وهذه القوامة على شؤون البشر ، وهذا التدبير لأمرهم بالخير ، ليس إلا طرفا من القوامة الكبرى على شؤون الكون والحياة على الإطلاق :
( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ؛ وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ؛ وترزق من تشاء بغير حساب ) . .
والتعبير التصويري لهذه الحقيقة الكبيرة ، يملأ بها القلب والمشاعر والبصر والحواس : هذه الحركة الخفية المتداخلة . حركة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل ؛ وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي . . الحركة التي تدل على يد الله بلا شبهة ولا جدال ، متى القى القلب إليها انتباهه ، واستمع فيها إلى صوت الفطرة الصادق العميق .
وسواء كان معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل هو أخذ هذا من ذاك وأخذ ذاك من هذا عند دورة الفصول . . أو كان هو دخول هذا في هذا عند دبيب الظلمة ودبيب الضياء في الأمساء والأصباح . . سواء كان هذا أو ذاك فإن القلب يكاد يبصر يد الله وهي تحرك الأفلاك ، وتلف هذه الكرة المعتمة أمام تلك الكرة المضيئة ، وتقلب مواضع الظلمة ومواضع الضياء . . شيئا فشيئا يتسرب غبش الليل إلى وضاءة النهار . وشيئا فشيئا يتنفس الصبح في غيابة الظلام . . شيئا فشيئا يطول الليل وهو يأكل من النهار في مقدم الشتاء . وشيئا فشيئا يطول النهار وهو يسحب من الليل في مقدم الصيف . . وهذه أو تلك حركة لا يدعي الإنسان أنه هو الذي يمسك بخيوطها الخفية الدقيقة ؛ ولا يدعي كذلك عاقل أنها تمضي هكذا مصادفة بلا تدبير !
كذلك الحياة والموت ، يدب أحدهما في الآخر في بطء وتدرج . كل لحظة تمر على الحي يدب فيه الموت إلى جانب الحياة ، ويأكل منه الموت وتبنى فيه الحياة ! خلايا حية منه تموت وتذهب ، وخلايا جديدة فيه تنشأ وتعمل . وما ذهب منه ميتا يعود في دورة أخرى إلى الحياة . وما نشأ فيه حيا يعود في دورة أخرى إلى الموت . . هذا في كيان الحي الواحد . . ثم تتسع الدائرة فيموت الحي كله ، ولكن خلاياه تتحول إلى ذرات تدخل في تركيب آخر ثم تدخل في جسم حي فتدب فيها الحياة . . وهكذا دورة دائبة في كل لحظة من لحظات الليل والنهار . . ولا يدعي الإنسان أنه هو الذي يصنع من هذا كله شيئا . ولا يزعم عاقل كذلك أنها تتم هكذا مصادفة بلا تدبير !
حركة في كيان الكون كله وفي كيان كل حي كذلك . حركة خفية عميقة لطيفة هائلة . تبرزها هذه الإشارة القرآنية القصيرة للقلب البشري والعقل البشري ؛ وهي تشي بيد القادر المبدع اللطيف المدبر . . فأنى يحاول البشر أن ينعزلوا بتدبير شأنهم عن اللطيف المدبر ؟ وأنى يختارون لأنفسهم أنظمة من صنع أهوائهم وهم قطاع من هذا الكون الذي ينظمه الحكيم الخبير
ثم أنى يتخذ بعضهم بعضا عبيدا ، ويتخذ بعضهم بعضا أربابا ، ورزق الجميع بيد الله وكلهم عليه عيال :
( وترزق من تشاء بغير حساب ) . .
إنها اللمسة التي ترد القلب البشري إلى الحقيقة الكبرى . حقيقة الألوهية الواحدة . حقيقة القوامة الواحدة . وحقيقة الفاعلية الواحدة وحقيقة التدبير الواحد . وحقيقة المالكية الواحدة وحقيقة العطاء الواحد . ثم حقيقة أن الدينونة لا تكون إلا لله القيوم ، مالك الملك ، المعز المذل ، المحيي المميت ، المانح المانع ، المدبر لأمر الكون والناس بالقسط والخير على كل حال .
