( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
ثم يمضي السياق يصور في مشهد حسي حي متحرك طريق الهدى وطريق الضلال ؛ وكيف يكون الهدى وكيف يكون الضلال . . يصور كيف يأخذ الله - ولي الذين آمنوا - بأيديهم ، فيخرجهم من الظلمات إلى النور . بينما الطواغيت - أولياء الذين كفروا - تأخذ بأيدهم فتخرجهم من النور إلى الظلمات !
إنه مشهد عجيب حي موح . والخيال يتبع هؤلاء وهؤلاء ، جيئة من هنا وذهابا من هناك . بدلا من التعبير الذهني المجرد ، الذي لا يحرك خيالا ، ولا يلمس حسا ، ولا يستجيش وجدانا ، ولا يخاطب إلا الذهن بالمعاني والألفاظ .
فإذا أردنا أن ندرك فضل طريقة التصوير القرآنية ، فلنحاول أن نضع في مكان هذا المشهد الحي تعبيرا
ذهنيا أيا كان . لنقل مثلا : الله ولي الذين آمنوا يهديهم إلى الإيمان . والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يقودونهم إلى الكفران . . إن التعبير يموت بين أيدينا ، ويفقد ما فيه من حرارة وحركة وإيقاع !
وإلى جانب التعبير المصور الحي الموحي نلتقي بدقة التعبير عن الحقيقة :
( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور . والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) . .
إن الإيمان نور . . نور واحد في طبيعته وحقيقته . . وإن الكفر ظلمات . . ظلمات متعددة متنوعة . ولكنها كلها ظلمات .
وما من حقيقة أصدق ولا أدق من التعبير عن الإيمان بالنور ، والتعبير عن الكفر بالظلمة .
إن الإيمان نور يشرق به كيان المؤمن أول ما ينبثق في ضميره . تشرق به روحه فتشف وتصفو وتشع من حولها نورا ووضاءة ووضوحا . . نور يكشف حقائق الأشياء وحقائق القيم وحقائق التصورات ، فيراها قلب المؤمن واضحة بغير غبش ، بينة بغير لبس ، مستقرة في مواضعها بغير أرجحة ؛ فيأخذ منها ما يأخذ ويدع منها ما يدع في هوادة وطمأنينة وثقة وقرار لا أرجحة فيه . . نور يكشف الطريق إلى الناموس الكوني فيطابق المؤمن بين حركته وحركة الناموس الكوني من حوله ومن خلاله ؛ ويمضي في طريقه إلى الله هينا لينا لا يعتسف ولا يصطدم بالنتوءات ، ولا يخبط هنا وهناك . فالطريق في فطرته مكشوف معروف .
وهو نور واحد يهدي إلى طريق واحد . فأما ضلال الكفر فظلمات شتى منوعة . . ظلمة الهوى والشهوة . وظلمة الشرود والتيه . وظلمة الكبر والطغيان . وظلمة الضعف والذلة . وظلمة الرياء والنفاق . وظلمة الطمع والسعر . وظلمة الشك والقلق . . . وظلمات شتى لا يأخذها الحصر تتجمع كلها عند الشرود عن طريق الله ، والتلقي من غير الله ، والاحتكام لغير منهج الله . . وما يترك الإنسان نور الله الواحد الذي لا يتعدد . نور الحق الواحد الذي لا يتلبس . حتى يدخل في الظلمات من شتى الأنواع وشتى الأصناف . . وكلها ظلمات . . !
والعاقبة هي اللائقة بأصحاب الظلمات :
( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . . وإذ لم يهتدوا بالنور ، فليخلدوا إذن في النار !
إن الحق واحد لا يتعدد والضلال ألوان وأنماط . . فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟
ولما قرر ذلك وأرشد السياق إلى شيء اقتضت البلاغة طيه إرشاداً إلى البعد منه والهرب عنه لبشاعته وسوء مغبته{[12426]} وهو ومن يؤمن بالطاغوت ويكفر{[12427]} بالله فلا يتمسك{[12428]} له والله يهويه إلى الجحيم ، {[12429]}كأنه قيل : فمن يخلص النفس من ظلمات الهوى والشهوة ووساوس الشيطان ؟ فقال مستأنفاً : { الله } أي بما له من العظمة والأسماء الحسنى { ولي الذين آمنوا{[12430]} } أي يتولى مصالحهم ، ولذلك بين ولايته بقوله : { يخرجهم من الظلمات } أي المعنوية{[12431]} جمع ظلمة وهو ما يطمس الباديات حساً أو معنى ، وجمعها لأن طرق الضلال كثيرة فإن الكفر أنواع { إلى النور } أي المعنوي وهو ما يظهر الباديات حساً أو معنىً - قاله الحرالي ، ووحده لأن الصراط المستقيم واحد
{ ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله{[12432]} }[ الأنعام : 153 ] {[12433]}ومن المحامل الحسنة أن يشار بالجمع إلى ما ينشأ {[12434]}من الجهل{[12435]} عن المشاعر{[12436]} التي أخبر بالختم عليها ، فصار البصر عرياً عن الاعتبار ، والسمع خالياً عن الفهم والاستبصار ، والقلب{[12437]} معرضاً عن التدبر والافتكار ، وبالوحدة في النور إلى صلاح القلب فإنه كفيل بجلب كل سار ودفع كل{[12438]} ضار ، والنور الذي هو العقل والفطرة الأولى ذو{[12439]} جهة واحدة{[12440]} وهي القوم ، والظلمة الناشئة عن النفس ذات جهات هي في غاية الاختلاف .
