في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (257)

253

( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )

ثم يمضي السياق يصور في مشهد حسي حي متحرك طريق الهدى وطريق الضلال ؛ وكيف يكون الهدى وكيف يكون الضلال . . يصور كيف يأخذ الله - ولي الذين آمنوا - بأيديهم ، فيخرجهم من الظلمات إلى النور . بينما الطواغيت - أولياء الذين كفروا - تأخذ بأيدهم فتخرجهم من النور إلى الظلمات !

إنه مشهد عجيب حي موح . والخيال يتبع هؤلاء وهؤلاء ، جيئة من هنا وذهابا من هناك . بدلا من التعبير الذهني المجرد ، الذي لا يحرك خيالا ، ولا يلمس حسا ، ولا يستجيش وجدانا ، ولا يخاطب إلا الذهن بالمعاني والألفاظ .

فإذا أردنا أن ندرك فضل طريقة التصوير القرآنية ، فلنحاول أن نضع في مكان هذا المشهد الحي تعبيرا

ذهنيا أيا كان . لنقل مثلا : الله ولي الذين آمنوا يهديهم إلى الإيمان . والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يقودونهم إلى الكفران . . إن التعبير يموت بين أيدينا ، ويفقد ما فيه من حرارة وحركة وإيقاع !

وإلى جانب التعبير المصور الحي الموحي نلتقي بدقة التعبير عن الحقيقة :

( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور . والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) . .

إن الإيمان نور . . نور واحد في طبيعته وحقيقته . . وإن الكفر ظلمات . . ظلمات متعددة متنوعة . ولكنها كلها ظلمات .

وما من حقيقة أصدق ولا أدق من التعبير عن الإيمان بالنور ، والتعبير عن الكفر بالظلمة .

إن الإيمان نور يشرق به كيان المؤمن أول ما ينبثق في ضميره . تشرق به روحه فتشف وتصفو وتشع من حولها نورا ووضاءة ووضوحا . . نور يكشف حقائق الأشياء وحقائق القيم وحقائق التصورات ، فيراها قلب المؤمن واضحة بغير غبش ، بينة بغير لبس ، مستقرة في مواضعها بغير أرجحة ؛ فيأخذ منها ما يأخذ ويدع منها ما يدع في هوادة وطمأنينة وثقة وقرار لا أرجحة فيه . . نور يكشف الطريق إلى الناموس الكوني فيطابق المؤمن بين حركته وحركة الناموس الكوني من حوله ومن خلاله ؛ ويمضي في طريقه إلى الله هينا لينا لا يعتسف ولا يصطدم بالنتوءات ، ولا يخبط هنا وهناك . فالطريق في فطرته مكشوف معروف .

وهو نور واحد يهدي إلى طريق واحد . فأما ضلال الكفر فظلمات شتى منوعة . . ظلمة الهوى والشهوة . وظلمة الشرود والتيه . وظلمة الكبر والطغيان . وظلمة الضعف والذلة . وظلمة الرياء والنفاق . وظلمة الطمع والسعر . وظلمة الشك والقلق . . . وظلمات شتى لا يأخذها الحصر تتجمع كلها عند الشرود عن طريق الله ، والتلقي من غير الله ، والاحتكام لغير منهج الله . . وما يترك الإنسان نور الله الواحد الذي لا يتعدد . نور الحق الواحد الذي لا يتلبس . حتى يدخل في الظلمات من شتى الأنواع وشتى الأصناف . . وكلها ظلمات . . !

والعاقبة هي اللائقة بأصحاب الظلمات :

( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . . وإذ لم يهتدوا بالنور ، فليخلدوا إذن في النار !

