( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس . ذلك بأنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا . وأحل الله البيع وحرم الربا . فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله . ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . يمحق الله الربا ويربي الصدقات . والله لا يحب كل كفار أثيم ) . .
إنها الحملة المفزعة ، والتصوير المرعب :
( لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) . .
وما كان أي تهديد معنوي ليبلغ إلى الحس ما تبلغه هذه الصورة المجسمة الحية المتحركة . . صورة الممسوسالمصروع . . وهي صورة معروفة معهودة للناس . فالنص يستحضرها لتؤدي دورها الإيحائي في إفزاع الحس ، لاستجاشة مشاعر المرابين ، وهزها هزة عنيفة تخرجهم من مألوف عادتهم في نظامهم الاقتصادي ؛ ومن حرصهم على ما يحققه لهم من الفائدة . . وهي وسيلة في التأثير التربوي ناجعة في مواضعها . بينما هي في الوقت ذاته تعبر عن حقيقة واقعة . . ولقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة ، هو القيام يوم البعث . ولكن هذه الصورة - فيما نرى - واقعة بذاتها في حياة البشرية في هذه الأرض أيضا . ثم إنها تتفق مع ما سيأتي بعدها من الإنذار بحرب من الله ورسوله . ونحن نرى أن هذه الحرب واقعة وقائمة الآن ومسلطة على البشرية الضالة التي تتخبط كالممسوس في عقابيل النظام الربوي . وقبل أن نفصل القول في مصداق هذه الحقيقة من واقع البشرية اليوم نبدأ بعرض الصورة الربوية التي كان يواجهها القرآن في الجزيرة العربية ؛ وتصورات أهل الجاهلية عنها . .
إن الربا الذي كان معروفا في الجاهلية والذي نزلت هذه الآيات وغيرها لإبطاله ابتداء كانت له صورتان رئيسيتان : ربا النسيئة . وربا الفضل .
فأما ربا النسيئة فقد قال عنه قتادة : " إن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى ، فإذا حل الأجل ، ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه " .
وقال مجاهد " كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين ، فيقول : لك كذا وكذا وتؤخر عني فيؤخر عنه " .
وقال أبو بكر الجصاص : " إنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة . فكانت الزيادة بدلا من الأجل . فأبطله الله تعالى " . .
وقال الإمام الرازي في تفسيره : " إن ربا النسيئة هو الذي كان مشهورا في الجاهلية . لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل ، على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا ، ورأس المال باق بحاله . فإذا حل طالبه برأس ماله . فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل " .
وقد ورد في حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - أن النبي [ ص ] قال : " لا ربا إلا في النسيئة " . .
أما ربا الفضل فهو أن يبيع الرجل الشيء بالشيء من نوعه مع زيادة . كبيع الذهب بالذهب . والدراهم بالدراهم . والقمح بالقمح . والشعير بالشعير . . وهكذا . . وقد ألحق هذا النوع بالربا لما فيه من شبه به ؛ ولما يصاحبه من مشاعر مشابهة للمشاعر المصاحبة لعملية الربا . . وهذه النقطة شديدة الأهمية لنا في الكلام عن العمليات الحاضرة !
عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله [ ص ] " الذهب بالذهب والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح . . مثلا بمثل . . يدا بيد . . فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء " . .
وعن أبي سعيد الخدري أيضا قال : جاء بلال إلى النبي [ ص ] بتمر برني فقال له النبي [ ص ] " من أين هذا ؟ " قال : كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع . فقال : " أوه ! عين الربا . عين الربا . لا تفعل . ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ، ثم اشتر به " .
فأما النوع الأول فالربا ظاهر فيه لا يحتاج إلى بيان ، إذ تتوافر فيه العناصر الأساسية لكل عملية ربوية . وهي : الزيادة على أصل المال . والأجل الذي من أجله تؤدى هذه الزيادة . وكون هذه الفائدة شرطا مضمونا في التعاقد . أي ولادة المال للمال بسبب المدة ليس إلا . .
وأما النوع الثاني ، فما لا شك فيه أن هناك فروقا أساسية في الشيئين المتماثلين هي التي تقتضي الزيادة . وذلك واضح في حادثة بلال حين أعطى صاعين من تمره الرديء وأخذ صاعا من التمر الجيد . . ولكن لأن تماثل النوعين في الجنس يخلق شبهة أن هناك عملية ربوية ، إذ يلد التمر التمر ! فقد وصفه [ ص ] بالربا . ونهى عنه . وأمر ببيع الصنف المراد استبداله بالنقد . ثم شراء الصنف المطلوب بالنقد أيضا . إبعادا لشبح الربا من العملية تماما !
وكذلك شرط القبض : " يدا بيد " . . كي لا يكون التأجيل في بيع المثل بالمثل ، ولو من غير زيادة ، فيه شبح من الربا ، وعنصر من عناصره !
إلى هذا الحد بلغت حساسية الرسول [ ص ] بشبح الربا في أية عملية . وبلغت كذلك حكمته في علاج عقلية الربا التي كانت سائدة في الجاهلية .
فأما اليوم فيريد بعض المهزومين أمام التصورات الرأسمالية الغربية والنظم الرأسمالية الغربية أن يقصروا التحريم على صورة واحدة من صور الربا - ربا النسيئة - بالاستناد إلى حديث أسامة ، وإلى وصف السلف للعمليات الربوية في الجاهلية . وأن يحلوا - دينيا - وباسم الإسلام ! - الصور الأخرى المستحدثة التي لا تنطبق في حرفية منها على ربا الجاهلية !
ولكن هذه المحاولة لا تزيد على أن تكون ظاهرة من ظواهر الهزيمة الروحية والعقلية . . فالإسلام ليس نظام شكليات . إنما هو نظام يقوم على تصور أصيل . فهو حين حرم الربا لم يكن يحرم صورة منه دون صورة . إنما كان يناهض تصورا يخالف تصوره ؛ ويحارب عقلية لا تتمشى مع عقليته . وكان شديد الحساسية في هذا إلى حد تحريم ربا الفضل إبعادا لشبح العقلية الربوية والمشاعر الربوية من بعيد جدا !
ومن ثم فإن كل عملية ربوية حرام . سواء جاءت في الصور التي عرفتها الجاهلية أم استحدثت لها أشكال جديدة . ما دامت تتضمن العناصر الأساسية للعملية الربوية ، أو تتسم بسمة العقلية الربوية . . وهي عقلية الأثرة والجشع والفردية والمقامرة . وما دام يتلبس بها ذلك الشعور الخبيث . شعور الحصول على الربح بأية وسيلة !
فينبغي أن نعرف هذه الحقيقة جيدا . ونستيقن من الحرب المعلنة من الله ورسوله على المجتمع الربوي .
( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) . .
والذين يأكلون الربا ليسوا هم الذين يأخذون الفائدة الربوية وحدهم - وإن كانوا هم أول المهددين بهذا النص الرعيب - إنما هم أهل المجتمع الربوي كلهم .
عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أنه قال : لعن رسول الله [ ص ] آكل الربا وموكله ، وشاهديه وكاتبه ، وقال : " هم سواء " . .
وكان هذا في العمليات الربوية الفردية . فأما في المجتمع الذي يقوم كله على الأساس الربوي فأهله كلهم ملعونون . معرضون لحرب الله . مطرودون من رحمته بلا جدال .
