ولم يشهد تاريخ أمة ما شهده تاريخ إسرائيل من قسوة وجحود واعتداء وتنكر للهداة . فقد قتلوا وذبحوا ونشروا بالمناشير عددا من أنبيائهم - وهي أشنع فعلة تصدر من أمة مع دعاة الحق المخلصين - وقد كفروا أشنع الكفر ، واعتدوا أشنع الاعتداء ، وعصوا أبشع المعصية . وكان لهم في كل ميدان من هذه الميادين أفاعيل ليست مثلها أفاعيل !
ومع هذا كله فقد كانت لهم دعاوى عريضة عجيبة . كانوا دائما يدعون أنهم هم وحدهم المهتدون ، وهم وحدهم شعب الله المختار ، وهم وحدهم الذين ينالهم ثواب الله ؛ وأن فضل الله لهم وحدهم دون شريك . . وهنا يكذب القرآن هذه الدعوى العريضة ، ويقرر قاعدة من قواعده الكلية ، التي تتخلل القصص القرآني ، أو تسبقه أو تتلوه . يقرر قاعدة وحدة الإيمان . . ووحدة العقيدة ، متى انتهت إلى إسلام النفس لله ، والإيمان به إيمانا ينبثق منه العمل الصالح . وإن فضل الله ليس حجرا محجورا على عصبية خاصة ، إنما هو للمؤمنين أجمعين ، في كل زمان وفي كل مكان ، كل بحسب دينه الذي كان عليه ، حتى تجيء الرسالة التالية بالدين الذي يجب أن يصير المؤمنون إليه :
( إن الذين آمنوا ، والذين هادوا ، والنصارى ، والصابئين - من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا - فلهم أجرهم عند ربهم ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . .
والذين آمنوا يعني بهم المسلمين . والذين هادوا هم اليهود - إما بمعنى عادوا إلى الله ، وإما بمعنى أنهم أولاد يهوذا - والنصارى هم اتباع عيسى - عليه السلام - والصابئون : الأرجح أنهم تلك الطائفة من مشركي العرب قبل البعثة ، الذي ساورهم الشك فيما كان عليه قومهم من عبادة الأصنام ، فبحثوا لأنفسهم عن عقيدة يرتضونها ، فاهتدوا إلى التوحيد ، وقالوا : إنهم يتعبدون على الحنيفية الأولى ، ملة إبراهيم ، واعتزلوا عبادة قومهم دون أن تكون لهم دعوة فيهم . فقال عنهم المشركون : إنهم صبأوا - أي مالوا عن دين آبائهم - كما كانوا يقولون عن المسلمين بعد ذلك . ومن ثم سموا الصابئة . وهذا القول أرجح من القول بأنهم عبدة النجوم كما جاء في بعض التفاسير .
والآية تقرر أن من آمن بالله واليوم الآخر من هؤلاء جميعا وعمل صالحا ، فإن لهم أجرهم عند ربهم ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . فالعبرة بحقيقة العقيدة ، لا بعصبية جنس أو قوم . . وذلك طبعا قبل البعثة
ولما بين سبحانه أنهم لما تعنتوا على موسى عليه السلام كما مر ويأتي عن نصوص التوراة مرة بعد مرة أورثهم كفراً في قلوبهم فمردوا على العصيان والتجرّؤ{[2940]} على مجاوزة الحدود فضرب عليهم الذلة والمسكنة وأحلهم الغضب ، وكان في ذلك تحذير لمن طلب سلوك ذلك الصراط المستقيم من حالهم ، وإعلام بأن المتقين المستجاب لهم في الدعاء بالهداية ليسوا في شيء من ذلك بل قالوا : اهدنا ، عن يقين وإخلاص متبرئين من الدعاوى والاعتراض على الرسل نبه على أن من عمل ضد عملهم فآمن منهم أو من غيرهم من جميع الملل كان على ضد حالهم عند ربهم فلا يغضب عليهم بل يوفيهم أجورهم ويورثهم الأمن والسرور المتضمنين لضد الذلة والمسكنة ، فقال تعالى { إن الذين آمنوا } أو{[2941]} يقال إنه سبحانه لما علّل إهانة بني إسرائيل بعصيانهم واعتدائهم كان كأنه قيل : فما لمن أطاع ؟ فأجيب بجواب عام لهم ولغيرهم ، أو يقال إنّه لما أخبر تعالى بأنهم ألزموا الخزي طوق{[2942]} الحمامة وكان ذلك{[2943]} ربما أوهم أنه لا خلاص لهم منه وإن تابوا{[2944]} وكانت عادته سبحانه جارية بأنه إذا ذكر وعداً أو وعيداً عقبه حكم ضده ليكون الكلام تاماً ، اعلموا أن باب التوبة مفتوح والرب كريم على وجه عام .