إن الحق واحد لا يتعدد والضلال ألوان وأنماط . . فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (257)

ولما قرر ذلك وأرشد السياق إلى شيء اقتضت البلاغة طيه إرشاداً إلى البعد منه والهرب عنه لبشاعته وسوء مغبته{[12426]} وهو ومن يؤمن بالطاغوت ويكفر{[12427]} بالله فلا يتمسك{[12428]} له والله يهويه إلى الجحيم ، {[12429]}كأنه قيل : فمن يخلص النفس من ظلمات الهوى والشهوة ووساوس الشيطان ؟ فقال مستأنفاً : { الله } أي بما له من العظمة والأسماء الحسنى { ولي الذين آمنوا{[12430]} } أي يتولى مصالحهم ، ولذلك بين ولايته بقوله : { يخرجهم من الظلمات } أي المعنوية{[12431]} جمع ظلمة وهو ما يطمس الباديات حساً أو معنى ، وجمعها لأن طرق الضلال كثيرة فإن الكفر أنواع { إلى النور } أي المعنوي وهو ما يظهر الباديات حساً أو معنىً - قاله الحرالي ، ووحده لأن الصراط المستقيم واحد

{ ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله{[12432]} }[ الأنعام : 153 ] {[12433]}ومن المحامل الحسنة أن يشار بالجمع إلى ما ينشأ {[12434]}من الجهل{[12435]} عن المشاعر{[12436]} التي أخبر بالختم عليها ، فصار البصر عرياً عن الاعتبار ، والسمع خالياً عن الفهم والاستبصار ، والقلب{[12437]} معرضاً عن التدبر والافتكار ، وبالوحدة في النور إلى صلاح القلب فإنه كفيل بجلب كل سار ودفع كل{[12438]} ضار ، والنور الذي هو العقل والفطرة الأولى ذو{[12439]} جهة واحدة{[12440]} وهي القوم ، والظلمة الناشئة عن النفس ذات جهات هي في غاية الاختلاف .

ولما ذكر عبّاده الخلص ذكر عُبّاد{[12441]} الشهوات فقال : { والذين كفروا } أي ستروا{[12442]} ما دلت عليه أدلة العقول أولاً والنقول ثانياً بشهوات النفوس { أولياؤهم الطاغوت } من شهواتهم وما أدت إليه من اتباع كل ما أطغى من الشياطين والعكوف على الأصنام{[12443]} وغير ذلك ، ثم بين استيلاءهم عليهم بقوله : { يخرجونهم } وإسناده إلى ضمير الجمع يؤيد أن جمع الظلمات لكثرة أنواع الكفر { من النور } أي الفطرى{[12444]} { إلى الظلمات{[12445]} } قال الحرالي : وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلىالروح المجندة إلى{[12446]} الفطرة المستوية " كل مولود يولد على الفطرة " انتهى .

ولما ذكر استيلاء الشهوات عليهم الداعي إليها الطيش والخفة الناشىء عن عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان بين أن أجزاءهم من جنس مرتكبهم فقال : { أولئك } أي الحالون في محل البعد{[12447]} والبغض { أصحاب النار } {[12448]}قال الحرالي{[12449]} : الذين اتبعوها من حيث لم يشعروا من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبه{[12450]} - انتهى . ولما علم من ذكر الصحبة دوامهم فيها صرح به تأكيداً بقوله مبيناً اختصاصهم بها : { هم } أي خاصة { فيها خالدون * } إلى ما لا آخر له . قال الحرالي : وجعل الخلود وصفاً لهم{[12451]} إشعاراً بأنهم فيها وهم في دنياهم - انتهى .


