاج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات ، ولما كان ذلك أمراً باهراً معجباً بين أن علته الكبر{[12468]} الذي أشقى إبليس فقال : { أن } أي لأجل أن { آتاه الله } {[12469]}أي الملك الأعلى{[12470]} بفيض{[12471]} فضله { الملك } الفاني في الدنيا الدنيئة ، فجعل موضع ما يجب عليه من شكر من ملكه ذلك محاجته فيه وكبره رغم{[12472]} عليه ، وعرفه إشارة إلى كماله بالنسبة إلى الآدميين{[12473]} بالحكم على جميع الأرض .

قال الحرالي : وفي إشعاره أن الملك {[12474]}فتنة وبلاء{[12475]} على من أوتيه - انتهى . فتكبر بما خوله الله فيه على عباد الله وهم يطيعونه{[12476]} لما مكّن{[12477]} الله له{[12478]} من الأسباب إلى أن رسخت قدمه في الكبر المختص بالملك الأعظم مالك الملك ومبيد الملوك فظن جهلاً أنه أهل له .

ولما أخبر سبحانه وتعالى بمحاجته بين ما هي تقريراً لآية{[12479]} { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم{[12480]} }[ البقرة : 243 ] دلالة على البعث ليوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فقال : { إذ } أي حاجه{[12481]} حين{[12482]} { قال إبراهيم ربي } أي الذي أحسن إليّ بخلقي وإدامة الهداية لي{[12483]} { الذي يحيي ويميت{[12484]} } أي وحده ، وهذه العبارة تدل على تقدم كلام في هذا وادعاء أحد لمشاركة في هذه الصفة .

ولما كان كأنه قيل : هذا أمر ظاهر مجمع{[12485]} عليه فما ذا الذي يحاج المحاج فيه ؟ أجيب بقوله : { قال } أي ذلك المحاج بجرأة وعدم تأمل لما ألفه من ذل الناس له وطواعيتهم لجبروته { أنا } أي أيضاً { أحيي وأميت } بأن أمُنَّ على من استحق القتل وأقتل{[12486]} من{[12487]} لا يستحق القتل{[12488]} .

فلما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قد اجترأ على عظيم وأن محاجته في نفس الإحياء ربما خفيت{[12489]} أو طالت رأى أن يعجل إبهاته مع بيان حقارته بما هو أجلى من ذلك ، وفيه أنه دون ما ادعاه بمراتب لأن الإحياء إفاضة الروح على صورة بعد إيجادها من العدم بأن { قال إبراهيم } وقال الحرالي : ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة{[12490]} الحجة الملبسة كما قال تعالى{ فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً{[12491]} }[ الكهف : 53 ] نقل{[12492]} المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة في الآفاق بأعظم كواكبها الشمس{[12493]}{ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم{[12494]} }[ فصلت : 53 ] ففي ظاهر الاحتجاج انتقال وفي {[12495]}طيه تقرير الأول لأن الروح شمس البدن فكأنه ضرب مثل من حيث إن الإحياء إنما هو أن يؤتى بشمس{[12496]} الروح من حيث غربت فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة باطنه تتميم للحجة الأولى قال تعالى : { فإن } بالفاء الرابطة بين الكلامين إشعاراً لتتمة الحجة الأولى بالحجة الثانية - انتهى . أي تسبب عن دعواك هذه{[12497]} أن أقول لك : إن { الله } بما له من العظمة والجلال باستجماع صفات الكمال { يأتي بالشمس } أي وهو الذي أوجدها { من المشرق } أي في كل يوم من قبل أن توجد أنت بدهور { فأت بها }{[12498]} أنت { من المغرب } ولو يوماً واحداً .

قال الحرالي : إظهاراً لمرجع العالم بكليته إلى واحد ، وأن قيوم الإنسان في الإحياء والإماتة هو قيوم الآفاق في طلوع الشمس وغروبها ، وفي لحنه إشعار بأن الله سبحانه وتعالى لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء حتى يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها - انتهى . { فبهت } قال الحرالي : من البهت وهو بقاء الشيء على حاله{[12499]} وصورته{[12500]} لا يتغير عنها لأمر يبهره وقعه أي فتسبب عن ذلك أنه{[12501]} بهت { الذي كفر } أي حصل له الكفر بتلك الدعوى التي لزمه بها إنكاره لاختصاصه سبحانه وتعالى بالقدرة على ذلك {[12502]}وادعاؤه لنفسه الشركة{[12503]} ، فبين له الخليل عليه الصلاة والسلام بهذا المثال{[12504]} أنه عاجز عن تحويل صورة صورها الله سبحانه وتعالى ووضعها في{[12505]} جهة إلى{[12506]} غير تلك الجهة فكيف له بأن يوجد صورة من العدم فكيف ثم كيف بإفاضة الروح عليها فكيف بالروح الحساسة فكيف بالروح الناطقة ! وسيأتي لهذا الشأن في سورة{[12507]} الشعراء مزيد بيان ، فيالله{[12508]} ما أعلى مقامات الأنبياء ! وما أصفى بصائرهم ! وما أسمى درجاتهم وأزكى عناصرهم ! عليهم أجمعين مني أعظم الصلاة والسلام وأعلى التحية والإكرام . وقال الحرالي : فعرفه أي في قوله : { كفر } بوصفه من حيث دخل عليه البهت منه{[12509]} - انتهى . أي لأنه ستر{[12510]} ما يعلمه من عجز نفسه وقدرة خالقه ، فكشف سبحانه وتعالى بلسان خليله صلى الله عليه وسلم الستر الذي أرخاه كشفاً واضحاً وهتكه بعظيم البيان هتكاً فاضحاً .

