التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز  
{ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (64)

وقوله : ( ثم توليتم من بعد ذلك ) ما أعجب هؤلاء الناس ، وما أعجب طبائعهم فكم مرة يؤمرون ويعصون ثم يحيق بهم العذاب يهددهم تهديدا حتى إذا انكشف عنهم العذاب عادوا الى الجحود والعصيان ، وعادوا ديدنهم في الفساد والتمرد وذلك في غاية من الميوعة والهزل والتأرجح ، وهذه مرة أخرى من المرات التي يتحدث فيها القرآن عن حمل بني إسرائيل على الطاعة بالقوة والتهديد ، ثم إذا زال عنهم ما يرعبهم ويخوفهم رجعوا إلى المقصود ( ثم توليتم من بعد ذلك ) .

وفوق ذلك كله فإن الله جلت قدرته رحيم بهؤلاء القوم فقد بسط لهم من أهداب الرحمة والمغفرة ما يثير في النفس العجب ، ويرسم للذهن أجلى صورة عن مدى الرحمة التي تتجلى في جلال الله سبحانه ، لا جرم أن رحمة الله تدنو دونها سائر الرحمات ، فقال سبحانه : ( فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ) يمن الله على بني إسرائيل بفضله عليهم ورحمته ، وأنه أولا هذان : الفضل والرحمة لكانوا من الخاسرين ، والفضل هو الإحسان ، والرحمة معروفة فهو سبحانه الرحيم الحنان المنان وهو أرحم الراحمين ، وهو سبحانه لا يدانيه في هذه الخصيصة أي كائن حتى إنه اسمه الرحمن وهو اسم لا يليق أن يكون لأحد سوى الله ، فهو وحده الحقيق بذلك .

وقوله : ( الخاسرين ) من الخسر والخسران والخسار والخسارة والتخسير . وهو ضد الربح وهو يعني الضلال والهلاك ، {[72]} فإنه لولا فضل الله على هؤلاء القوم ورحمته بهم لأصابهم الهلاك على الفور ، ولهبطوا في الضلال دون إنظار أو وناء ، ولكن الله تعالى كان في كل مرة يعصونه فيها يمن عليهم بالفضل والرحمة فيعفو عنهم ويبسط لهم جناح العفو والغفران ليعاودوا السير في ظل الله والالتزام بدينه من جديد ، لكنهم أخيرا أبوا إلا التمرد المكرور الذي لا ينقطع حتى دمر الله عليهم تدميرا فكتب عليهم الذلة والمسكنة ، ومزقهم في الأرض شر ممزق ، وقطعهم في الأرض أشتات أمما .


[72]:المصباح المنير جـ 1 ص 181.