[12426]:من م ومد وظ، وفي الأصل: مغيته.
[12427]:في الأصل: يومن، والتصحيح من م ومد وظ.
[12428]:كذا في الأصل ومد، وفي م: متمسك، وفي ظ: مستمسك.
[12429]:زيد في الأصول: كان.
[12430]:قال الزمخشري: "آمنوا" أرادوا أن يؤمنوا، تلطف بهم حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان، أو الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم لها من حلها حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين ـ انتهى؛ فيكون على هذا القول "آمنوا" على حقيقته ـ البحر المحيط 2/283.
[12431]:زيد ما بين المربعين من م وظ ومد.
[12432]:سورة 6 آية 153.
[12433]:زيد في الأصل "أي المفر" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[12434]:في م: عن الجهل، وفي ظ: بالجهل.
[12435]:في م: عن الجهل، وفي ظ: بالجهل.
[12436]:في م: المشاعة ـ كذا.
[12437]:زيد في م: به.
[12438]:سقط من م.
[12439]:في م: دون، وفي ظ: ذوا.
[12440]:سقط من ظ.
[12441]:في الأصل: عبادة، والتصحيح من م وظ ومد.
[12442]:من م ومد وظ، وفي الأصل: اشتروا.
[12443]:وقع في م: الإسلام ـ خطأ.
[12444]:في م: الفطرة.
[12445]:قال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة: نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما جاء محمد عليه السلام كفروا به، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات، وقال الكلبي: يخرجونهم من إيمانهم بموسى عليه السلام واستفتاحهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى كفرهم . . . وقال الزمخشري: من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة، وقال ابن عطية: لفظ الآية مستغن عن التخصيص بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب وذلك أن كل من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان إذ هو معد وأهل للدخول فيه، وهذا كما تقول لمن منعك الدخول في أمر: أخرجتني يا فلان من هذا لأمر، وإن كنت لم تدخل فيه البتة ـ انتهى؛ والمراد بالطاغوت الصنم لقوله "رب أنهن أضللن كثيرا من الناس"، قيل: الشياطين، والطاغوت اسم جنس، وقرأ الحسن: الطواغيتن بالجمع ـ البحر المحيط 2/283.
[12446]:في م: أي.
[12447]:زيد في م: والغضب.
[12448]:سقط من م.
[12449]:سقط من م.
[12450]:في مد: مصحوبة.
[12451]:في م: بهم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (257)

قوله : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) الوليّ معناه الناصر . فالذين آمنوا وليّهم الله ، لكن الذين كفروا وليّهم الطاغوت وهو الشيطان وأتباعه الذين يجتالون الناس عن صراط الله وعن منهجه الحق إلى حيث الضلالة والفسق والتمرد والجحود .

والله جل وعلا ناصر المؤمنين بما أنزل عليهم من كتاب فيه منهج الحق والعدل ، وفيه من التبصرة لهم والهداية ما يخرجهم من الظلمات وهي ضروب الكفر والضلال حيث يتخبط الناس ويتيهون ، وحيث تشتط البشرية وتضطرب ثم تهوي ، إلى النور وهو الإسلام ، دين الله ومنهجه إلى الإنسانية لتعيش في خير وراحة وأمن ولتظل في منجاة من التعثر والغواية والضياع .

ونقيض هذه الولاية الكريمة الراشدة ، تلك الولاية المضللة التي يخدع بها الشياطين أتباعهم من الكافرين ؛ ذلك أن الشياطين المتمردين من الإنس والجن يخادعون كثيرا من الناس ؛ إذ يسوّلون لهم مناهج الكفر ويجتالونهم عن منهج الله بعد أن يضلّوهم ويغرروهم تغريرا وذلك إخراجهم لهم من النور وهو الإسلام إلى الظلمات وهي الكفر بكل أشكاله وصوره وضروبه ، ومن طريف ما جاء في هذه الكلمات الربانية إفراد النور وجمع الظلمات ، ومبعث ذلك أن النور وهو الحق واحد ، أما الظلمات وهي الكفر فهي كثيرة متعددة بتعدد ألوان الكفر وصوره . كصورة الكفر في الجاهلية العربية الأولى أو ما قبلها من جاهليات كافرة خلال الأزمنة الغابرة ، وكذلك صورة الكفر في الصهيونية الماكرة المتآمرة على الإسلام والبشرية جمعاء ، ثم صورة الكفر في الشيوعية الملحدة الخبيثة ، ثم صورته في الفلسفة الوجودية حيث الإلحاد واليأس والتمييع ، ثم الرأسمالية التي تجعل من المال إلها معبودا ، وغير ذلك من صور الكفر التي تغطّي وجه الأرض والتي ينفثها الشياطين بألسنتهم وأقلامهم وإيحاءاتهم ؛ ليخرجوا بها الناس من النور وهو طريق الله إلى الظلمات وهي الكفر على تعدد صوره كما بينا .

ثم يبين الله أن هؤلاء الفاسقين عن أمر الله والذين أولياؤهم الطاغوت مردهم العذاب الشديد وهي النار المحرقة ليبوءوا بها وليكونوا أصحاب خالدين . وفي هذا يقول سبحانه : ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) .