في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا} (134)

ويختم هذا التعقيب بتوجيه القلوب الطامعة في الدنيا وحدها ، إلى أن فضل الله أوسع . . فعنده ثواب الدنيا والآخرة . . وفي استطاعة الذين يقصرون همهم على الدنيا ، أن يتطلعوا بأنظارهم وراءها ؛ وأن يأملوا في خير الدنيا وخير الآخرة .

( من كان يريد ثواب الدنيا ، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة . . وكان الله سميعا بصيرًا )

وإنه ليكون من الحمق ، كما يكون من سقوط الهمة ، أن يملك الإنسان التطلع إلى الدنيا والآخرة معا ؛ وإلى ثواب الدنيا وثواب الآخرة جميعا - وهذا ما يكفله المنهج الإسلامي المتكامل الواقعي المثالي - ثم يكتفي بطلب الدنيا ، ويضع فيها همه ؛ ويعيش كالحيوان والدواب والهوام ؛ بينما هو يملك أن يعيش كالإنسان ! قدم تدب على الأرض وروح ترف في السماء . وكيان يتحرك وفق قوانين هذه الأرض ؛ ويملك في الوقت ذاته أن يعيش مع الملأ الأعلى !

وأخيرا فإن هذه التعقيبات المتنوعة - كما تدل على الصلة الوثيقة بين الأحكام الجزئية في شريعة الله والمنهج الكلي للحياة - تدل في الوقت ذاته على خطورة شأن الأسرة في حساب الإسلام . حتى ليربطها بهذه الشؤون الكبرى ؛ ويعقب عليها بوصية التقوى الشاملة للأديان جميعا ؛ وإلا فالله قادر على أن يذهب بالناس ويأتي بغيرهم يتبعون وصيته ؛ ويقيمون شريعته . . وهو تعقيب خطير . يدل على أن أمر الأسرة كذلك خطير في حساب الله . وفي منهجه للحياة . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا} (134)

ولما كان في هذا تهديد بليغ وتعريف بسعة الملك وكمال التصرف ، وكان مدار أحوال المتشاححين في الإرث وحقوق الأزواج وغيرها الأمرَ الدنيوي ، وكان سبحانه وتعالى قد بين فيما مضى أن مبنى أحوال المنافقين على طلب العرض{[22975]} الفاني خصوصاً قصة طعمة بن أبيرق الراضي لنفسه بالفضيحة في نيل شيء تافه ؛ قال تعالى تفييلاً لآرائهم وتخسيساً{[22976]} لهممهم حيث نزلوا {[22977]}إلى الأدنى{[22978]} مع القوة على طلب الأعلى مع طلب الأدنى أيضاً منه تعالى ، فلا يفوتهم شيء من معوّلهم مع إحراز الأنفس : { ما كان يريد ثواب الدنيا } لقصور نظره على المحسوس الحاضر مع خسته كالبهائم { فعند } أي فليقبل إلى الله فإنه عند { الله } أي الذي له الكمال المطلق { ثواب الدنيا } الخسيسة الفانية { والآخرة } أي النفسية{[22979]} الباقية فليطلبها منه ، فإنه يعطي من أراد ما شاء ، ومن علت همته عن ذلك فأقبل بقلبه إليه وقصر همه عليه فلم يطلب إلا الباقي جمع سبحانه وتعالى له بينهما ، كمن{[22980]} يجاهد الله خالصاً ، فإنه يجمع له بين الأجر والمغنم ، وما{[22981]} أشد التئامها{[22982]} مع ذلك بما قبلها ، لأن من كان تام القدرة واسع الملك كان كذلك{[22983]} .

ولما كان الناشيء عن الإرادة إما قولاً أو فعلاً ، وكان الفعل قد يكون قلبياً قال : { وكان الله } أي المختص بجميع صفات الكمال { سميعاً } أي بالغ السمع لكل{[22984]} قول وإن خفي ، نفسياً كان أو لسانياً { بصيراً * } أي بالغ البصر لكل ما يمكن أن يبصر من الأفعال ، والعلم بكل ما يبصر وما لا يبصر منها ومن غيرها ، فيكون من البصر ومن البصيرة ، فليراقبه العبد قولاً وفعلاً .


[22975]:من ظ ومد، وفي الأصل: الغرض.
[22976]:من مد، وفي الأصل وظ: تحسينا.
[22977]:في ظ: با الأدنى ـ كذا.
[22978]:في ظ: با الأدنى ـ كذا.
[22979]:سقط من ظ.
[22980]:من مد، وفي الأصل وظ: لمن.
[22981]:في ظ: اشتد التامها ـ كذا.
[22982]:في ظ: اشتد التامها ـ كذا.
[22983]:في ظ: لذلك.
[22984]:في ظ: بكل.