ولما كان التقدير : لأنه ظلم في ادعائه ذلك وفي الوجه الذي ادعى ذلك بسبه من قتل البريء وترك المجترىء ، قال سبحانه وتعالى : { والله } {[12511]}أي الذي{[12512]} لا أمر لأحد معه { لا يهدي القوم } أي الذين{[12513]} أعطاهم قوة المقاومة للأمور { الظالمين * } عامة لوضعهم الأشياء بإرادته وتقديره في غير مواضعها ، لأنه أظلم قلوبهم فجعلها أحلك من الليل{[12514]} الحالك فلم يبق لهم ذلك{[12515]} وجهاً ثابتاً{[12516]} يستمسكون به ، فأين منهم الهداية وقد صاروا بمراحل عن مواطن أهل العناية ! وقصر فعل الهداية لإفادة العموم ، قال الإمام : فاختصر اللفظ إفادة لزيادة{[12517]} المعنى وهو من اللطائف القرآنية .


[12452]:في م وظ: سبحانه ما له.
[12453]:من م ومد وظ، وفي الأصل: تولية.
[12454]:من م ومد وظ، وفي الأصل: خربه، وفي م: ضربه.
[12455]:في من : جدلانه.
[12456]:زيد في ظ: الله.
[12457]:من م ومد وظ، وفي الأصل: عبادة ـ كذا.
[12458]:مناسبة هذه الآية لما قبلها لما أخبر أنه ولى الذين آمنوا وأخبر أن الكفار أولياؤهم الطاغوت ذكر هذه القصة التي جرت بين إبراهيم والذي حاجه وأنه ناظر ذلك الكافر فغلبه وقطعه إذ كان اله وليه، وانقطع ذلك الكافر وبهت إذ كان وليه هو الطاغوت "إلا أن حزب الله هم الغالبون" إلا أن حزب الله هم المفلحون". فصارت هذه القصة مثلا للمؤمن والكافر اللذين تقدم ذكرهما ـ البحر المحيط 2/286.
[12459]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يخبرك.
[12460]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يخبرك.
[12461]:في م: عن.
[12462]:زيد من م وظ ومد.
[12463]:أخره في م وظ ومد عن "المحسن إليه".
[12464]:أخره في ومد وظ عن "المحسن إليه".
[12465]:من م ومد وظ، وفي الأصل: قدرة، وفي م: قدرته.
[12466]:في الأصل: ركن، والتصحيح من م ومد وظ .
[12467]:هو نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة ـ قاله مجاهد وقتادة والربيع والسدى وابن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم، وقال ابن جريج: هو أول ملك في الأرض . . . وقال قتادة: هو أول من تجير وهو صاحب الصرح ببابل، وقيل: إنه ملك الدنيا بأجمعها ونفذت فيها طينة وقال مجاهد ملك الأرض مؤمنان: سليمان وذو القرنين، وكافران: نمرود وبخت نصر ـ البحر المحيط 2/286. .
[12468]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الكبرى.
[12469]:ليست في ظ.
[12470]:ليست في ظ.
[12471]:من م ومد، وفي ظ: يفيض ـ كذا وفي الأصل: يفيض.
[12472]:من م، وفي بقية الأصول: زعم.
[12473]:من مد وظ ، وفي م: الاربيين، وفي الأصل: الارهبين.
[12474]:في م وظ ومد: بلاء وفتنة.
[12475]:في م وظ ومد: بلاء وفتنة.
[12476]:في الأصل: يطيعون، والتصحيح من م ومد وظ.
[12477]:في الأصل: أمكن، والتصحيح من م وظ ومد.
[12478]:في الأصل: لهم، والتصحيح من م وظ ومد.
[12479]:في م: الآية.
[12480]:زيد من م ومد وظ.
[12481]:زيد من م ومد وظ.
[12482]:من م ومد وظ، وفي الأصل: حاجة.
[12483]:ليس في م.
[12484]:هذا من إبراهيم عن سؤال سبق من الكافر وهو أن قال: من ربك؟ وقد تقدم في قصته شيء من هذا، وإلا فلا يبتدأ كلام بهذا، واختص إبراهيم من آيات الله بالإحياء والإماتة لأنهما أبدع آيات الله وأشهرها وأدلها على تمكن القدرة . . . وفي قول إبراهيم "ربي الذي يحيي ويميت" . . . إشارة إلى أنه هو الذي أوجد الكافر ويحييه ويميته كأنه قال: ربي الذي يحيي ويميت هو متصرف فيك وفي أشياعك بما لا تقدر عليه أنت ولا أشباهك من هذين الوصفين العظمين المشاهدين للعالم اللذين لا ينفع فيهما حيل الحكماء ولا طب الأطباء ـ البحر المحيط 2/288.
[12485]:زيد من م ومد وظ، غير أن في ظ تجمع.
[12486]:زيد في الأصل "على" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[12487]:في ظ: ما.
[12488]:ليس في م ومد وظ.
[12489]:في ظ: أحفيت.
[12490]:في م: متابعة.
[12491]:سورة 61 آية 53.
[12492]:في الأصل : هل، والتصحيح من م وظ ومد. وفي البحر المحيط 2/288: لما خيل الكافر أنه مشارك لرب إبراهيم في الوصف الذي ذكره إبراهيم و رأي إبراهيم من معارضته ما يدل على ضعف فهمه أو مغالطته فإنه عارض اللفظ بمثله ولم يتدبر اختلاف الوصفين ذكر له ما لا يمكن أن يدعيه ولا يغالط فيه، واختلف المفسرون هل ذلك انتقال من دليل إلى دليل أو هو دليل واحد والانتقال فيه من مثال إلى مثال أوضح منه.
[12493]:سقط من م.
[12494]:سورة 41 آية 53.
[12495]:العبارة المحجوزة زيدت من م ومد وظ.
[12496]:في ظ: شمس.
[12497]:سقط من م.
[12498]:زيد في ظ: أي.
[12499]:في مد: حالة.
[12500]:في مد: صورة.
[12501]:من م وظ ومد، وفي الأصل: إن.
[12502]:ليست في م.
[12503]:ليست في م.
[12504]:ليست في م.
[12505]:زيد في م: غير.
[12506]:زيد من م وظ ومد.
[12507]:سقط من ظ.
[12508]:في ظ: الله.
[12509]:ليس في ظ.
[12510]:سقط من م.
[12511]:العبارة من هنا إلى "معه" ليست في ظ.
[12512]:زيد في م: له الأمر.
[12513]:في الأصل: الذي، والتصحيح من م وظ ومد.
[12514]:في ظ: اليل.
[12515]:زيد من م وظ ومد.
[12516]:في الأصل: ثانيا، والتصحيح من م وظ ومد.
[12517]:من م وظ ومد، وفي الأصل: بزيادة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (258)

قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ) فقد خاصم نمروذ إبراهيم في ربه جاحدا إياه ؛ وذلك لفرط غروره وكبريائه نتيجة الملك الواسع الذي أعطاه الله إياه .

وقوله : ( إذ قال إبراهيم رحبي الذي يحي ويميت قال أنا أحيي وأميت ) ساق إبراهيم هذه الحدة ليبرهن لنمروذ على يقينية الوجود لله وعلى عظمته وجلاله وسلطانه ، فالذي بيده الإحياء والإماتة لهو إله خالق مطلق الإرادة والمشيئة ، لكن الطاغية المتأله نمروذ لا يتورع أن يجحد ويتمرد ويستكبر هو يبادر في غرور لجوج وفي عماية مطبقة ليزعم أنه قادر على الإحياء والإماتة . وقد ذكر كثير من المفسرين والشرّاح أن نمروذ كان يقصد بذلك أن يعفو عن المدان بعد تجريمه وذلك إحياء له . أما إن قتله فلا يعني بذلك إلا أنه أماته بمشيئته وإرادته .

حتى إذا استبان لإبراهيم عُقم الاحتجاج المعتبر ، وأن هذا الملك الجاحد الطاغية لا يعرف المنطق والبرهان إلى ذهنه وبصيرته سبيلا ، بادر إلى مساءلته بما يتحداه ويحرجه إحراجا لا يجد معه مجالا للمواربة أو طول الجدل ، فقال الله حاكيا عن إبراهيم في هذا الصدد : ( قال لإبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فإت بها من المغرب ) ذلك تحدّ صارخ مؤنس لنمروذ أن يأتي بالشمس من المغرب حال طلوعها خلافا لتقدير الله سبحانه ؛ إذ يأتي بها من المشرق . وهنا ينكشف التمحل والاصطناع ، ويتبدد الزيف والمراوغة ، ويستبين الضعف الذي يركب طبيعة الإنسان ( فبهت الذي كفر ) وبهت كلمة جامعة ، وهي بحث تعبّر عن المقصود أكمل تعبير . وهي تتناول كل معاني الدهشة والحيرة والإحراج والانهزام والتقهقر والارتباك .

قوله : ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) لا يجعل الله لمثل هؤلاء الكفرة المشركين حجة و برهانا يوثق مزاعمهم ، بل إن احتجاجهم وما يصطنعونه من برهان لهو دائما مكذوب وداحض .