في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (278)

275

وفي ظل هذا الرخاء الآمن الذي يعد الله به الجماعة المسلمة ، التي تنبذ الربا من حياتها ، فتنبذ الكفر والإثم ، وتقيم هذه الحياة على الإيمان والعمل الصالح والعبادة والزكاة . . في ظل هذا الرخاء الأمن يهتف بالذين آمنوا الهتاف الأخير ليحولوا حياتهم عن النظام الربوي الدنس المقيت ؛ وإلا فهي الحرب المعلنة من الله ورسوله ، بلا هوادة ولا إمهال ولا تأخير :

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله . وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )

إن النص يعلق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا . فهم ليسوا بمؤمنين إلا أن يتقوا الله ويذروا ما بقي من الربا . ليسوا بمؤمنين ولو اعلنوا أنهم مؤمنون . فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد واتباع لما أمر الله به . والنص القرآني لا يدعهم في شبهة من الأمر . ولا يدع إنسانا يتستر وراء كلمة الإيمان ، بينما هو لا يطيع ولا يرتضي ما شرع الله ، ولا ينفذه في حياته ، ولا يحكمه في معاملاته . فالذين يفرقون في الدين بين الاعتقاد والمعاملات ليسوا بمؤمنين . مهما ادعوا الإيمان وأعلنوا بلسانهم أو حتى بشعائر العبادة الأخرى أنهم مؤمنون !

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا . . إن كنتم مؤمنين ) . .

لقد ترك لهم ما سلف من الربا - لم يقرر استرداده منهم ، ولا مصادرة أموالهم كلها أو جزء منها بسبب أن الربا كان داخلا فيها . . إذ لا تحريم بغير نص . . ولا حكم بغير تشريع . . والتشريع ينفذ وينشىء آثاره بعد صدوره . . فأما الذي سلف فأمره إلى الله لا إلى أحكام القانون . وبذلك تجنب الإسلام أحداث هزة اقتصادية واجتماعية ضخمة لو جعل لتشريعه أثرا رجعيا . وهو المبدأ الذي أخذ به التشريع الحديث حديثا ! ذلك أن التشريع الإسلامي موضوع ليواجه حياة البشر الواقعية ، ويسيرها ، ويطهرها ، ويطلقها تنمو وترتفع معا . . وفي الوقت ذاته علق اعتبارهم مؤمنين على قبولهم لهذا التشريع وإنفاذه في حياتهم منذ نزوله وعلمهم به . واستجاش في قلوبهم - مع هذا - شعور التقوى لله . وهو الشعور الذي ينوط به الإسلام تنفيذ شرائعه ، ويجعله الضمان الكامن في ذات الأنفس ، فوق الضمانات المكفولة بالتشريع ذاته . فيكون له من ضمانات التنفيذ ما ليس للشرائع الوضعية التي لا تستند إلا للرقابة الخارجية ! وما أيسر الاحتيال على الرقابة الخارجية ، حين لا يقوم من الضمير حارس له من تقوى الله سلطان .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (278)

ولما كانت نتيجة الآية الماضية في الاعتماد على ما عند الله سبحانه وتعالى من الأجر وعدم الحزن على ما فات من ربا وغيره والخوف من شيء آت من فقر أو غيره ترك كل شيء ينسب إلى الربا و{[13613]}كان بين أهل الإسلام وأهل الجاهلية وبين بعضهم و{[13614]}بعض معاملات{[13615]} في الجاهلية ربوية لم تتم بعد بين أمرها نفياً{[13616]} لما قد يتوهم{[13617]} من قوله سابقاً { فله ما سلف } من تحليل بقايا الربا وأن النهي خاص{[13618]} بما تجدد منه فقال مخاطباً لأقرب من ذكره ممن تلبس بالإيمان ولم يلتفت إلى غيرهم تشريفاً لهم : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالتصديق بألسنتهم . ولما كان الربا قد يكون مؤجلاً فيكون صاحبه قد مضت عليه{[13619]} مدد وهو موطن نفسه على أخذه فيصير الكف عنه يعدل الموت عنده أبلغ سبحانه وتعالى في التشديد{[13620]} في هذه المواعظ فقال : { اتقوا الله }{[13621]} أي الذي له جميع العظمة{[13622]} تصديقا لإقراركم { وذروا } أي اتركوا أي ترك كان { ما بقي من الربا } أي الذي كنتم تتعاملون به فلا تستحلوه{[13623]} ولا تأكلوه .

ولما لوح في أول{[13624]} الآية إلى{[13625]} أن من أصر{[13626]} فهو غير صادق في دعوى الإيمان صرح بذلك في آخرها فقال : { إن كنتم مؤمنين } أي{[13627]} متصفين بما ذكرتموه بألسنتكم . قال الحرالي : فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان وأكثر بلايا هذه الأمة حتى أصابها ما أصاب بني إسرائيل من البأس الشنيع والانتقام بالسنين إنما هو من عمل من عمل بالربا ، وهذه الآية أصل{[13628]} عظيم في أحكام الكفار إذا أسلموا فما مضى منها {[13629]}لم ينقص{[13630]} وما{[13631]} لم يمض لم يفعل - نبه عليه الأصبهاني{[13632]} .


[13613]:زيد من م وظ ومد.
[13614]:زيد من م وظ ومد.
[13615]:العبارة من هنا إلى "إن النهي خاص" ليست في ظ.
[13616]:في م: نصا.
[13617]:من م ومد وظ، وفي الأصل: نشرهم.
[13618]:في م: خاصا.
[13619]:زيد من م وظ ومد.
[13620]:في ظ: الشديد.
[13621]:العبارة من هنا إلى "العظمة" ليست في ظ.
[13622]:زيد في مد: فلا تستحلوه ولا تأكلوه.
[13623]:في الأصل: فلا يبخلوه، والتصحيح من م ومد وظ.
[13624]:في م: هذه.
[13625]:زيد من مد وظ.
[13626]:في ظ: أضر.
[13627]:زيد في الأصل "غير" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[13628]:زيد من م وظ ومد.
[13629]:في م: لا ينقص، وفي ظ ومد: لا ينقض.
[13630]:في م: لا ينقص، وفي ظ ومد: لا ينقض.
[13631]:زيد في الأصل "مضى" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[13632]:في م ومد: الأصفهاني.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (278)

قوله : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) يخاطب الله عباده المؤمنين داعيا إياهم أن يتقوه ، أي تخذوا من الطاعات وترك المعاصي ومجانبة الربا وقاية لهم من عذاب الله وسخطه . والله جل وعلا يأمر المؤمنين أن يذروا ما بقي من زيادة لهم على رؤوس أموالهم ، والتي كانوا قد اشترطوا أخذها قبل نزول التحريم . فما بقي من الربا غير مقبوض ، فإنه بعد نزول التحريم بات موضوعا .

وقوله : ( إن كنتم مؤمنين ) ذلك تحضيض للمؤمنين على ترك الربا واستنهاض لهم أن يلتزموا بأحكام الله وأن يذروا ما كان مشروطا لهم من زيادة على رؤوس الأموال ، ويشبه ذلك ما يقوله الواحد لغيره : إن كانت شجاعا فخذ سلاحك وامض لقتال المشركين . ومعلوم أن المخاطب شجاع ؛ لأن المقصود بمخاطبته على هذه الصورة بعث الحماسة في نفسه ليمضي في سبيل الله .