في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ} (40)

33

ولقد كانت الاستجابة مفاجأة لزكريا نفسه - وهل زكريا إلا إنسان على كل حال - واشتاق أن يعرف من ربه كيف تقع هذه الخارقة بالقياس إلى مألوف البشر ؟

( قال : رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ؟ ) . .

وجاءه الجواب . . جاءه في بساطة ويسر . يرد الأمر إلى نصابه . ويرده إلى حقيقته التي لا عسر في فهمها ، ولا غرابة في كونها :

( قال : كذلك الله يفعل ما يشاء ) . .

كذلك ! فالأمر مألوف مكرور معاد حين يرد إلى مشيئة الله وفعله الذي يتم دائما على هذا النحو ؛ ولكن الناس لا يتفكرون في الطريقة ، ولا يتدبرون الصنعة ، ولا يستحضرون الحقيقة !

كذلك . بهذا اليسر . وبهذه الطلاقة . يفعل الله ما يشاء . . فماذا في أن يهب لزكريا غلاما وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر ؟ إنما هذه مألوفات البشر التي يقررون قواعدهم عليها ، ويتخذون منها قانونا ! فأما بالقياس إلى الله ، فلا مألوف ولا غريب . . كل شيء مرده إلى توجه المشيئة ، والمشيئة مطلقة من كل القيود !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ} (40)

فكأنه قيل : فما قال حين أجابه ربه سبحانه وتعالى ؟ فقيل : { قال } يستثبت بذلك{[16608]} ما{[16609]} يزيده طمأنينة{[16610]} ويقيناً وسكينة{[16611]} { رب } أي{[16612]} أيها المحسن إلي .

ولما كان مطلوبه ولداً يقوم مقامه فيما هو فيه{[16613]} من النبوة التي لا يطيقها إلا الذكور{[16614]} الأقوياء الكملة{[16615]} ، وكانت {[16616]}العادة قاضية بأن ولد الشيخ يكون ضعيفاً لا سيما إن كان حرثه مع الطعن في السن في أصله غير قابل للزرع أحب أن يصرح له بمطلوبه فقال : { أنّى } أي كيف ومن أين { يكون لي } وعبر بما تدور مادته على الغلبة والقوة زيادة في الكشف فقال : { غلام } وفي{[16617]} تعبيره به في سياق الحصور{[16618]} دليل على أنه في غاية ما يكون من صحة الجسم وقوته اللازم منه شدة الداعية إلى النكاح ، وهو مع ذلك يمنع نفسه منه{[16619]} منعاً زائداً على الحد ، لما عنده من غلبة الشهود اللازم منه {[16620]}الإقبال على العبادة{[16621]} بكليته والإعراض عن كل ما يشغل عنها جملة لا سيما النكاح ، بحيث يظن{[16622]} أنه لا إرب له فيه ، وهذا موافق للتعبير الأول للحصور في القاموس ، وهو الذي ينبغي ألا{[16623]} يعرج على غيره لأنه بناء مبالغة من متعد ، ولأنه أمدح له صلى الله عليه وسلم ، ومهما دار الشيء على صفة الكمال في الأنبياء عليهم السلام وجب أن لا يعدل عنه ، وما ورد{[16624]} - كما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة مريم عليها السلام - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

" ذكره مثل هذه{[16625]} القذاة " فقد ضعفوه ، وعلى تقدير صحته{[16626]} فيكون ذلك إخباراً{[16627]} عن أنه لما أعرض عنه رأساً ضعف ما معه لذلك ، فهو إخبار عن آخر أمره الذي أدت إليه عزيمته ، والآية مشيرة إلى ما اقتضته خلقته وغريزته وإن كان الجمع لكمال{[16628]} الوجود الإنساني بالنكاح أكمل كما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم ويقع لعيسى عليه السلام بعد نزوله { وقد } أي والحال أنه قد { بلغني الكبر } إلى حد لا يولد فيه عادة { وامرأتى عاقر } قال الحرالي : من العقر وهو البلوغ إلى حد انقطاع النسل هرماً{[16629]} - انتهى ؛ كذا قال ، وآية سورة مريم تدل{[16630]} على أن المعنى أنها لم تزل عقيماً ، وعليه يدل كلام أهل اللغة ، قال في القاموس في الراء{[16631]} : العقرة وتضم{[16632]} : العقم ، وقد عُقرت كعُنى{[16633]} فهي عاقر{[16634]} ، ورجل عاقر وعقير : لا يولد له ولد{[16635]} ، والعُقَرة{[16636]} كهمزة : خرزة تحملها المرأة لئلا تلد ، وقال في الميم : العقم بالضم : هزمة تقع في الرحم فلا تقبل{[16637]} الولد ، عقمت كفرح ونصر{[16638]} وكرم{[16639]} وعُنى ، ورحم{[16640]} عقيم وامرأة عقيم ورجل عقيم{[16641]} : لا يولد له ، وقال الإمامان أبو عبد الله القزاز في ديوانه وعبد الحق في واعيه : والعقر بضم العين وسكون القاف مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا كبر ، يقال : امرأة عاقر ، وبها عقر ، سميت بذلك كأن في رحمها عقرا يمنعها من الولادة ، وقال الإمام{[16642]} أبو غالب{[16643]} " ابن التياني{[16644]} " في كتابه الموعب{[16645]} صاحب [ تلقيح ] العين{[16646]} : العقر مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل{[16647]} من غير داء ولا كبر ، لكن خلقة ، ثم قال{[16648]} وتعقرت : إذا ولدت ثم أمسكت - والله الموفق .