وقال{[2945]} الحرالي : لما أنهى الحق تعالى نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته مما بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول إلى أدنى الغضب عليهم بهذا النبأ الآخر عنهم إعراضاً في مقابلة ذلك الإقبال الأول وكانوا هم أول أهل{[2946]} كتاب أشعر تعالى بهذا الختم أن جميع من بعدهم يكون لهم تبعاً لنحو مما{[2947]} أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة - انتهى . فقيل { إن الذين آمنوا } أي{[2948]} ادعوا{[2949]} الإيمان بما دعا إليهم محمد صلى الله عليه وسلم ، { والذين هادوا } أي ادعوا أنهم على دين موسى عليه السلام{[2950]} . قال الحرالي : وهو من الهود وهو رجوع بالباطن{[2951]} وثبات فيه - انتهى . وقال أبو عمر وابن العلاء لأنهم يتهودون أي يتحركون عند {[2952]}{[2953]}قراءة التوراة ويقولون : إن السماوات والأرض تحركتا حين آتى الله عزّ وجلّ التوراة لموسى عليه السلام . { والنصارى } المدعين أنهم تبعوا{[2954]} المسيح عليه السلام{[2955]} . قال الحرالي : جمع نصران فإن كان من النصرة{[2956]} فهو فعلان .
ولما كانت هذه السورة في استعطاف بني إسرائيل ترغيباً وترهيباً قرن هنا بين فريقيهم ، ولما كانت ملة الصابئة{[2957]} جامعة لما تفرق من أصول أديان أهل الشرك تلاهم بهم{[2958]} مريداً كل مشرك فقال { والصابئين }{[2959]} المنكرين للرسالة في الصورة البشرية القائلين بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب ، قال الحرالي : بالهمز من صبأ يصبأ صبأ وبغير همز من صبا يصبوا صبواً ، تعاقبت الهمزة والياء{[2960]} مع الصاد والباء لعام معنى هو عود إلى حال صغر بعد كبر - انتهى .
{ من آمن } أي منهم{[2961]} بدوامه على الإيمان{[2962]} إن كان آمن قبل ذلك ، ودخوله في الإيمان إن كان كافراً فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز{[2963]} { بالله } أي لذاته { واليوم الآخر }{[2964]} الذي الإيمان{[2965]} به متضمن للإيمان بجميع الصفات من العلم والقدرة وغيرهما وحاثّ على كل خير وصادّ عن كل ضير { وعمل صالحاً } أي{[2966]} وصدق ما ادعاه من الإيمان باتباع شرع الرسول الذي في زمانه في الأعمال الظاهرة ولم يفرق بين أحد من الرسل ولا أخل بشيء من اعتقاد ما جاءت به الكتب من الصلاح .
قال الحرالي : وهو العمل المراعى من الخلل ، وأصله الإخلاص في النية وبلوغ الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وإحكامه ، وقال : والعمل ما دبر بالعلم - انتهى .