{[16033]}فلما ثبتت{[16034]} خصوصيته سبحانه وتعالى بصفة القدرة على الوجه الأعم ذكر بعض ما تحت ذلك مما لم يدخل شيء منه تحت قدرة غيره فقال : - وقال الحرالي : ولما كانت هذه الآية متضمنة تقلبات نفسانية في العالم القائم الآدمي اتصل بها{[16035]} ذكر تقلبات في العالم الدائر ليؤخذ لكل منها اعتبار من الآخر . ولما ظهر في هذه الآية افتراق في النزع والإيتاء والإعزاز والإذلال أبدى{[16036]} في الآية التالية{[16037]} توالج بعضها في بعض ليؤذن بولوج العز في الذل والذل في العز ، والإيتاء في النزع والنزع في الإيتاء ، وتوالج المفترقات{[16038]} والمتقابلات بعضها في بعض ، ولما كانت هذه السورة{[16039]} متضمنة لبيان الإحكام والتشابه{[16040]} في منزل الكتاب بحكم الفرقان أظهر تعالى في آياتها ما أحكم وبين في خلقه وأمره{[16041]} وما التبس وأولج في خلقه وأمره ، فكان من محكم آية في الكائن القائم الآدمي ما تضمنه{[16042]} إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال ، وكان من الاشتباه إيلاج العز في الذل وإيلاج الذل في العز ، فلما صرح بالإحكام ببيان الطرفين في الكائن القائم{[16043]} الآدمي ، وضمن الخطاب اشتباهه في ذكر العز والذل صرح به في آية الكون الدائر ، فذكر آية الآفاق وهو الليل والنهار بما يعاين فيها من التوالج حيث ظهر ذلك فيها وخفي في توالج أحوال الكائن القائم ، لأن الإحكام والاشتباه متراد بين الآيتين : آية الكائن القائم الآدمي وآية الكون الدائر العرشي ، فما وقع اشتباهه في أحدهما ظهر إحكامه في الآخر{[16044]} فقال سبحانه وتعالى : { تولج } من الولوج ، وهو الدخول في الشيء الساتر لجملة الداخل { الَّيل في النهار } فيه تفصيل من مضاء قدرته ، فهو سبحانه وتعالى يجعل كل واحد من المتقابلين بطانة للآخر والجاً فيه على وجه لا يصل إليه{[16045]} منال{[16046]} العقول{[16047]} لما في المعقول{[16048]} من افتراق المتقابلات ، فكان في القدرة إيلاج المتقابلات بعضها في بعض وإيداع بعضها في بعض على وجه لا{[16049]} يتكيف بمعقول{[16050]} ولا ينال بفكر - انتهى .
{ وتولج النهار في اللَّيل } أي تدخل{[16051]} كلاً منهما في الآخر بعد ظهوره حتى يذهب فيه فيخفى ولا يبقى له أثر . قال الحرالي : ولما جعل المتعاقبين من{[16052]} الليل والنهار متوالجين جعل المتباطنين من الحي والميت مخرجين ، فما{[16053]} ظهر فيه الموت بطنت فيه الحياة ، وما ظهرت فيه الحياة بطن فيه الموت ؛ انتهى .
فقال سبحانه وتعالى : { وتخرج الحي } أي من النبات والحيوان { من الميت } منهما{[16054]} { وتخرج الميت } منهما{[16055]} { من الحي } منهما كذلك .
قال الحرالي : فهذه سنة الله سبحانه وتعالى وحكمته في الكائن القائم وفي الكون الدائر ، فأما في الكون الدائر فبإخراج حي الشجر{[16056]} والنجم من موات{[16057]} البذر{[16058]} والعجم ، وبظهوره في العيان كان أحكم في البيان مما{[16059]} يقع في الكائن القائم ، كذلك{[16060]} الكائن القائم يخرج الحي المؤمن الموقن من الميت الكافر الجاهل وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه{[16061]} }[ التوبة : 14 ] ويخرج الكافر الآبي من المؤمن الراحم{ يا نوح إنه ليس من أهلك{[16062]} }[ هود : 46 ] أظهر سبحانه وتعالى بذلك وجوه{[16063]} الإحكام والاشتباه في آيتي خلقه ليكون ذلك آية على ما في أمره ، وليشف ذلك عما يظهر من أمر علمه وقدرته على من{[16064]} شاء من عباده كما أظهر في ملائكته وأنيبائه ، وكما خصص بما شاء من إظهار عظيم أمره في المثلين الأعظمين{[16065]} : مثل آدم وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، فأنزلت هذه السورة لبيان الأمر فيما اشتبه على من التبس{[16066]} عليه أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، فهو تعالى أظهر من موات الإنسانية ما شاء من الإحياء بإذنه ، وأظهر في آدم عليه الصلاة والسلام ما شاء من علمه حين علم آدم الأسماء كلها ، كذلك{[16067]} أظهر في عيسى عليه الصلاة والسلام ما شاء من قدرته كما أظهر في الخلق ما شاء من ملكه ، فملك من شاء ونزع الملك ممن{[16068]} شاء ، وأعز من شاء وأذل من شاء ، وأظهر بالنهار ما شاء وطمس{[16069]} بالليل ما شاء ، وأولج المتقابلين بعضهما في بعض وأخرج المتباطنين بعضهما من بعض - انتهى .