ثم وصل به قوله : { قال كذلك } أي مثل هذا الفعل الجليل البعيد{[16649]} الرتبة . ولما كان استنباؤه عن القوة والكمال لا عن الخلق عبر سبحانه في تعليل ذلك بالفعل بخلاف ما يأتي في قصة مريم عليها السلام فقال : { الله يفعل ما يشاء * } لأنه المحيط بكل شيء قدرة وعلماً .


[16608]:ن ظ، وفي الأصل ومد: ذلك.
[16609]:ي الأصول: بما.
[16610]:ي ظ: وتعينا ويعينه، وفي مد: وقببا وسكينة ـ كذا.
[16611]:في ظ: وتعينا ويعينه، وفي مد: وقببا وسكينة ـ كذا.
[16612]:قط من ظ، وزيد قبله في مد: إني.
[16613]:يد من ظ ومد.
[16614]:يدت الواو بعده في ظ.
[16615]:قط من ظ، وفي مد: الكلمة.
[16616]:من هنا إلى "لأنه وقت" ص 317 أسسنا المتن على ظ لكون الأصل في غاية الانطماس.
[16617]:قط من مد.
[16618]:ن مد، وفي ظ: المحصور.
[16619]:يد من مد.
[16620]:ن مد، وفي ظ: عن.
[16621]:ن مد، وفي ظ: العادة.
[16622]:سقط من مد.
[16623]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[16624]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[16625]:ن مد، وفي ظ: هذا.
[16626]:ن مد، وفي ظ: صحبته.
[16627]:ن مد، وفي ظ: أجنادا.
[16628]:ن مد وفي ظ: بكماله.
[16629]:ن مد، وفي ظ: منها.
[16630]:ن مد، وفي ظ: فدل.
[16631]:ن مد، وفي ظ: الزاء.
[16632]:ن القاموس، وفي ظ: بضم، وفي مد: يضم.
[16633]:ن القاموس، وفي ظ ومد: يعنى.
[16634]:ن القاموس ومد، وفي ظ: فهو.
[16635]:يد من القاموس.
[16636]:ن القاموس، وفي ظ ومد: كثمرة جوزه.
[16637]:ن القاموس، وفي ظ ومد: يقبل.
[16638]:ي مد: عقم.
[16639]:ن القاموس ومد، وفي ظ: يصر.
[16640]:ن القاموس ومد، وفي ظ: غير ودحم ـ كذا.
[16641]:يد من اللسان ومد.
[16642]:يد من مد.
[16643]:ن معجم المؤلفين 3/92، وفي ظ: المتاني ـ كذا، وفي مد: ابن التباني.
[16644]:من معجم المؤلفين 3/92، وفي ظ: المتاني ـ كذا، وفي مد: ابن التباني.
[16645]:ن مد والمعجم، وفي ظ: الموجب.
[16646]:أي صاحب تلقيح العين، كما في المعجم وكشف الظنون.
[16647]:يد بعدخ في ظ: من النساء، ولم تكن الزيادة في مد فحذفناها.
[16648]:زيد من مد.
[16649]:من مد، وفي ظ: العد ـ كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ} (40)

قوله تعالى : ( قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ) قال زكريا بعد أن بشرته الملائكة بيحيى : أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ؟ يعني من بلغ من السن ما بلغت كيف يؤتى الولد ؟ وكذلك فإن امرأتي عاقر . والعاقر من النساء التي لا تلد .

قوله : ( كذلك الله يفعل ما يشاء ) أي أنه هين على الله أن يخلق ولدا من الكبير الذي يئس من الولد ، ومن العاقر التي لا يرجى منها الولد ولا الولادة ؛ لأن الله لا يمتنع عليه فعل شيء شاءه ؛ لأن قدرته لا تشبهها قدرة .