إنهم لا يقومون في الحياة ولا يتحركون إلا حركة الممسوس المضطرب القلق المتخبط الذي لا ينال استقرارا ولا طمأنينة ولا راحة . . وإذا كان هناك شك في الماضي أيام نشأة النظام الرأسمالي الحديث في القرون الأربعة الماضية ، فإن تجربة هذه القرون لا تبقي مجالا للشك أبدا . .
إن العالم الذي نعيش فيه اليوم - في أنحاء الأرض - هو عالم القلق والاضطراب والخوف ؛ والأمراض العصبية والنفسية - باعتراف عقلاء أهله ومفكريه وعلمائه ودارسيه ، وبمشاهدات المراقبين والزائرين العابرين لأقطار الحضارة الغربية . . وذلك على الرغم من كل ما بلغته الحضارة المادية ، والإنتاج الصناعي في مجموعه من الضخامة في هذه الأقطار . وعلى الرغم من كل مظاهر الرخاء المادي التي تأخذ بالأبصار . . ثم هو عالم الحروب الشاملة والتهديد الدائم بالحروب المبيدة ، وحرب الأعصاب ، والاضطرابات التي لا تنقطع هنا وهناك !
إنها الشقوة البائسة المنكودة ، التي لا تزيلها الحضارة المادية ، ولا الرخاء المادي ، ولا يسر الحياة المادية وخفضها ولينها في بقاع كثيرة . وما قيمة هذا كله إذا لم ينشىء في النفوس السعادة والرضى والاستقرار والطمأنينة ؟
إنها حقيقة تواجه من يريد أن يرى ؛ ولا يضع على عينيه غشاوة من صنع نفسه كي لا يرى ! حقيقة أن الناس في أكثر بلاد الأرض رخاء عاما . . في أمريكا ، وفي السويد ، وفي غيرهما من الأقطار التي تفيض رخاء ماديا . . إن الناس ليسوا سعداء . . أنهم قلقون يطل القلق من عيونهم وهم أغنياء ! وأن الملل يأكل حياتهم وهم مستغرقون في الإنتاج ! وأنهم يغرقون هذا الملل في العربدة والصخب تارة . وفي " التقاليع " الغريبة الشاذة تارة . وفي الشذوذ الجنسي والنفسي تارة . ثم يحسون بالحاجة إلى الهرب . الهرب من أنفسهم . ومن الخواء الذي يعشش فيها ! ومن الشقاء الذي ليس له سبب ظاهر من مرافق الحياة وجريانها . فيهربون بالانتحار . ويهربون بالجنون . ويهربون بالشذوذ ! ثم يطاردهم شبح القلق والخواء والفراغ ولا يدعهم يستريحون أبدا ! لماذا ؟
السبب الرئيسي طبعا هو خواء هذه الأرواح البشرية الهائمة المعذبة الضالة المنكودة - على كل ما لديها من الرخاء المادي - من زاد الروح . . من الإيمان . . من الاطمئنان إلى الله . . وخواؤها من الأهداف الإنسانية الكبيرة التي ينشئها ويرسمها الإيمان بالله ، وخلافة الأرض وفق عهده وشرطه .
ويتفرع من ذلك السبب الرئيسي الكبير . . بلاء الربا . . بلاء الاقتصاد الذي ينمو ولكنه لا ينمو سويا معتدلا بحيث تتوزع خيرات نموه وبركاتها على البشرية كلها . إنما ينمو مائلا جانحا إلى حفنة الممولين المرابين ، القابعين وراء المكاتب الضخمة في المصارف ، يقرضون الصناعة والتجارة بالفائدة المحددة المضمونة ؛ ويجبرون الصناعة والتجارة على أن تسير في طريق معين ليس هدفه الأول سد مصالح البشر وحاجاتهم التي يسعد بهاالجميع ؛ والتي تكفل عملا منتظما ورزقا مضمونا للجميع ؛ والتي تهيء طمأنينة نفسية وضمانات اجتماعية للجميع . . ولكن هدفه هو انتاج ما يحقق أعلى قدر من الربح - ولو حطم الملايين وحرم الملايين وأفسد حياة الملايين ، وزرع الشك والقلق والخوف في حياة البشرية جميعا !
وصدق الله العظيم : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) . . وها نحن أولاء نرى مصداق هذه الحقيقة في واقعنا العالمي اليوم !
ولقد اعترض المرابون في عهد رسول الله [ ص ] على تحريم الربا . اعترضوا بأنه ليس هناك مبرر لتحريم العمليات الربوية وتحليل العمليات التجارية :
( ذلك بأنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا . وأحل الله البيع وحرم الربا ) . .
وكانت الشبهة التي ركنوا إليها ، هي أن البيع يحقق فائدة وربحا ، كما أن الربا يحقق فائدة وربحا . . وهي شبهة واهية . فالعمليات التجارية قابلة للربح وللخسارة . والمهارة الشخصية والجهد الشخصي والظروف الطبيعية الجارية في الحياة هي التي تتحكم في الربح والخسارة . أما العمليات الربوية فهي محددة الربح في كل حالة . وهذا هو الفارق الرئيسي . وهذا هو مناط التحريم والتحليل . .
إن كل عملية يضمن فيها الربح على أي وضع هي عملية ربوية محرمة بسبب ضمان الربح وتحديده . . ولا مجال للمماحلة في هذا ولا للمداورة !
( وأحل الله البيع وحرم الربا ) . . .
لانتفاء هذا العنصر من البيع ؛ ولأسباب أخرى كثيرة تجعل عمليات التجارة في أصلها نافعة للحياة البشرية ؛ وعمليات الربا في أصلها مفسدة للحياة البشرية . .
وقد عالج الإسلام الأوضاع التي كانت حاضرة في ذلك الزمان معالجة واقعية ؛ دون أن يحدث هزة اقتصادية واجتماعية :
( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ) . .
لقد جعل سريان نظامه منذ ابتداء تشريعه . فمن سمع موعظة ربه فانتهى فلا يسترد منه ما سلف أن أخذه من الربا وأمره فيه إلى الله ، يحكم فيه بما يراه . . وهذا التعبير يوحي للقلب بأن النجاة من سالف هذا الإثم مرهونة بإرادة الله ورحمته ؛ فيظل يتوجس من الأمر ؛ حتى يقول لنفسه : كفاني هذا الرصيد من العمل السيىء ، ولعل الله أن يعفيني من جرائره إذا أنا انتهيت وتبت . فلا أضف إليه جديدا بعد ! . . وهكذا يعالج القرآن مشاعر القلوب بهذا المنهج الفريد .
( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . .
وهذا التهديد بحقيقة العذاب في الآخرة يقوي ملامح المنهج التربوي الذي أشرنا إليه ، ويعمقه في القلوب ؛
ولما كان سبحانه وتعالى قد ذكر النفقة مما{[13160]} أفاض عليهم من الرزق من أول السورة إلى هنا في غير آية{[13161]} ، ورغب فيها بأنواع من الترغيب في فنون{[13162]} من الأساليب ، وكان الرزق يشمل الحلال والحرام ، وكان مما{[13163]} يسترزقون به قبل الإسلام الربا ، وهو أخذ مجاناً ، وهو في الصورة زيادة و{[13164]}في الحقيقة نقص وعيب ، ضد ما تقدم الحث عليه من الإعطاء مجاناً ، وهو في الظاهر نقص وفي الباطن زيادة وخير{[13165]} ؛ نهاهم{[13166]} عن تعاطيه ونفرهم منه ، وبين لهم حكمه{[13167]} وأنه خبيث لا يصلح لأكل ولا صدقة ، وجعل ذلك في أسلوب الجواب لمن قال هل تكون{[13168]} النفقة المحبوبة المحثوث عليها من كل مال ؟ فأجاب بقوله :- وقال الحرالي : ولما كان حال المنفق لا سيما المبتغي وجه الله سبحانه وتعالى أفضل الأحوال ، وهو الحال الذي{[13169]} دعوا إليه ؛ نظم به أدنى الأحوال ، وهو الذي يتوسل به{[13170]} إلى الأموال بالربا ، فأفضل الناس المنفق ، وشر الناس المربي ؛ فنظم به خطاب الربا فقال :- { الذين } ولما كان من الصحابة من أكل الربا عبر بالمضارع إشارة إلى أن{[13171]} هذا الجزاء يخص المصر فقال : { يأكلون الربا } وهو الزيادة من جنس المزيد عليه المحدود بوجه ما - انتهى . فجرى على عادة هذا الذكر الحكيم في ذكر أحد{[13172]} الضدين{[13173]} بعد الآخر ، وعبر بالأكل عن التناول ، لأنه أكبر المقاصد وأضرها{[13174]} ويجري من الإنسان مجرى الدم كالشيطان { لا يقومون } أي عند البعث يظهر ثقله في بطونهم فيمنعهم النشاط {[13175]}ويكون ذلك سيماهم يعرفون به بين أهل الموقف{[13176]} هتكاً{[13177]} لهم وفضيحة . وقال الحرالي : في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة ، ففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب{[13178]} عقله ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق{[13179]} لا بعقل{[13180]} ، يقبل في محل الإدبار ويدبر في محل الإقبال انتهى{[13181]} . وهو مؤيد بالمشاهدة{[13182]} فإنا لم نر ولم نسمع قط بآكل ربا ينطق بالحكمة ولا يشهر{[13183]} بفضيلة{[13184]} بل هم أدنى الناس وأدنسهم { إلا كما يقوم } المصروع { الذي يتخبطه } أي يتكلف خبطه ويكلفه إياه ويشق به عليه { الشيطان } ولما كان ذلك قد يظن أنه يخبط{[13185]} الفكر بالوسوسة مثلاً قال : { من } أي تخبطاً مبتدئاً{[13186]} من { المس } أي الجنون ، فأشار سبحانه وتعالى بذلك إلى المنع من أن تكون النفقة من حرام و{[13187]}لا سيما الربا ، وإلى أن الخبيث المنهي عن تيمم{[13188]} إنفاقه قسمان{[13189]} : حسي ومعنوي ، والنهي{[13190]} في المعنوي أشد . وقال البيضاوي تبعاً للزمخشري{[13191]} : وهو أي التخبط والمس وارد على ما يزعمون أي العرب أن الشيطان يخبط{[13192]} الإنسان فيصرع وأن الجني يمسه فيختلط عقله - انتهى . وظاهره إنكار ذلك وليس بمنكر بل هو الحق الذي لا مرية فيه ، قال المهدوي{[13193]} في تفسيره : وهذا دليل على من أنكر أن{[13194]} الصرع من جهة الجن وزعم أنه فعل الطبائع .
وقال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد : وبالجملة فالقول بوجود الملائكة والجن والشياطين مما انعقد عليه{[13195]} إجماع الآراء و{[13196]}نطق به كلام الله سبحانه وتعالى وكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وحكي مشاهدة الجن عن كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات من الأولياء ، فلا وجه لنفيها{[13197]} ؛ وقال : {[13198]}الجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل{[13199]} بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال عجيبة ، والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية ؛ ولكون الهواء{[13200]} والنار في غاية اللطافة والتشفيف كانت الملائكة والجن والشياطين يدخلون المنافذ{[13201]} الضيقة حتى أجواف الناس{[13202]} ولا يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات - انتهى . وقد ورد في كثير من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن " الشيطان يجري من {[13203]}ابن آدم{[13204]} مجرى الدم " وورد " أنه صلى الله عليه وسلم أخرج الصارع من الجن من جوف المصروع في صورة كلب " ونحو ذلك ؛ وفي كتب الله سبحانه وتعالى المتقدمة{[13205]} ما لا يحصى من مثل ذلك ، فأما{[13206]} مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس ، وربما كان {[13207]}يلقى في النار{[13208]} وهو لا يحترق ، وربما ارتفع في الهواء{[13209]} من غير رافع ، فكثير جداً لا يحصى مشاهدوه{[13210]} - إلى غير ذلك من الأمور الموجبة للقطع أن ذلك من الجن أو الشياطين ؛ و{[13211]}ها أنا{[13212]} أذكر لك{[13213]} من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ثم{[13214]} من كتب الله القديمة ما فيه مقنع لمن تدبره - والله سبحانه وتعالى الموفق : روى الدارمي في أوائل مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : " أن امرأة جاءت {[13215]}بابن لها{[13216]} إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ! إن ابني به جنون وإنه يأخذه عند {[13217]}غدائنا وعشائنا{[13218]} فيخبث علينا ، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا فثعّ ثعة{[13219]} وخرج من صدره مثل الجرو الأسود{[13220]} " فثعّ ثعة{[13221]} بمثلثة ومهملة{[13222]} أي قاء{[13223]} وللدارمي أيضاً وعبد بن حميد بسند صحيح{[13224]} حسن أيضاً عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : " خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فركبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا ، فعرضت له امرأة معها صبي{[13225]} لها{[13226]} فقالت{[13227]} : يا رسول الله ! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات{[13228]} ، فتناول الصبي فجعله بينه وبين مقدم الرحل{[13229]} ثم قال : اخسأ {[13230]}عدو الله أنا رسول الله ثلاثاً ! ثم دفعه إليها " وأخرجه الطبراني من وجه آخر وبين أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك{[13231]} في حرة واقم{[13232]} ، قال جابر : " فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان فعرضت لنا المرأة ومعها{[13233]} صبيها ومعها{[13234]} كبشان تسوقهما فقالت : يا رسول الله ! اقبل مني هديتي ، فوالذي{[13235]} بعثك بالحق ما عاد إليه بعد ذلك{[13236]} ! فقال : خذوا منها واحداً وردوا عليها الآخر "
