ويكمل السياق الأحكام المتعلقة بالدين في حالة الإعسار . . فليس السبيل هو ربا النسيئة : بالتأجيل مقابل الزيادة . . ولكنه هو الإنظار إلى ميسرة . والتحبيب في التصدق به لمن يريد مزيدا من الخير أوفى وأعلى :
( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة . وأن تصدقوا خير لكم . . إن كنتم تعلمون ) . .
إنها السماحة الندية التي يحملها الإسلام للبشرية . إنه الظل الظليل الذي تأوي إليه البشرية المتعبة في هجير الأثرة والشح والطمع والتكالب والسعار . إنها الرحمة للدائن والمدين وللمجتمع الذي يظل الجميع !
ونحن نعرف أن هذه الكلمات لا تؤدي مفهوما " معقولا " في عقول المناكيد الناشئين في هجير الجاهلية المادية الحاضرة ! وأن مذاقها الحلو لا طعم له في حسهم المتحجر البليد ! - وبخاصة وحوش المرابين سواء كانوا أفرادا قابعين في زوايا الأرض يتلمظون للفرائس من المحاويج والمنكوبين الذين تحل بهم المصائب فيحتاجون للمال للطعام والكساء والدواء أو لدفن موتاهم في بعض الأحيان ، فلا يجدون في هذا العالم المادي الكز الضنين الشحيح من يمد لهم يد المعونة البيضاء ؛ فيلجأون مرغمين إلى أوكار الوحوش . فرائس سهلة تسعى إلى الفخاخ بأقدامها . تدفعها الحاجة وتزجيها الضرورة ! سواء كانوا أفرادا هكذا أو كانوا في صورة بيوت مالية ومصارف ربوية . فكلهم سواء . غير أن هؤلاء يجلسون في المكاتب الفخمة على المقاعد المريحة ؛ ووراءهم ركام من النظريات الاقتصادية ، والمؤلفات العلمية ، والأساتذة والمعاهد والجامعات ، والتشريعات والقوانين ، والشرطة والمحاكم والجيوش . . كلها قائمة لتبرير جريمتهم وحمايتها ، وأخذ من يجرؤ على التلكؤ في رد الفائدة الربوية إلى خزائنهم باسم القانون . . ! !
نحن نعرف أن هذه الكلمات لا تصل إلى تلك القلوب . . ولكنا نعرف أنها الحق . ونثق أن سعادة البشرية مرهونة بالاستماع إليها والأخذ بها :
( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة . وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ( 281 )
إن المعسر - في الإسلام - لا يطارد من صاحب الدين ، أو من القانون والمحاكم . إنما ينظر حتى يوسر . . ثم إن المجتمع المسلم لا يترك هذا المعسر وعليه دين . فالله يدعو صاحب الدين أن يتصدق بدينه - إن تطوع بهذا الخير . وهو خير لنفسه كما هو خير للمدين . وهو خير للجماعة كلها ولحياتها المتكافلة . لو كان يعلم ما يعلمه الله من سريرة هذا الأمر !
ذلك أن إبطال الربا يفقد شطرا كبيرا من حكمته إذا كان الدائن سيروح يضايق المدين ، ويضيق عليه الخناق . وهو معسر لا يملك السداد . فهنا كان الأمر - في صورة شرط وجواب - بالانتظار حتى يوسر ويقدر على الوفاء . وكان بجانبه التحبيب في التصدق بالدين كله أو بعضه عند الإعسار .
على أن النصوص الأخرى تجعل لهذا المدين المعسر حظا من مصارف الزكاة ، ليؤدي دينه ، وييسر حياته : إنما الصدقات للفقراء والمساكين . . . والغارمين . . . وهم أصحاب الديون . الذين لم ينفقوا ديونهم على شهواتهم وعلى لذائذهم . إنما أنفقوها في الطيب النظيف . ثم قعدت بهم الظروف !