{[2967]}ولما كان الإفراد أدل على تخصيص كل واحد بما له والجمع أدل على إرادة العموم وأقطع للتعنت أفرد{[2968]} أولاً وجمع هنا فقال { فلهم أجرهم } الذي وعدوه على تلك الأعمال المشروطة بالإيمان ، وهو في الأصل جعل العامل على عمله ، كائناً " عند ربهم " فهو محفوظ لا يخشى عليه نسيان ولا يتوجه إليه تلف { ولا خوف عليهم } من آتٍ يستعلي عليهم من جميع الجهات ، { ولا هم يحزنون * } على شيء فات بل هم في أعظم السرور بما{[2969]} لهم من العز والجدة{[2970]} ضد ما للمعتدين من الذل والمسكنة ، وحسن وضع هذه الآية في أثناء قصصهم{[2971]} أنهم كانوا مأمورين بقتل كل ذكر ممن{[2972]} عداهم ، وربما أمروا بقتل النساء أيضاً ، فربما ظنّ من ذلك أن من آمن من غيرهم لا يقبل{[2973]} . قال في التوراة في قصة مدين : وقتلوا كل ذكر فيها ، ثم قال : وغضب موسى فقال لهم : لماذا أبقيتم على الإناث ؟ وهن كنّ عشرة لبني إسرائيل عن قول بلعام ومشورته - يعني بما أفضى إلى الزنا ، ثم قال : وقال الرب لموسى : كلّم بني إسرائيل وقل لهم : أنتم جائزون الأردن لتهلكوا جميع سكان الأرض ونحو هذا مما{[2974]} لعل بعضه أصرح منه وقد ذكر منه في سورة المائدة ، وفي وضعها أيضاً في أثناء قصصهم إشارة إلى تكذيبهم في قولهم :
{ ليس علينا في الأميين سبيل{[2975]} }[ آل عمران : 75 ] وأن المدار في عصمة الدم والمال إنما هو الإيمان والاستقامة وذلك موجود في نص{[2976]} التوراة في غير موضع ، وفيها تهديدهم على المخالفة في ذلك بالذلة والمسكنة ، وسيأتي بعض ذلك عند قوله :
{ لا تعبدون إلاّ الله }[ البقرة : 83 ] الآية{[2977]} ، بل وفيها ما يقتضي المنع{[2978]} من مال المخالف في الدين فإنه قال في وسط السفر الثاني : وإذا لقيت ثور عدوك{[2979]} أو حماره وعليه حمولة فارددها إليه ، وإذا رأيت حمار عدوك جاثماً تحت حمله فهممت أن لا توازره فوازره وساعده .
قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) يبين الله في هذه الآية أن العبرة في الإيمان الصحيح الصادق وليس في الأشكال والمظاهر ، وحقيقة الإيمان المقصود الذي يكون عليه التعويل إنما هو في اليقين بالله وباليوم الآخر ، وتلكان حقيقتان تأتيان في طليعة الكبريات اليقينية التي تقوم عليها عقيدة الإسلام ، ثم يأتي من بعد ذلك العمل الصالح المشروع ، ومن دون ذلك كله لا تكون للإيمان أية قيمة إلا التثبت بالكلام المتحذلق والجدال الذي لا يغني .
يقول سبحانه : إن المؤمنين الصادقين الذين يرضى عنهم ربهم فيجزيهم خير الجزاء هم الصفوة المؤمنة في كل ذات كتاب أو ملة ، سواء في ذلك أمة النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام ، أو أمة كل من اليهود والنصارى والصابئين ، إن الصفوة المؤمنة من كل هاتيك الأمم هي التي لها الحظ الأوفى والتي عليها المعول بغير اعتبار للاسم أو الشكل أو المظهر .
أما الذين آمنوا فهم الذين يصدقون نبوة الرسول محمد عليه السلام ، والذين هادوا هم اليهود ، وسبب التسمية بقوله : ( هادوا ) قيل فيه ثلاثة آراء ، أحدها : أن هادوا فعل ماض والمضارع يهود بمعنى ثاب يثوب ومنه قوله تعالى : ( إنا هدنا إليك ) أي تبنا ورجعنا .
والرأي الثاني : أن الاسم نسبة إلى يهوذا وهو الابن الأكبر ليعقوب عليه السلام أبي اليهود ، والرأي الثالث : أن هادوا من الهوادة وهي اللين والرقة ، لكنني أرجح الرأي الأول القائل بأن هادوا نسبة الى يهوذا الابن الأكبر ، لأن الرأيين الآخرين أساسهما الاشتقاق في العربية مع أن بني إسرائيل ما كانوا يتكلمون العربية في زمانهم بل كانوا ينطقون بلغة التوراة .
ومن جهة أخرى فإن نسبة القولين الأخريين إلى التوبة والهوادة أمر لا يستند الى دليل ، أما ( والنصارى ) فمفردها نصراني ، وسبب التسمية نسبة لقرية الناصرة حيث كان المسيح عليه السلام يقيم ، فسموا بعد ذلك النصارى وقيل غير ذلك .
