في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (24)

18

ثم يكشف عن علة هذا الموقف المستنكر المتناقض :

( ذلك بأنهم قالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون )

هذا هو السبب في الاعراض عن الاحتكام إلى كتاب الله ؛ والتناقض مع دعوى الإيمان ودعوى أنهم أهل كتاب . . إنه عدم الاعتقاد بجدية الحساب يوم القيامة ، وجدية القسط الإلهي الذي لا يحابي ولا يميل . يتجلىهذا في قولهم :

( لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ) . .

وإلا فلماذا لا تمسهم النار إلا أياما معدودات ؟ لماذا وهم ينحرفون أصلا عن حقيقة الدين وهي الاحتكام في كل شيء إلى كتاب الله ؟ لماذا إذا كانوا يعتقدون حقا بعدل الله ؟ بل إذا كانوا يحسون أصلا بجدية لقاء الله ؟ إنهم لا يقولون إلا افتراء ، ثم يغرهم هذا الافتراء :

( وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ) . .

وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد جدية الاعتقاد بلقاء الله ، والشعور بحقيقة هذا اللقاء ، مع هذا التميع في تصور جزائه وعدله . .

وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد الخوف من الآخرة والحياء من الله ، مع الاعراض عن الاحتكام إلى كتاب الله ، وتحكيمه في كل شأن من شؤون الحياة . .

ومثل أهل الكتاب هؤلاء مثل من يزعمون اليوم أنهم مسلمون . ثم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون . وفيهم من يتبجحون ويتوقحون ، ويزعمون أن حياة الناس دنيا لا دين ! وأن لا ضرورة لإقحام الدين في حياة الناس العملية وارتباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية ، بل العائلية ، ثم يظلون بعد ذلك يزعمون أنهم مسلمون ! ثم يعتقد بعضهم في غرارة بلهاء أن الله لن يعذبهم إلا تطهيرا من المعاصي ، ثم يساقون إلى الجنة ! أليسوا مسلمين ؟ إنه نفس الظن الذي كان يظنه أهل الكتاب هؤلاء ، ونفس الغرور بما افتروه ولا أصل له في الدين . . وهؤلاء وأولئك سواء في تنصلهم من أصل الدين ، وتملصهم من حقيقته التي يرضاها الله : الإسلام . . الاستسلام والطاعة والاتباع . والتلقي من الله وحده في كل شأن من شؤون الحياة :

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (24)

ثم علل اجتراءهم على الله تعالى فقال : { ذلك } أي الإعراض البعيد عن أفعال أهل الكرم المبعد من الله { بأنهم قالوا } كذباً على الله - كما تقدم بيانه في سورة البقرة { لن تمسنا النار إلا أياماً } ولما كان المقام هنا لتناهي اجترائهم على العظائم لاستهانتهم بالعذاب لاستقصارهم لمدته{[15837]} والتصريح بقتل{[15838]} الآمرين بالقسط عامة وبحبوط الأعمال ، {[15839]}وكان{[15840]} جمع{[15841]} القلة قد{[15842]} يستعار{[15843]} للكثرة{[15844]} أكدت إرادتهم حقيقة القلة بجمع{[15845]} آخر للقلة ، فقيل على ما هو الأولى من وصف جمع{[15846]} القلة لما لا يعقل بجمع جبراً له{[15847]} :{ معدودات } وتطاول الزمان وهم على هذا الباطل حتى آنسوا به{[15848]} {[15849]}واطمأنوا إليه لأنه ما كذب أحد بحق إلا عوقب بتصديقه بباطل ، وما ترك قوم سنة إلا أحيوا بدعة ، على أن كذبهم أيضاً جرهم{[15850]} إلى الاستهانة بعذاب الله الذي لا يستهان بشيء منه ولو قل .

ولما نسبوا ذلك إلى الكتاب فجعلوه ديناً قال : { وغرَّهم } قال الحرالي : من الغرور وهو إخفاء الخدعة{[15851]} في صورة النصيحة{[15852]} - انتهى { في دينهم ما كانوا } أي بما هيؤوا له وجبلوا{[15853]} عليه { يفترون * } أي يتعمدون كذبه ، قال الحرالي : فتقابل{[15854]} التعجيبان{[15855]} في ردهم حق الله سبحانه وتعالى وسكونهم إلى باطلهم - انتهى .


[15837]:ن ظ ومد، وفي الأصل: مدته.
[15838]:ن ظ ومد، وفي الأصل: بقبيل.
[15839]:ن ظ، وفي الأصل: ولما كان، وفي مد: فكان.
[15840]:ن ظ، وفي الأصل: ولما كان، وفي مد: فكان.
[15841]:زيد من ظ ومد.
[15842]:زيد من ظ ومد.
[15843]:ن مد، وفي الأصل وظ: تستعار.
[15844]:ي ظ: الكثرة، وفي مد: لكثرة.
[15845]:من ظ ومد، وفي الأصل: بجميع.
[15846]:قط من ظ.
[15847]:قط من ظ.
[15848]:في ظ: منه.
[15849]:ن ظ ومد، وفي الأصل: حبرهم ـ كذا.
[15850]:ي ظ: الجذعة ـ كذا.
[15851]:في ظ: الجذعة ـ كذا.
[15852]:ن ظ ومد، وفي الأصل: النصحة.
[15853]:ن ظ ومد، وفي الأصل: جعلوا.
[15854]:ي ظ: فتقاتل.
[15855]:من ظ ومد، وفي الأصل: التعجب. إن ـ كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (24)

وفي زعمهم الشاذ هذا قال الله جل جلاله : ( ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ) لقد اختلقوا ذلك زورا وافتروا به على الله كذبا واغترارا من عند أنفسهم ، لم ينزل به من الله سلطان إلا تخريص هؤلاء وكذبهم على الله ، فقال سبحانه في ذلك : ( وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ) .