في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا} (130)

فأما حين تجف القلوب ، فلا تطيق هذه الصلة ؛ ولا يبقى في نفوس الزوجين ما تستقيم معه الحياة ، فالتفرق إذن خير . لأن الإسلام لا يمسك الأزواج بالسلاسل والحبال ، ولا بالقيود والأغلال ؛ إنما يمسكهم بالمودة والرحمة ؛ أو بالواجب والتجمل . فإذا بلغ الحال أن لا تبلغ هذه الوسائل كلها علاج القلوب المتنافرة ، فإنه لا يحكم عليها أن تقيم في سجن من الكراهية والنفرة ؛ أو في رباط ظاهري وانفصام حقيقي !

( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته . وكان الله واسعا حكيمًا ) . .

فالله يعد كلا منهما أن يغنيه من فضله هو ، ومما عنده هو ؛ وهو - سبحانه - يسع عباده ويوسع عليهم بما يشاء في حدود حكمته وعلمه بما يصلح لكل حال .

إن دراسة هذا المنهج ، وهو يعالج مشاعر النفوس ، وكوامن الطباع ، وأوضاع الحياة في واقعيتها الكلية . . تكشف عن عجب لا ينقضي ، من تنكر الناس لهذا المنهج . . هذا المنهج الميسر ، الموضوع للبشر ، الذي يقود خطاهم من السفح الهابط ، في المرتقى الصاعد ، إلى القمة السامقة ؛ وفق فطرتهم واستعدادتهم ؛ ولا يفرض عليهم أمرا من الارتفاع والتسامي ، إلا وله وتر في فطرتهم يوقع عليه ؛ وله استعداد في طبيعتهم يستجيشه ؛ وله جذر في تكوينهم يستنبته . . ثم هو يبلغ بهم - بعد هذا كله - إلى ما لا يبلغه بهم منهج آخر . . في واقعية مثالية . أو مثالية واقعية . . هي صورة طبق الأصل من تكوين هذا الكائن الفريد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا} (130)

ولما كان من الإصلاح المعاشرة بالمعروف ، ذكر قسيمه{[22939]} فقال : { وإن يتفرقا } أي يفترق كل من الزوجين من صاحبه { يغن الله } أي الذي له صفات الكمال{[22940]} { كلاًّ } أي منهما ، أي يجعله غنياً هذه برجل وهذا بامرأة أو بغير ذلك من لطفه ، وبين منشأ هذا الغني فقال{[22941]} : { من سعته } أي من شمول قدرته وغير ذلك من كل صفة كمال ، ولمزيد الاعتناء بتقرير هذه المعاني في النفوس لإحضارها{[22942]} الشح ، كرر اسمه الأعظم الجامع فقال : { وكان الله } أي ذو{[22943]} الجلال والإكرام أزلاً وأبداً { واسعاً } أي محيطاً{[22944]} بكل شيء { حكيماً * } أي يضع الأشياء في أقوم محالها .


[22939]:العبارة من هنا إلى "صفة كمال" سقطت من ظ.
[22940]:من مد، وفي الأصل: قال.
[22941]:في ظ: لإحضار.
[22942]:في ظ: ذي.
[22943]:من ظ ومد، وفي الأصل: محيط.
[22944]:في ظ: محلها.