أما ( والصابئين ) فمفردها الصابىء من الفعل صبأ أو صبو صبأ وصبوء أي خرج ، فالصابىء هو الذي يخرج من دين الى دين آخر ، {[70]} ذلك هو المفهوم اللغوي للكلمة ، لكن الصابئين من حيث حقيقتهم وملتهم فموضع خلاف العلماء ، وخلاصة ما جاء فيهم قولان : الأول : أنهم فرقة من أهل الكتاب تحل ذبائحهم وتنكح نساؤهم والقول الثاني : هو أنهم ليسوا من أهل الكتاب ولكنهم ذوو ملة يختلط فيها التوحيد بالشرك ، فقيل إنهم يعبدون الملائكة أو يعتقدون تأثير النجوم . والراجح عندي أنهم ليسوا من أهل التوحيد ولا من أهل الكتاب وأنهم بذلك مندرجون في أهل الشرك ، فلا تحل ذبائحهم للمسلمين ، ولا تنكح نساؤهم من قبلهم وتصنيف الأمم في هذا الشأن معروف وهي أمم ثلاث : أمة القرآن ثم النصارى ثم اليهود ، فليس من أمة ثالثة بعد هاتين الآخرين تنطبق عليها أحكام أهل الكتاب .
وقوله : ( من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ) من مبني على السكون بدل من الذين قبلها وقد بينا آنفا أن الأهمية والاعتبار إنما يكمنان في اليقين الصحيح والتصديق الأوفى اللذين يقومان على الإيمان بالله ، وهذا الإيمان لهو أبسط الصور اليقينية التي يدركها العقل في غاية اليسر والتي توجبها الفطرة إيجابا لا يقبل الوناء أو التراخي .
وكذلك الإيمان باليوم الآخر وهو شطر أساسي وركين تنهض عليه العقيدة من أول لحظة ، والإيمان باليوم الآخر قضية حاسمة قاطعة لا تحتمل شيئا من مداهنة أو موارية ولكنها يقينية قد نطقت بها الكتب السماوية جميعها وأجمعت عليها كلمة الأنبياء في كل زمان ومكان ، وهي مفرق بفصل بين الحق والباطل أو بين الشك واليقين أو بين الكفر والإيمان ، وهي كذلك حقيقة كبرى تنحسر عن طاقة هائلة من التأثير والفعالية التي تقوم على أساسها شخصية الإنسان ، وتركيبة المجتمع ، وبالتالي فإنها تنحسر عن طاقة ضخمة تتجاوز كل تصور وحسبان من حيث تنمية الإنسان وتكييفه ليجيء على نحو معين من الطابع والسلوك .
ثم يقرن الله سبحانه الإيمان بضرورة العمل الصالح لتكتمل الصورة المطلوبة ، فلا إيمان بغير عمل ، ولا قيمة للعمل إذا لم يسبقه إيمان متوطد يستكن في صميم الإنسان ، حتى إن العمل المطلوب هنا هو المشروط بالصلوح ( وعمل صالحا ) على أن يكون ذلك مشفوعا بالنية التي يتوجه القصد من خلالها إلى الله ، كيلا يختلط العمل بالرياء وهو صورة من صور الشرك .
وهؤلاء المؤمنون على اختلاف أجناسهم وتعدد أعراقهم وقومياتهم فهم عند الله لهم الثواب وحسن الجزاء وهم بذلك مأجورون خيرا . وفوق ذلك فإنهم ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) وقد سبق تفسير هذا القول الكريم وخلاصته أن هؤلاء المؤمنين الذين تجمعهم عقيدة الحق وتؤلف بينهم قاعدة الإيمان لا يخافون كما يخاف الناس ، وذلك في يوم مزلزل مذهل ، وفي ساعة رهيبة حرجة ، يشتد فيها الهول وتخور فيها الهمم والعزائم ، وكذلك فإنهم لا يحزنون لدى مفارقتهم للدنيا حيث الأهل والنسل والمال وحيث العشيرة والصحب والخلان ، ومن شأن المرء أن يحزن إذا أحس بفراق من حوله من خلان وأولي قربى ، وكذلك ما حوله من روابط وعلائق وذكريات تشده الى الديار والأوطان ومسقط الرأس ، شدا لكن أولياء الله المؤمنين لا يحزنون فإنهم مقبلون على الله الكريم المنان الذي يبسط لهم كل العطاء من خير وجنان بما تهون دونه الدنيا كلها وما فيها من ضروب الخير والراحة والمتاع . {[71]}