في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (64)

( ثم توليتم من بعد ذلك ) . .

ثم أدركتها رحمة الله مرة أخرى وشملها فضله العظيم ؛ فأنقذها من الخسار المبين : ( فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ) . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (64)

قوله : { ثم توليتم } {[3007]}والتولي{[3008]} قال الأصفهاني : أصله الإعراض عن الشيء بالجسم ، ثم استعمل في الإعراض عن الأمر والدين - انتهى . وهو هنا الإعراض المتكلف بما يفهمه التفعل - قاله الحرالي . {[3009]}وذلك لأن النفوس إذا توطنت على أمر الله فرأت محاسنه فرجعت بذلك إلى نحو من الفطر الأولى لم ترجع عنه إلاّ بمنازعة من الهوى شديدة{[3010]} .

{[3011]}ولما كان توليهم لم يستغرق زمن البعد أدخل الجار فقال{[3012]} : { من بعد ذلك } {[3013]}أي التأكيد العظيم{[3014]} عن {[3015]}الوفاء به{[3016]} .

{ فلولا } أي فتسبب عن{[3017]} توليكم أنه لولا { فضل الله } {[3018]}أي الذي له الجلال والإكرام مستعل{[3019]} { عليكم ورحمته }{[3020]} بالعفو والتوبة {[3021]}والإكرام بالهداية والنصر على الأعداء{[3022]} { لكنتم من الخاسرين * } {[3023]}بالعقوبة وتأبد الغضب ، وأيضاً فلما كان يمكنهم أن يدعوا الإيمان والعمل الصالح عقبت{[3024]} تلك بآية الميثاق إشارة إلى أنه ليس المنجي الإيمان في الجملة بل الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به الميثاق ، وهو جميع ما آتاهم في التوراة إيماناً مصحوباً بالقوة ، ومما آتاهم صفة عيسى ومحمد عليهما السلام والأمر باتباعهما ، فهو مما أخذ عليهم به العهد وقد كفروا به فلم يصح{[3025]} لهم إيمان ولا عمل ، لأن التفرقة بين ما أتى منه سبحانه زنذقة .


[3007]:ليس في ظ، وفي م: أي التوقي: قال أبو حيان: التولي الإعراض بعد الإقبال وهذا أوضح ويدل عليه "ثم" والذي يفهم من السياق أنهم امتثلوا الأمر وفعلوا مقتضاه، يدل على ذلك "ثم توليتم من بعد ذلك" فهذا يدل على القبول والالتزام لما أمروا به، وفي بعض القصص أنهم قالوا لما زال الجبل: يا موسى سمعنا وأطعنا، ولولا الجبل ما أطعناك، وقد علم أنهم بعد ما قبلوا التوراة تولوا عنها بأمور فحرفوها وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بالله وعصوا أمره.
[3008]:ليس في ظ، وفي م: أي التوقي: قال أبو حيان: التولي الإعراض بعد الإقبال وهذا أوضح ويدل عليه "ثم" والذي يفهم من السياق أنهم امتثلوا الأمر وفعلوا مقتضاه، يدل على ذلك "ثم توليتم من بعد ذلك" فهذا يدل على القبول والالتزام لما أمروا به، وفي بعض القصص أنهم قالوا لما زال الجبل: يا موسى سمعنا وأطعنا، ولولا الجبل ما أطعناك، وقد علم أنهم بعد ما قبلوا التوراة تولوا عنها بأمور فحرفوها وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بالله وعصوا أمره.
[3009]:ليست في ظ.
[3010]:ليست في ظ.
[3011]:ليست في ظ.
[3012]:ليست في ظ.
[3013]:ليست في ظ.
[3014]:ليست في ظ.
[3015]:في مد: الوقاية.
[3016]:في مد: الوقاية.
[3017]:زيد في ظ: ذلك.
[3018]:ليست في ظ.
[3019]:ليست في ظ.
[3020]:الفضل الإسلام، والرحمة القرآن – قاله أبو العالية: أو الفضل قبول التوبة والرحمة العفو عن الزلة – من البحر المحيط 1 / 244.
[3021]:ليست في ظ.
[3022]:ليست في ظ.
[3023]:الخسران هو النقصان: ومعناه من الهالكين في الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يكون كان هنا بمعنى بمعنى صار. قال القشيري: أخذ سبحانه ميثاق المكلفين ولكن قوما أجابوه طوعا لأنه تعرف إليهم فوحدوه، وقوما أجابوه كرها لأنه ستر عليهم فجحدوه، ولا حجة أقوى من عيان ما رفع فوقهم من الطور ولكن عدموا نور البصيرة فلم ينفعهم عيان البصر، قال تعالى "ثم توليتم" أي رجعتم إلى العصيان بعد مشاهدتكم الإيمان بالعيان، ولولا لا حكمه بإمهاله وحكمه بإفضاله لعاجلكم بالعقوبة ولحل بكم عظيم المصيبة. وقال بعض أهل اللطائف: كانت نفوس بني إسرائيل من ظلمات عصيانهم تخبط في عشواء حالكة الجلباب وتخطر من غلوائها وعلوها في حلتي كبر وإعجاب فلما أمروا بأخذ التوراة ورأوا ما فيها من أثقال التكاليف ثارت نفوسهم الآبية، فرفع الله عليهم الجبل فوجدوه أثقل مما كلفوه فهان عليهم حمل التوراة مع ما فيها من التكليف والنصب إذ ذاك أهون من الهلاك قال الشاعر: إلى الله يدعى بالبراهين من أبي فإن لم يجب نادته بيض الصوارم. من بحر المحيط 1 / 240.
[3024]:في ظ: عقيب.
[3025]:في م: لم يصلح.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (64)