ولما كان{[13645]} الناس منقسمين إلى موسر ومعسر أي غني وفقير كان كأنه قيل : هذا حكم الموسر { وإن كان } أي وجد من المدينين{[13646]} { ذو{[13647]} عسرة } لا يقدر على الأداء{[13648]} في هذا الوقت { فنظرة } أي فعليكم نظرة له . قال الحرالي : وهو التأخير المرتقب نجازه{[13649]} { إلى ميسرة } إن لم ترضوا إلا بأخذ أموالكم ؛ وقرأ نافع وحمزة{[13650]} بضم السين ؛ قال الحرالي : إنباء{[13651]} عن استيلاء اليسر{[13652]} وهي أوسع النظرتين{[13653]} ، والباقون بالفتح إنباء{[13654]} عن توسطها ليكون اليسر في مرتبتين{[13655]} ، فمن انتظر إلى أوسع اليسرين{[13656]} كان أفضل توبة - انتهى . { وأن تصدقوا } أي وصدقتكم{[13657]} على المعسر بتركه له ، ذلكم{[13658]} { خير } {[13659]}في الدنيا بما يبارك الله سبحانه وتعالى { لكم } ويعوضكم وفي الآخرة بما يجزل لكم من الأجر .
ولما كان كل{[13660]} أحد يدعي{[13661]} العلم ويأنف أشد أنفة{[13662]} من النسبة إلى الجهل قال : { إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم من ذوي العلم {[13663]}فأنتم تعرفون صحة{[13664]} ما دعوتكم إليه مما{[13665]} يقتضي الإدبار عنه أو الإقبال عليه ، فإذا تحققتم ذلك فامتثلوه فإنه يقبح{[13666]} على العلم بقبح{[13667]} الشيء الإصرار{[13668]} عليه وإلا فبينوا أنه ليس بخير وإلا فأنتم من أهل الاعوجاج بالجهل تقومون بالحرب و{[13669]}الضرب والطعن{[13670]} كالسباع الضارية{[13671]} و{[13672]}الذئاب العاوية{[13673]} . وقال الحرالي : فأعلم سبحانه وتعالى أن{[13674]} من وضع كيانه{[13675]} للعلم فكان ممن يدوم علمه ؟ تنبه لأن خير الترك خير من خير{[13676]} الأخذ فأحسن بترك جميعه - انتهى .
وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : " لما أنزلت{[13677]} الآيات الأواخر - وفي رواية : من آخر سورة البقرة في الربا - قرأهن{[13678]} النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية : على الناس في المسجد - ثم حرم التجارة في الخمر " وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا " ولأبي عبيد عن ابن شهاب{[13679]} قال : آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين . وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : آخر آية نزلت{[13680]} من القرآن { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } [ البقرة : 281 ] قال : زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بعدها تسع ليال وبدىء به يوم السبت ومات يوم الاثنين - انتهى . ولا مخالفة لأنها{[13681]} من آية{[13682]} الربا والدين . وروى الحديث أبو عمرو الداني{[13683]} في كتاب " البيان في عدد آي القرآن " وقال فيه{[13684]} : " قال الملك : اجعلها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة " .
قوله : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى مسيرة ) ( كان ) تامة بمعنى حدث . ( ذو ) فاعل مرفوع بالواو ، ( عسرة ) مضاف إليه . نظرة خبر لمبتدأ محذوف وتقديره : شأنه أو حاله ، فنظرة ، وهي الإنظار والعسرة بمعنى الضيق ، والميسرة يراد بها اليسر والسعة{[364]} .
بعد أن وقع التنديد بالربا وأكَلته ، وبعد النهي المشدد عن الزيادة على رأس المال ، فإن الله يندب عباده المؤمنين أن يتراحموا فيما بينهم ليصير الدائن على مدينه إن كان معسرا كليلا فلا يرهقه من أمره عسرا . وذلك على النقيض من حال العرب وفي القرض قبل الإسلام ؛ إذ كان الدائن يقول لمدينه : إذا حل وقت الأداء ، إما أن تقضي ، وأما أن تُربي .
والقرآن يدعو للتراحم والتعاون والفضل أكثر من مجرد الانتظار إلى حال اليسر ، فإنه يندب للعفو والتسامح وإسقاط الدين بالكلية . وذلك في قوله سبحانه : ( وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
وفي هذا الصدد من العفو وإسقاط الحق عن طيب خاطر يقول الرسول ( ص ) : " من سره أن يُظلله الله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه " وفي حديث آخرك " من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة " .
وفي حديث آخر عن ابن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " من أراد أن تستجاب دعوته وإن تكشف كربته فليفرج عن معسر " .
وفي حديث آخر عن رسول الله ( ص ) قال : " من أنظر معسرا أو وضع عنه قواه الله من فيح جهنم ، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة ثلاثا ، ألا إن عمل النار سهل بسهوة " و الحزن ما غلظ من الأرض . والسهوة الغفلة .