ولما بدأ الآية سبحانه وتعالى مما يقتضي الترغيب بما هو محط{[16070]} أحوال الأنفس من الملك وأنواع الخير ختمها بمثل ذلك مما لا يقوم الملك ولا يطيب العيش إلا به فقال{[16071]} : { وترزق من تشاء } قوياً كان أو ضعيفاً { بغير حساب * } أي تعطيه عطاء واسعاً جداً متصلاً من غير تضييق ولا عسر ، كما فعل بأول هذه الأمة على ما كانوا فيه من القلة والضعف حيث أباد بهم{[16072]} الأكاسرة والقياصرة{[16073]} وآتاهم{[16074]} كنوزهم وأخدمهم{[16075]} أبناءهم وأحلهم ديارهم . وقال الحرالي : ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا{[16076]} الإحكام والاشتباه في أمر العلية من الخلق أهل شرف الملك وأهل عزة{[16077]} الدين ختم الخطاب بأمر الرزق {[16078]} الذي هو تتمة الخلق ، وفيه من الإحكام والاشتباه نحو ما في الإيتاء والنزع ولما فيه من الوزن والإيتاء بقدر ختم بأعزيه{[16079]} وهو الإرزاق الذي لا يقع{[16080]} على وزن ولا يكون بحساب ، وفيه إشعار بالإرزاق الختمي الذي يكون في آخر اليوم المحمدي للذين يؤتيهم الله سبحانه وتعالى ما شاء من ملكه وعزه وسعة رزقه بغير حساب ، فكما ختم الملك لبني إسرائيل بملك سليمان عليه الصلاة والسلام في قوله سبحانه وتعالى{ هذا عطاؤنا{[16081]} فامنن أو أمسك بغير حساب{[16082]} }[ ص : 39 ] كذلك{[16083]} يختم لهذه الأمة بأن يرزقهم بغير حساب حين تلقي الأرض بركاتها{[16084]} وتتطهر من فتنتها ، فتقع المكنة{[16085]} في ختم اليوم المحمدي بالهداية والهدنة{[16086]} كما انقضت لبني إسرائيل بالملك والقوة - انتهى .
قوله : ( تولج الليل في النهار ) الولوج بمعنى الدخول{[440]} والمراد في هذه الآية أن الله يأخذ من ساعات الليل فيجعلها في ساعات النهار فيكون الليل بذلك قصيرا ويجعل ذلك القدر الزائد داخلا في النهار . وتارة على العكس من ذلك . وهو أن الله يأخذ من ساعات النهار فيجعلها في ساعات الليل فيكون النهار بذلك قصيرا . أي أنه يزيد في ساعات الليل ما نقصه من ساعات النهار . وفي جملة ذلك يقول ابن عباس رضي الله عنهما : ما نقص من النهار يجعله في الليل وما نقص من الليل يجعله في النهار .
قوله : ( وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ) لمعرفة تأويل ذلك نقول : هل الحياة والموت في هذه الآية على الحقيقة أو من باب الاستعارة ؟
فإن كان ذلك على الحقيقة فمثاله : إخراج السنبلة من الحبة وبالعكس ، وكذا النخلة من النواة وبالعكس ، وكذا الحيوان من النطفة وبالعكس .
وإن كان ذلك من باب الاستعارة فمثاله : يخرج المؤمن من الكافر ، كإبراهيم من أبيه المشرك آزر . والكافر من المؤمن ، مثل كنعان المشرك من أبيه نوح عليه السلام . أو يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس . فقد ذكر أن الكلمة محتملة للكل ، أما الكفر والإيمان فقال تعالى : ( أو من كان ميتا فأحييناه ) يريد أنه كان كافرا فهديناه فجعل الموت كفرا والحياة إيمانا ، وسمي إخراج النبات من الأرض إحياء بعد أن كانت قبل ذلك ميتة فقال : ( يحيي الأرض بعد موتها ) وقال : ( فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها ) .
وقوله : ( وترزق من تشاء بغير حساب ) جاء في تأويل ذلك : إن الله تعالى يعطي من يشاء من خلقه فيجود عليه بغير محاسبة منه لمن أعطاه ؛ لأنه لا يخاف دخول انتقاص في خزائنه ولا الفناء على ما بيده . وقيل : يعطي من يشاء ما يشاء لا يحاسبه على ذلك أحد ؛ إذ ليس فوقه ملك يحاسبه ، بل هو الملك يعطي من يشاء بغير حساب ، وقيل : ترزق من تشاء غير مقدور ولا محدود ، بل تبسطه له وتوسعه عليه ، كما يقال : فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه بالكثرة{[441]} .