ولما ذكر عبّاده الخلص ذكر عُبّاد{[12441]} الشهوات فقال : { والذين كفروا } أي ستروا{[12442]} ما دلت عليه أدلة العقول أولاً والنقول ثانياً بشهوات النفوس { أولياؤهم الطاغوت } من شهواتهم وما أدت إليه من اتباع كل ما أطغى من الشياطين والعكوف على الأصنام{[12443]} وغير ذلك ، ثم بين استيلاءهم عليهم بقوله : { يخرجونهم } وإسناده إلى ضمير الجمع يؤيد أن جمع الظلمات لكثرة أنواع الكفر { من النور } أي الفطرى{[12444]} { إلى الظلمات{[12445]} } قال الحرالي : وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلىالروح المجندة إلى{[12446]} الفطرة المستوية " كل مولود يولد على الفطرة " انتهى .
ولما ذكر استيلاء الشهوات عليهم الداعي إليها الطيش والخفة الناشىء عن عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان بين أن أجزاءهم من جنس مرتكبهم فقال : { أولئك } أي الحالون في محل البعد{[12447]} والبغض { أصحاب النار } {[12448]}قال الحرالي{[12449]} : الذين اتبعوها من حيث لم يشعروا من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبه{[12450]} - انتهى . ولما علم من ذكر الصحبة دوامهم فيها صرح به تأكيداً بقوله مبيناً اختصاصهم بها : { هم } أي خاصة { فيها خالدون * } إلى ما لا آخر له . قال الحرالي : وجعل الخلود وصفاً لهم{[12451]} إشعاراً بأنهم فيها وهم في دنياهم - انتهى .
قوله : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) الوليّ معناه الناصر . فالذين آمنوا وليّهم الله ، لكن الذين كفروا وليّهم الطاغوت وهو الشيطان وأتباعه الذين يجتالون الناس عن صراط الله وعن منهجه الحق إلى حيث الضلالة والفسق والتمرد والجحود .
والله جل وعلا ناصر المؤمنين بما أنزل عليهم من كتاب فيه منهج الحق والعدل ، وفيه من التبصرة لهم والهداية ما يخرجهم من الظلمات وهي ضروب الكفر والضلال حيث يتخبط الناس ويتيهون ، وحيث تشتط البشرية وتضطرب ثم تهوي ، إلى النور وهو الإسلام ، دين الله ومنهجه إلى الإنسانية لتعيش في خير وراحة وأمن ولتظل في منجاة من التعثر والغواية والضياع .
ونقيض هذه الولاية الكريمة الراشدة ، تلك الولاية المضللة التي يخدع بها الشياطين أتباعهم من الكافرين ؛ ذلك أن الشياطين المتمردين من الإنس والجن يخادعون كثيرا من الناس ؛ إذ يسوّلون لهم مناهج الكفر ويجتالونهم عن منهج الله بعد أن يضلّوهم ويغرروهم تغريرا وذلك إخراجهم لهم من النور وهو الإسلام إلى الظلمات وهي الكفر بكل أشكاله وصوره وضروبه ، ومن طريف ما جاء في هذه الكلمات الربانية إفراد النور وجمع الظلمات ، ومبعث ذلك أن النور وهو الحق واحد ، أما الظلمات وهي الكفر فهي كثيرة متعددة بتعدد ألوان الكفر وصوره . كصورة الكفر في الجاهلية العربية الأولى أو ما قبلها من جاهليات كافرة خلال الأزمنة الغابرة ، وكذلك صورة الكفر في الصهيونية الماكرة المتآمرة على الإسلام والبشرية جمعاء ، ثم صورة الكفر في الشيوعية الملحدة الخبيثة ، ثم صورته في الفلسفة الوجودية حيث الإلحاد واليأس والتمييع ، ثم الرأسمالية التي تجعل من المال إلها معبودا ، وغير ذلك من صور الكفر التي تغطّي وجه الأرض والتي ينفثها الشياطين بألسنتهم وأقلامهم وإيحاءاتهم ؛ ليخرجوا بها الناس من النور وهو طريق الله إلى الظلمات وهي الكفر على تعدد صوره كما بينا .
ثم يبين الله أن هؤلاء الفاسقين عن أمر الله والذين أولياؤهم الطاغوت مردهم العذاب الشديد وهي النار المحرقة ليبوءوا بها وليكونوا أصحاب خالدين . وفي هذا يقول سبحانه : ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) .