وروى{[13237]} البغوي في شرح السنة عن يعلى بن مرة رضي الله تعالى عنه . وفي الإنجيل من ذلك كثير جداً ، قال في إنجيل متى ولوقا ومُرقُس{[13238]} يزيد أحدهم على الآخر وقد جمعت بين ألفاظهم : وجاء يعني عيسى عليه الصلاة والسلام إلى عبر{[13239]} البحر إلى كورة الجرجسيين{[13240]} ، وقال في إنجيل لوقا : التي{[13241]} هي مقابل عبر{[13242]} الجليل{[13243]} ، فلما خرج من السفينة استقبله مجنون ، قال لوقا : من المدينة معه شياطين ، وقال متى{[13244]} مجنونان جائيان من المقابر رديئان جداً حتى أنه{[13245]} لم يقدر{[13246]} أحد أن يجتاز من تلك الطريق فصاحا قائلين : ما لنا ولك يا يسوع{[13247]} ! جئت لتعذبنا قبل الزمان ؛ قال لوقا : وكان يربط بالسلاسل والقيود ويحبس ، وكان يقطع الرباط ويقوده{[13248]} الشيطان إلى البراري ، فسأله{[13249]} يسوع{[13250]} : ما اسمك ؟ فقال{[13251]} : لاجاون{[13252]} ، لأنه دخل فيه{[13253]} شياطين كثيرة ؛ وقال مرقس{[13254]} : فقال له : اخرج أيها الروح النجس ! اخرج من الإنسان ، ثم{[13255]} قال له : ما اسمك ؟ فقال : لاجاون اسمي لأنا كثير ، وطلب إليه{[13256]} أن يرسلهم خارجاً{[13257]} من الكورة ؛ وكان هناك نحو{[13258]} الجبل قطيع خنازير كثيرة{[13259]} يرعى بعيداً منهم ، فطلب إليه الشياطين قائلين{[13260]} : إن كنت تخرجنا فأرسلنا إلى قطيع الخنازير {[13261]}فقال لهم : اذهبوا ، وقال مرقس{[13262]} : فأذن لهم يسوع{[13263]} ، فللوقت خرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير وقال : متى{[13264]} : فلما خرجوا ومضوا في الخنازير وإذا بقطيع خنازير{[13265]} قد{[13266]} وثب{[13267]} على جرف{[13268]} وتواقع في البحر ومات جميعه في المياه ، وأن الرعاة هربوا ومضوا إلى المدينة وأخبروهم بكل شيء وبالمجنونين ، فخرج كل من في{[13269]} المدينة للقاء يسوع{[13270]} ؛ قال مرقس{[13271]} : وأبصروا ذلك المجنون جالساً لابساً{[13272]} عفيفاً فخافوا ، فلما أبصروه - يعني عيسى عليه الصلاة والسلام - طلبوا إليه أن يتحول عن تخومهم{[13273]} ؛ قال لوقا : لأنهم خافوا عظيماً ، وقال مرقس{[13274]} : فلما صعد السفينة طلب إليه{[13275]} المجنون أن يكون معه فلم يدعه يسوع{[13276]} لكن قال له{[13277]} امض{[13278]} إلى بيتك وعرفهم صنع الرب بك{[13279]} ورحمته إياك ، فذهب وكرز{[13280]} في العشرة مدن ، وقال كل ما صنع به يسوع فتعجب جميعهم ؛ وفي إنجيل لوقا معناه ، وفي آخره : فذهب وكان ينادي في المدينة كلها بكل ما صنعه معه يسوع ؛ {[13281]}وفي إنجيل متى : فلما خرج يسوع{[13282]} من هناك قدموا إليه أخرس به شيطان ، فلما خرج الشيطان تكلم الأخرس ، فتعجب{[13283]} الجميع{[13284]} قائلين : لم يظهر قط هكذا في بني{[13285]} إسرائيل ، فقال الفريسيون{[13286]} : إنه باركون{[13287]} الشياطين يخرج{[13288]} الشياطين .
ثم قال : حينئذ أتى إليه بأعمى به شيطان أخرس ، فأبرأه حتى أن الأخرس تكلم وأبصر{[13289]} ، فبهت الجمع كلهم{[13290]} وقالوا : لعل هذا هو ابن داود ، فتسمع الفريسيون فقالوا : هذا لا يخرج الشياطين إلا {[13291]}بباعل زبول{[13292]} رئيس الشياطين .
وفيه{[13293]} بعد ذلك : فلما جاء إلى الجمع جاء إليه إنسان{[13294]} ساجداً له قائلاً : يا رب ! وفي إنجيل لوقا : يا معلم ! ارحم ابني ، فإنه يعذب في رؤوس الأهلة ، ومراراً{[13295]} كثيرة يريد أن ينطلق في النار ، ومراراً كثيرة في الماء ؛ وفي إنجيل مرقس{[13296]} : قد أتيتك يا بني ! وبه روح نجس{[13297]} وحيث ما أدركه صرعه وأزبده وضرر{[13298]} أسنانه فتركه يابساً{[13299]} ، وفي إنجيل لوقا : أضرع{[13300]} إليك أن تنظر إلى ابني ، لأنه وحيدي ، وروح يأخذه فيصرخ{[13301]} بغتة ويلبطه{[13302]} بجهل ، ويزيد عند انفصاله عنه ويرضضه{[13303]} ، وضرعت{[13304]} لتلاميذك{[13305]} أن يخرجوه فلم يقدروا ؛ وفي إنجيل متى{[13306]} : وقدمته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يبرئوه{[13307]} ، أجاب يسوع{[13308]} : أيها الجيل الأعوج الغير مؤمن{[13309]} ! إلى متى أكون معكم ! وحتى متى{[13310]} أحتملكم ! قدمه إلى هنا{[13311]} ؛ وفي إنجيل لوقا : وفيما هو جاء به{[13312]} طرحه{[13313]} الشيطان ولبطه ؛ وفي إنجيل مرقس{[13314]} : فلما رأته الروح النجسة من ساعته صرعته{[13315]} وسقط على الأرض مضطرباً مزبداً{[13316]} ؛ ثم قال لأبيه : من كم أصابه هذا ؟ فقال : منذ صباه ، ثم قال ما معناه : افعل معه ما استطعت وتحنن{[13317]} علينا ، فقال له يسوع{[13318]} : كل شيء{[13319]} مستطاع للمؤمن ، فصاح أبو الصبي وقال : أنا أومن فأعن ضعف إيماني ، فلما رأى يسوع{[13320]} تكاثر الجمع انتهر الروح النجس وقال : يا{[13321]} أيها الروح الأصم الغير ناطق ! أنا آمرك{[13322]} أن تخرج{[13323]} منه ولا تدخل{[13324]} فيه ، فصرخ{[13325]} ولبطه كثيراً{[13326]} وخرج منه وصار كالميت ، وقال كثير : إنه مات ، فأمسك{[13327]} يسوع{[13328]} بيده وأقامه فوقف ؛ وفي إنجيل متى : فانتهره يسوع{[13329]} فخرج منه الشيطان وبرىء{[13330]} الفتى في تلك الساعة ، حينئذ أتى التلامذة{[13331]} إلى يسوع{[13332]} منفردين وقالوا له{[13333]} : لماذا{[13334]} لم نقدر نحن نخرجه ؟ فقال لهم يسوع{[13335]} : من أجل قلة إيمانكم ، الحق أقول لكم أن لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لقلتم لهذا الجبل : انتقل من هاهنا إلى هناك ، فينتقل ولا يعسر عليكم شيء{[13336]} ، وهذا الجنس لا يخرج إلا بالصوم والصلاة ؛ وقال مرقس{[13337]} : لا يستطاع أن يخرج بشيء{[13338]} إلا بصلاة وصوم ؛ وقال في إنجيل مرقس{[13339]} : إنه كان يعلم في كفرناحوم مدينة في الجليل{[13340]} ، قال : وكان في مجمعهم رجل فيه روح شيطان نجس فصاح بصوت عظيم قائلاً{[13341]} : ما لنا ولك يا يسوع{[13342]} الناصري ! أتيت لتهلكنا ! قد عرفنا{[13343]} من أنت يا قدوس الله ! فنهره{[13344]} يسوع{[13345]} قائلاً : اسدد فاك واخرج منه ! فأقلقته{[13346]} الروح النجسة وصاح بصوت عظيم وخرج{[13347]} منه{[13348]} ؛ وفي إنجيل لوقا : فطرحه الشيطان في وسطهم وخرج منه ولم يؤلمه وخاف الجمع مخاطبين{[13349]} بعضهم بعضاً قائلين : ما هو هذا العلم الجديد{[13350]} الذي سلطانه{[13351]} يأمر{[13352]} الأرواح النجسة فتطيعه{[13353]} ! وخرج خبره