وقوله : ( ثم توليتم من بعد ذلك ) ما أعجب هؤلاء الناس ، وما أعجب طبائعهم فكم مرة يؤمرون ويعصون ثم يحيق بهم العذاب يهددهم تهديدا حتى إذا انكشف عنهم العذاب عادوا الى الجحود والعصيان ، وعادوا ديدنهم في الفساد والتمرد وذلك في غاية من الميوعة والهزل والتأرجح ، وهذه مرة أخرى من المرات التي يتحدث فيها القرآن عن حمل بني إسرائيل على الطاعة بالقوة والتهديد ، ثم إذا زال عنهم ما يرعبهم ويخوفهم رجعوا إلى المقصود ( ثم توليتم من بعد ذلك ) .

وفوق ذلك كله فإن الله جلت قدرته رحيم بهؤلاء القوم فقد بسط لهم من أهداب الرحمة والمغفرة ما يثير في النفس العجب ، ويرسم للذهن أجلى صورة عن مدى الرحمة التي تتجلى في جلال الله سبحانه ، لا جرم أن رحمة الله تدنو دونها سائر الرحمات ، فقال سبحانه : ( فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ) يمن الله على بني إسرائيل بفضله عليهم ورحمته ، وأنه أولا هذان : الفضل والرحمة لكانوا من الخاسرين ، والفضل هو الإحسان ، والرحمة معروفة فهو سبحانه الرحيم الحنان المنان وهو أرحم الراحمين ، وهو سبحانه لا يدانيه في هذه الخصيصة أي كائن حتى إنه اسمه الرحمن وهو اسم لا يليق أن يكون لأحد سوى الله ، فهو وحده الحقيق بذلك .

وقوله : ( الخاسرين ) من الخسر والخسران والخسار والخسارة والتخسير . وهو ضد الربح وهو يعني الضلال والهلاك ، {[72]} فإنه لولا فضل الله على هؤلاء القوم ورحمته بهم لأصابهم الهلاك على الفور ، ولهبطوا في الضلال دون إنظار أو وناء ، ولكن الله تعالى كان في كل مرة يعصونه فيها يمن عليهم بالفضل والرحمة فيعفو عنهم ويبسط لهم جناح العفو والغفران ليعاودوا السير في ظل الله والالتزام بدينه من جديد ، لكنهم أخيرا أبوا إلا التمرد المكرور الذي لا ينقطع حتى دمر الله عليهم تدميرا فكتب عليهم الذلة والمسكنة ، ومزقهم في الأرض شر ممزق ، وقطعهم في الأرض أشتات أمما .


[72]:المصباح المنير جـ 1 ص 181.