في كل كورة الجليل{[13354]} ؛ وفيه : ثم قام من هناك وذهب إلى تخوم{[13355]} صور{[13356]} وصَيْدا{[13357]} ودخل إلى بيت فأراد{[13358]} أن لا يعلم أحد{[13359]} به ، فلم يقدر أن يختفي ، فلما سمعت امرأة كانت بابنة{[13360]} لها روح نجس جاءت إليه وسجدت قدام قدميه ، وكانت يونانية صورية ، وسألته أن يخرج الشيطان من ابنتها{[13361]} ، فقال لها : دعي البنين حتى يشبعوا أولاً ، لا تحسبنّ{[13362]} أن{[13363]} يؤخذ خبز البنين{[13364]} يدفع للكلاب ، وأجابت بنعم{[13365]} يا رب ! والكلاب أيضاً تأخذ مما يسقط من المائدة من فتات الأطفال ، فقال{[13366]} لها من أجل هذه الكلمة : اذهبي قد خرج{[13367]} الشيطان من ابنتك ، فذهبت إلى بنتها فوجدت الصبية على السرير والشيطان قد خرج منها ؛ وفي آخر{[13368]} إنجيل مرقس{[13369]} : إنه أخرج من مريم المجدلانية{[13370]} سبعة{[13371]} شياطين ؛ وفي إنجيل لوقا : وكان بعد ذلك يسير{[13372]} إلى كل مدينة وقرية ويكرز{[13373]} ويكبر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر {[13374]}ونسوة{[13375]} كن أبرأهن من الأمراض والأرواح الخبيثة : مريم التي تدعى المجدلانية{[13376]} التي أخرج منها{[13377]} سبعة شياطين ومرثا{[13378]} امراة{[13379]} خوزي خازن{[13380]} هين{[13381]} ودس وسوسنة{[13382]} وأخوات كثيرات{[13383]} ؛ وفي إنجيل لوقا : وفيما هو يعلم في أحد المجامع في السبت فإذا امرأة معها روح مزمن {[13384]}منذ ثمان عشرة{[13385]} سنة وكانت منحنية{[13386]} لا تقدر{[13387]} أن تستوي البتة ، فنظر إليها يسوع{[13388]} وقال : يا امرأة ! أنت محلولة{[13389]} من مرضك ووضع يده عليها ، فاستقامت للوقت ومجدت الله ، فأجاب رئيس الجماعة وهو مغضب{[13390]} وقال للجميع{[13391]} : لكم ستة أيام ينبغي العمل فيها{[13392]} وفيها تأتون وتستشفعون إلا في السبت ! فقال : يا مراؤون{[13393]} ! واحد منكم{[13394]} يحل ثوره أو حماره من المدود في السبت ويذهب فيسقيه وهذه{[13395]} ابنة إبراهيم كان الشيطان قد ربطها منذ ثمان عشرة سنة ! أما كان يحل أن تطلق من هذا الرباط في يوم السبت ؟ فلما قال هذا الكلام أخزى{[13396]} كل من كان يقاومه .
وكل الشعب كانوا يفرحون بالأعمال الحسنة التي كانت منه - انتهى .
وإنما كتبت هذا مع كون{[13397]} ما نقل عن نبينا صلى الله عليه وسلم كافياً لأنه لا يدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد{[13398]} في الإيمان مع أن{[13399]} فيه دلائل رادة على النصارى في ادعائهم التثليث والاتحاد وأحسن ما ردّ{[13400]} على الإنسان من كلامه{[13401]} وبما{[13402]} يعتقده ، وسيأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى في المائدة عند قوله سبحانه وتعالى : { وما من إله إلا الله } ما يلتفت إلى بعض هذا ويشرحه شرحاً جيداً نافعاً وكذا في جميع ما أنقله{[13403]} من الإنجيل كما ستراه إن شاء الله تعالى في مواضعه ، وكل ما فيه من متشابه لم تألفه مما يوهم اتحاداً أو تثليثاً{[13404]} فلا تزدد{[13405]} نفرتك منه و{[13406]}راجع ما سيقرر{[13407]} في آل عمران وغيرها يرجع معك إلى المحكم{[13408]} رجوعاً جلياً{[13409]} ، على أن أكثره إذا تؤملت أطرافه وجدته{[13410]} لا شبهة فيه أصلاً ، وإن لم تكن أهلاً للجري في مضمار ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى{[13411]} عنه : كن ممن يعرف الرجال بالحق ولا تكن ممن يعرف الحق بالرجال ، فانظر كتاب الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى تجده أوّل كثيراً{[13412]} مما ذكرته بمثل تأويلي{[13413]} أو قريب منه ، ولم أر كتابه إلا بعد كتابتي{[13414]} لذلك - والله سبحانه وتعالى الموفق .
وفي الآية إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى قضى{[13415]} {[13416]}بنزع نور{[13417]} العقل من المربي ودل على ذلك بقوله : { ذلك } أي الأمر البعيد من الصواب { بأنهم } أي المربون { قالوا } جدالاً لأهل الله{[13418]} { إنما البيع } أي الذي تحصرون{[13419]} الحل{[13420]} فيه يا أهل{[13421]} الإسلام { مثل الربا } في أن كلاًّ منهما معاوضة ، فنحن نتعاطى الربا كما تتعاطون أنتم البيع ، فما لكم تنكرونه علينا ؟ فَجعْلهُم الربا أصلاً انسلاخ مما{[13422]} أودعه الله في نور العقل وحكم الشرع وسلامة الطبع من الحكمة ؛ والبيع كما عرفه الفقهاء نقل ملك بثمن . وقال الحرالي : هو رغبة المالك عما في يده إلى ما في يد غيره ، والشراء رغبة المستملك فيما في يد غيره بمعاوضة بما في يده مما رغب عنه ، فلذلك{[13423]} كل{[13424]} شار{[13425]} بائع { وأحل } أي{[13426]} والحال أنه أحل { الله }{[13427]} الذي له تمام العظمة المقتضية للعدل { البيع } أي لما فيه من عدل الانتفاع ، لأنه معاوضة على سبيل النصفة للتراضي من الجانبين ، لأن الغبن{[13428]} فيه غير محقق على واحد منهما ، لأن من اشترى ما يساوي درهماً بدرهمين يمكن أن يبيعه بعد ذلك لرواجه أو وجود راغب فيه لأمر دعاه إليه بثلاثة { وحرم الربا } لما فيه من اختصاص أحد المتعاملين بالضرر والغبن والآخر بالاستئثار{[13429]} على وجه التحقيق ، فإن من أخذ درهماً بدرهمين لا يرجى خير ما فاته من ذلك الوجه أصلاً ، وكذلك{[13430]} ربا المضاعفة وهو ما إذا طلب دينه فكان الغريم معسراً فألزمه بالدفع أو الزيادة في الدين فإنه ليس في مقابلة هذا الزائد شيء ينتفع به المدين . قال الحرالي : فيقع الإيثار قهراً وذلك الجور الذي يقابله العدل الذي{[13431]} غايته الفضل ، فأجور الجور في الأموال{[13432]} الربا ، وأجور الجور في الربا الربا كالذي يقتل{[13433]} بقتيل{[13434]} قتيلين{[13435]} ، وكل من طفف في ميزان فتطفيفه{[13436]} ربا بوجه ما ؛ ولذلك تعددت أبواب الربا وتكثرت{[13437]} ؛ قال{[13438]} قال صلى الله عليه وسلم : " الربا{[13439]} بضع وسبعون باباً ، والشرك مثل ذلك وهذا رأسه " وهو ما كانت تتعامل{[13440]} به أهل الجاهلية ، من قولهم : إما أن تربي{[13441]} وإما أن تقضي ، ثم لحق به سائر أبوابه ، فهو انتفاع للمربي وتضرر للذي يعطي الربا ، وهذا أشد الجور بين العبيد الذين{[13442]} حظهم التساوي في أمر بلغة الدنيا ؛ فكما أعلمهم سبحانه وتعالى أثر حكمة{[13443]} الخير في الإنفاق{[13444]} أعلمهم أثر حكمة الشر في الربا في دار الآخرة وفي غيب أمر الدنيا{[13445]} وكما أنه يعجل للمنفق خلفاً في الدنيا كذلك يعجل للمربي محقاً في الدنيا حسب ما صرح به الخطاب بعد هذا الإشعار - انتهى .
ومادة بيع بجميع تقاليبها التسعة{[13446]} يائية وواوية{[13447]} مهموزة وغير مهموزة : بيع وعيب وعبي{[13448]} وبوع و{[13449]}بعو و{[13450]}وبع ووعب وعبو{[13451]} وعبا - تدور{[13452]} على الاتساع ، فالبيع يدور على التصرف التام بالقوة تارة وبالفعل أخرى ، والذي بالفعل يكون بالملك تارة وبغيره أخرى ، والذي بالملك يكون بالتحصيل تارة وبالإزالة أخرى ، ولا يخفى أن كل ذلك من الاتساع فمن الذي بالقوة : باعه من السلطان سعى به إليه ، وامرأة بائع إذا كانت نافقة{[13453]} لجمالها ، والبياعة السلعة ، والبيّع كسيد{[13454]} : المساوم ، وأبعته{[13455]} بمعنى عرضته للبيع ؛ ومن الذي بالفعل من{[13456]} غير ملك : باع على بيعه أي قام{[13457]} مقامه في المنزلة والرفعة{[13458]} و{[13459]}ظفر به ، وكذا أبعت الرجل فرساً{[13460]} أي أعرته{[13461]} إياه ليغزو عليه ؛ ومن الذي بالملك إزالة : بعته وأبعته أي أزلت ملكي عنه بثمن ، واستباعه سأله أن يبيعه منه ، وانباع نفق ، وانباع لي في سلعته سامح في بيعها و{[13462]}امتد إلى{[13463]} الإجابة إليه ؛ ومن{[13464]} الذي بالملك تحصيلاً{[13465]} : باع الشيء بمعنى اشتراه . قال الفارابي{[13466]} في ديوان الأدب : قال أبو ثروان{[13467]} : بع لي تمراً بدرهم - يريد اشتر ، وهذا الحرف من الأضداد ، وابتاعه : اشتراه . والعيب{[13468]} بمعنى الوصمة{[13469]} توسع{[13470]} الكلام في العرض وسببه توسع الإنسان في قول أو فعل على غير منهاج العقل{[13471]} ، والعيبة{[13472]} وعاء من أدم يوضع فيه المتاع وهي{[13473]} أيضاً الصدر{[13474]} والقلب وموضع السر ، والعائب من اللبن الخادر{[13475]} أي الآخذ طعم حموضة إما من {[13476]}العيب وإما لأنه انتشر عن طعمه الأول ؛ والعباية{[13477]} ضرب من الأكسية لاتساعه عن الأزر{[13478]} ونحوها طولاً وعرضاً والرجل الجافي الثقيل تشبيهاً بها في الخشونة والثقالة ، وتعبئة الجيش{[13479]} تهيئته من موضعه{[13480]} كأن مراكزه{[13481]} عياب{[13482]} له وضعت كل فرقة منه{[13483]} في عيبتها{[13484]} ، وعيبك{[13485]} من الجزور نصيبك{[13486]} ، والتعابي أن يميل رجل مع قوم وآخر مع آخرين لأن ذلك اتساع بالفريقين وانتشار من الرجلين ؛ ومن المهموز العبء - بالكسر وهو الحمل الثقيل من أي شيء كان لأنه بقدر وسع الحامل أو فوق وسعه وهو أوسع{[13487]} مما{[13488]} دونه من الأحمال ، وهو أيضاً العدل لأنه يسع ما يوضع فيه والمثل ، ويفتح لأن{[13489]} الاثنين أوسع من الواحد ، والعبء بالفتح ضياء الشمس وهو واضح في السعة ، وعبأ المتاع والأمر كمنع{[13490]} هيأ{[13491]} كعبأه تعبئة{[13492]} لأنه أعطاه ما يسعه ووضعه في مواضع تسعه{[13493]} ، والطيب صنعه وخلطه فاتسع بالخلط وانتشرت رائحته بالصنعة ؛ والعباء كساء معروف وهو يسع ما يلف به كالعباية{[13494]} ، والأحمق الثقيل الوخم وتقدم تخريجه ويمكن جعله{[13495]} من العبء بمعنى الحمل وبمعنى الثقيل والمعبأة{[13496]} كمكنسة خرقة الحائض لأنها بقدر ما يسعه الفرج ، و{[13497]}المعبأ كمقعد المذهب لاتساعه للذاهب فيه ، وما أعبأ به ما أصنع ، وبفلان : {[13498]}ما أبالي{[13499]} أي ما أوسع الفكر فيه - انتهى المهموز{[13500]} ؛ والباع{[13501]} قدر مد اليدين والشرف والكرم ، والبوع{[13502]} أبعاد خطو الفرس في جريه{[13503]} ، وبسط اليد بالمال ، والمكان المنهضم أي المطمئن في لصب{[13504]} الجبل - واللصب بالكسر الشعب الصغير من الجبل أضيق من اللهب وأوسع من الشقب{[13505]} ، واللهب مهواة{[13506]} ما{[13507]} بين كل جبلين أو الصدع في الجبل أو الشعب الصغير{[13508]} ، والشعب بالعين الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن أرض أو ما انفرج بين الجبلين ، والشقب بالقاف صدع يكون في لهوب الجبال ولصوب الأودية دون الكهف توكر{[13509]} فيه الطير - وباعة الدار ساحتها ، والبائع ولد الظبي إذا باع{[13510]} في مشيه ، و{[13511]}انباع العرق{[13512]} سال ، والحية بسطت{[13513]} نفسها بعد تحوّيها لتساور ؛ والوبّاعة الاست لاتساعها بخروج الخارج منها ، وكذبت وبّاعته أي حبق{[13514]} يعني ضرط ، والوباعة من الصبي ما يتحرك من يافوخه{[13515]} لامتداده إلى الحركة ، ووعبه كوعده أخذه أجمع ، كأوعبه واستوعبه ، وأوعب جمع ، والشيء في الشيء أدخله كله أي وسعه حتى دخل فيه ، والوعب من الطرق : الواسعة ، وبيت وعيب واسع ؛ والبعو الجناية والجرم لأن ذلك يوسع الكلام في العرض ، وهو أيضاً العارية ، وبعاه قمره{[13516]} وأصاب منه ، وبعاه بالعين أصابه بها كأنه{[13517]} وسع لعينه فيه حظاً .
ولما كان الوعظ{[13518]} كما قال الحرالي دعوة الأشياء بما فيها من العبرة{[13519]} للانقياد للإله الحق بما {[13520]}يخوفها ويقبضها{[13521]} في مقابلة التذكير بما يرجيها{[13522]} ويبسطها ، وكان فيما أخبر به سبحانه وتعالى عن حال المربي أتم زاجر لأن أجلّ ما للإنسان بعد روحه عقله سبب عن ذلك قوله : { فمن جاءه } قال الحرالي : أطلق{[13523]} الكلمة من علامة التأنيث النازل الرتبة ترفيعاً لقدر هذه الموعظة الخفية المدرك العظيمة الموقع { موعظة } بناء{[13524]} مبالغة وإعلاء{[13525]} لما أشعرت المفعلة{[13526]} الزائدة الحروف على أصل لفظ الوعظ بما يشعر{[13527]} به الميم{[13528]} من التمام والهاء من الانتهاء ، فوضع الأحكام حكمة ، والإعلام بثمراتها في الآخرة موعظة تشوق{[13529]} النفس إلى رغبتها ورهبتها - انتهى .
ولما كان التخويف من المحسن أردع لأن النفس منه أقبل قال : { من ربه } أي المربي له المحسن إليه بكل ما هو فيه{[13530]} من الخير . قال الحرالي : في إشعاره أن{[13531]} من أصل التربية الحمية من هذا الربا - انتهى . { فانتهى } أي عما كان سبباً للوعظ . قال الحرالي : أتى بالفاء المعقبة فلم يجعل فيه{[13532]} فسحة{[13533]} ولا قراراً{[13534]} عليه لما فيه من خبل{[13535]} العقل الذي هو أصل{[13536]} مزية الإنسانية وإن لم يشعر به حكماء الدنيا ولا أطباؤها - انتهى .
ولما كان السياق بما أرشد إليه التعليل بقوله : { ذلك بأنهم قالوا } دالاً على أن الآية في الكفرة وأن المراد بالأكل الاستحلال أكد ذلك بقوله : { فله ما سلف } أي من قبيح ما ارتكبه بعد أن كان عليه ولا يتبعه شيء{[13537]} من جريرته{[13538]} لأن الإسلام يجب ما قبله وتوبة المؤمن لا تجب المظالم . قال الحرالي : والسلف هو الأمر الماضي بكليته الباقي{[13539]} بخلفه{[13540]} ، وقال : {[13541]}في إعلامه{[13542]} إيذان بتحليل ما استقر في أيديهم من ربا الجاهلية ببركة توبتهم من استئناف العمل به في الإسلام لما كان الإسلام يجب ما قبله{[13543]} ، وفي طيّ إشعاره تعريض برده لمن يأخذ{[13544]} لنفسه{[13545]} بالأفضل ويقوي إشعاره قوله{[13546]} { وأمره إلى الله } انتهى ، أي{[13547]} فهو يعامله{[13548]} بما له من{[13549]} الجلال والإكرام{[13550]} بما يعلمه من نيته{[13551]} من خلوص وغيره .
ولما كان المربون بعد هذه الزواجر بعيدين من رحمة{[13552]} الله عبر عنهم سبحانه وتعالى بأداة البعد في قوله : { ومن عاد } أي إلى تحليل الربا بعد انتهائه عنه نكوباً{[13553]} عن حكمة ربه { فأولئك } أي البعداء من الله { أصحاب النار } ولما كانت نتيجة الصحبة الملازمة قال : { هم فيها خالدون* } .
قوله تعالى : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله ، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم عن كنتم تعلمون ) .
هذه مسألة هامة من المسائل التي شدد عليها الإسلام ، وهي أحد المناهي الكبيرة التي لا يسقط فيها إلا الخاسرون الوالغون في الرجس والذين ينذرهم الإسلام أن تكون جسومهم حصبا لجهنم . ألا وهي مسألة الربا .
والربا جريمة كبرى قد ندد بها الإسلام ، وندد بالمتعثرين فيها الذين يأكلون أموال الناس بهذه الوسيلة الخبيثة التي تفضي إلى جمع مركوم من المال الخبيث أو السحت الذي يودي بالمرابين في أودية جهنم .
ولنا أن نتصور فداحة هذه الجريمة التي حذر منها الإسلام ونحن نردد كلمات القرآن في التهديد والوعيد لأكلة الربا الذين لا يأكلون في بطونهم إلا اللهب . يستبين ذلك من الكلمات الربانية المتوعدة المفزعة كقوله سبحانه : ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وقوله سبحانه : ( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) وفي السنة النبوية ما يكشف عن فظاعة الربا وشدة تحريم . فيقول النبي ( ص ) فيما رواه عنه أبو هريرة : " أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحياة تجري من خارج بطونهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة الربا " .
وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال : قال رسول اله ( ص ) : " الربا سبعون جزءا ، أيسرها أن ينكح الرجل أمه " .
وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- أن النبي ( ص ) قال : " لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه " .
وروى الدارقطني عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة أن النبي ( ص ) قال : " لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية في الخطيئة " .
قوله : ( الذين يأكلون الربا ) أي يأخذونه ويستبيحونه لأنفسهم ، وقد عبر عن مطلق الأخذ بخصوص الأكل ؛ وذلك ؛ لأن الأكل أهم المقاصد التي من اجلها يجمع المال أو يؤخذ . والربا معناه الزيادة ، فمن زاد أو استزاد أكثر مما ينبغي من رأس المال فقد أربى ، على نحو ما سنبينه في موضعه بإيجاز ، أما تعريفه في الشرع ، فقد عرفه البابرتي في كتاب العناية بأنه " الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع{[360]} .
قوله : ( لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) ذلك وصف لتعس الذين يأكلون الربا ولوضعهم المشين ؛ لما قارفوه في حياتهم من فاحشة الربا . فإنهم لا يقومون من قبورهم يوم القيامة ذاهبين إلى الحشر إلا كما يقوم المصروع وهو ( يتخبطه الشيطان من المس ) أي يفسده بالجنون . فهو يمشي متخبطا كمن يتعثر في خطاه حين السير فهو تارة يهوي ساقطا ، وأخرى ينهض ماشيا . فهو لا يقوم مرة حتى يسقط أخرى كالمجنون الذي خالطه المس . والمس معناه الجنون .
يقول ابن عباس في هذا الصدد : آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق . وقيل ابن عباس في هذا الصدد : آكل الربا يبعثون يوم القيامة وقد انتفخت بطونهم كالحبالى ، فكلما قاموا ليمشوا سقطوا وانتكسوا والناس يمشون عليهم .
ويستفاد من هذه العبارة القرآنية أن الصرع يصيب ابن آدم ربما كان سببه مس الشيطان له والعياذ بالله من ذلك . وفي هذا روى النسائي في سننه أن النبي ( ص ) كان يدعو قائلا : " اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق ، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت ، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا ، وأعوذ بك أن أموت لديغا " .
وفي حديث آخر عنه ( ص ) أنه كان يدعو : " اللهم إني أعوذ بك من الجنون والجذام والبرص وسيء الأسقام " .
وجدير بالقول أن ثمة أصنافا من المطعومات والموزونات والمكيلات لا يجوز بيع بعضها ببعض من نفس الجنس إلا مثلا بمثل يدا بيد سواء بسواء .
فقد روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ( ص ) : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء .
وفي رواية أخرى : " ( فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " .
يستفاد من هذا الحديث أن هذه الأصناف الستة لا يجوز أن يباع بعضها ببعض- أي من نفس الجنس- إلا أن يكون ذلك مثلا بمثل يدا بيد . المثل بالمثل يعني المساواة بين المبيعين كليهما ، سواء كان موزونين أو مكيلين أو مطعومين او غير ذلك ما دام من نفس الجنس . واليد باليد يعني أن يكون التقابض في المبيعين حالا لا مؤجلا . وأي إخلال بهذين الشرطين يدمغ البيع بوصمة الربا . أما إذا اختلفت هذه الأصناف فلا بأس أن تباع متفاضلة على أن يكون التقابض فيها يدا بيد أي حالا لا مؤجلا . وذلك كما لو بيع الذهب بالفضة أو البر بالتمر أو الملح بالشعير ، فلا بأس أن يقع التفاضل بينهما سواء في الوزن أو الكيل أو غيرهما مادام التقابض حالا .
ويؤكد هذا المفهوم ويوضحه حديث الرسول ( ص ) وهو من رواية الدارقطني عن علي : " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما ، من كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب ، وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بورق هاء وهاء " . أي هاك وهات ، أو أخذ وأعط . وذلك يعني أن يكون التقابض بين البيعين حالا وفي مجلس العقد . وصورة هذا البيع ما كان على هيئة مقايضة وهي المعاوضة عرضا بعرض . ويستوي في ذلك أن يكون الذهب أحمر أو اصفر مضروبا أو غير مضروب ، وكذلك الفضة يستوي فيها أن تكون بيضاء أو سوداء مضروبة أو غير مضروبة ، فإنه لا يجوز بيع الواحد منها بجنسه متفاضلا إلا أن يكون مثلا بمثل سواء بسواء . أما بيع الواحد منهما بالجنس الآخر تفاضلا جائز على أن يكون ذلك يدا بيد ؛ وذلك لما بيناه من دليل ، ولما روي عن عبادة بن الصامت قال : إني سمعت رسول الله ( ص ) ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ " بالبُرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين من زادا أو ازداد فقد أربى .
وعلى ذلك فالربا نوعان : ربا الفضل وربا النسيئة بفتح النون ، أما ربا الفضل فهو الزيادة في الميكلات والموزونات عند اتحاد الجنس إذا بيع أحدهما بالآخر . وذلك كبيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة أو القمح بالقمح أو غير ذلك على أن يكون ذلك متفاضلا وهو حرام .
وأما ربا النسيئة أو النساء فهو الزيادة في المذكورات السابقة عند اختلاف الجنس إذا كان تسليم أحد المبين مؤجلا . أو هو فضل العين على الدين في الكيلين والموزونين عند اختلاف الجنس{[361]} .
قوله : ( ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ) الضمير في قوله : ( بأنهم ) يراد به الكافرون الذين يضادون الله في شرعه . فقد أباح هؤلاء ما حرم الله ، ولم يعترفوا بما أنزل الله للناس من شرع ، فانفتلوا بذلك عن دين الله وراحوا يهرفون بفاسد الكلام من اعتراض على أحكام الله وإنكار لدينه فقالوا : ( إنما البيع مثل الربا ) أي هما مثيلان ولا فرق بينهما فلماذا جعل هذا مباحا وهذا محرما فقضى الله في الأمر بما يحسم المسألة حسما لا يحتمل تأويلا فقال عز من قائل : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) .
ومن المعلومات القواطع أن الفرق بين البيع والربا ظاهر وكبي ومستبين . فالبيع عقد يقوم على المعاوضة . وبموجبه يقبض البائع الثمن ليدفع للمبتاع المبيع على أساس من الرضا وحرية الإرادة . وعقد البيع على هذا الأساس يحتمل الربح والخسارة . فربما أصاب أحد البيّعين في عقد البيع ربحا ، وربما أصاب خسارة . وتتضح هذه الحقيقة على نحو أشد في الشركات ومنها المضاربة . ذلك أن المتعاقدين الاثنين يشتركان في كل من الغُنْم والغُرم أو الربح والخسارة . والقاعدة الفقهية في ذلك معلومة ومشهورة وهي " الغُرْم بالغنم " فكلا المتعاقدين يشتركان في الربح والخسارة وذلكم هو العدل والحق .
لكن الربا يقوم على غير هذا الأساس . فهو في الأصل يقوم على الغرر وقد نهى عنه الرسول ( ص ) ؛ لما فيه من توهيم وتغرير كبيع السمك في الماء أو الطير في الهواء وهكذا يكون الربا . فآخذه بين احتمالين ، فهو إما أن يستفيد مما اقترض ويربح ، وإما أن يتعثر ويخسر ، لكن معطيه إنما يكون ربحه مضمونا . فهو رابح على التأكيد ولا سبيل له أن يخسر ، لكن معطيه إنما يكون ربحه مضمونا . فهو رابح على التأكيد ولا سبيل له أن يخسر ؛ لأن الفائدة الربوية المعلومة بالنسبة إليه مشروطة . فهو لا يقرض إلا وهو عالم أن ربحه مضمون ضمن أساس مشروط لا يتخلف . وذلك تغرير وحيف وهو باطل وظلم جعله الإسلام محرما وشدد عليه التغليظ والنكير وتوعد الساقطين فيه حربا في هذه الدنيا ونار جهنم في الآخرة .
وقوله : ( فمن جاء موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ) شرط وجوابه .
وجملة ذلك أن من بلغه تحريم الربا فانتهى عن فعله وتعاطيه فقد غفر الله ما سلف من أكل الربا . فما كان من أكل للربا قبل التحريم فقد سقطت تبعته في الدنيا وفي الآخرة ، فهو في الدنيا غير مطالب بما زاد على رأس المال أو استزاد . وفي الآخرة غير مؤاخذ عن ذلك ؛ لأن من قواعد الشريعة ألا مسؤولية أو جزاء إن لم يكن ثمة التحريم ، فإن عليه أن يضع ما كان قد اشترط من ربا ، أما الربا الذي أخذه قبل نزول التحريم فلا يلتزم برده ؛ لأنه مندرج في قوله تعالى : ( فله ما سلف ) وقوله في آية أخرى : ( عفا الله عما سلف ) .
وقد ورد أن النبي ( ص ) قال يوم فتح مكة : " وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين ، وأول ربا أضع ربا العباس " ولم يأمرهم عليه الصلاة والسلام برد ما أخذوا من زيادة ربوية قبل نزول التحريم ؛ لأن الله سبحانه قد عفا عما سلف . قوله : ( وأمره إلى الله ) الضمير عائد على المكلف المنتهي عن أكل الربا والذي عفا الله له عما سلف ، فإن أمره إلى الله سبحانه يبسط له الخير وأسباب الهداية والطاعة ويجعل له من أمره يسرا .
وقوله : ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) الذي يعود إلى أكل الربا بعدما جاءه من موعظة وخبر التحريم ، فإنه من أصحاب النار الخالدين ، وذلك أن استحل لنفسه ما حرمه الله وذلك كفر ، فإنه لا يأبى شرع الله ليجد لنفيه من دون الله شرعا آخر إلا من كان كافرا . ويدخل في ذلك من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله . واسم الإشارة ( أولئك ) في محل رفع مبتدأ . ( أصحاب ) خبره . والجملة الإسمية ( هم فيها خالدون ) في محل نصب حال .