في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (146)

135

ثم يفتح لهم - بعد هذا المشهد المفزع - باب النجاة . . باب التوبة لمن أراد النجاة :

( إلا الذين تابوا وأصلحوا ، واعتصموا بالله ، وأخلصوا دينهم لله . فأولئك مع المؤمنين . وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيمًا ) . .

وفي مواضع أخرى كان يكتفي بأن يقول : ( إلا الذين تابوا وأصلحوا ) . . فالتوبة والإصلاح يتضمنان الاعتصام بالله ، وإخلاص الدين لله . ولكنه هنا ينص على الاعتصام بالله ، وإخلاص الدين لله . لأنه يواجه نفوسا تذبذبت ، ونافقت ، وتولت غير الله . فناسب أن ينص عند ذكر التوبة والإصلاح ، على التجرد لله ، والاعتصام به وحده ؛ وخلاص هذه النفوس من تلك المشاعر المذبذبة ، وتلك الأخلاق المخلخلة . . ليكون في الاعتصام بالله وحده قوة وتماسك ، وفي الإخلاص لله وحده خلوص وتجرد . .

بذلك تخف تلك الثقلة التي تهبط بالمنافقين في الحياة الدنيا إلى اللصوق بالأرض ، وتهبط بهم في الحياة الآخرة إلى الدرك الأسفل من النار .

وبذلك يرتفع التائبون منهم إلى مصاف المؤمنين ؛ المعتزين بعزة الله وحده . المستعلين بالإيمان . المنطلقين من ثقلة الأرض بقوة الإيمان . . وجزاء المؤمنين - ومن معهم - معروف :

وبهذه اللمسات المنوعة ، يكشف حقيقة المنافقين في المجتمع المسلم ، ويقلل من شأنهم ؛ وينبه المؤمنين إلى مزالق النفاق ، ويحذرهم مصيره . ويفتح باب التوبة للمنافقين ؛ ليحاول من فيه منهم خير ، أن يخلص نفسه ، وينضم إلى الصف المسلم في صدق وفي حرارة وفي إخلاص . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (146)

ولما كان فيما تقدم أن الغفران للكافر - أعم من أن يكون منافقاً أولاً - متعذر{[23116]} ، وأتبعه {[23117]}ما لاءمه{[23118]} إلى أن{[23119]} ختم بما دل على أن النفاق أغلظ أنواع الكفر استثنى منه دلالة على أن غيره من الكفرة في هذا الاستثناء أولى ، تنبيهاً على أن ذلك النفي المبالغ فيه إنما هو لمن مات على ذلك ، ولكنه سيق على ذلك الوجه تهويلاً لما ذكره في حيزه وتنفيراً منه فقال تعالى : { إلا الذين تابوا } أي رجعوا عما كانوا عليه من النفاق بالندم والإقلاع { وأصلحوا } {[23120]}أي أعمالهم الظاهرة من الصلاة التي كانوا{[23121]} يراؤون فيها وغيرها بالإقلاع عن النفاق { واعتصموا بالله } أي اجتهدوا في أن تكون عصمتهم - أي ارتباطهم - بالملك الأعظم في عدم العود إلى ما كانوا عليه .

ولما كان الإقلاع عن النفاق الذي من أنواعه الرياء - أصلاً ورأساً في غاية العسر قال حثاً على مجاهدة النفس فيه : { وأخلصوا دينهم } أي كله{[23122]} { لله } أي الذي له الكمال كله ، فلم يريدوا بشيء من عبادتهم{[23123]} غير وجهه لا رياء ولا غيره { فأولئك } أي العالو الرتبة { مع المؤمنين } أي الذي صار الإيمان لهم وصفاً راسخاً في الجنة ، وإن عذبوا على معاصيهم ففي الطبقة العليا من النار { وسوف يؤت الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً { المؤمنين } أي بوعد لا خلف فيه وإن أصابهم قبل ذلك ما أصابهم وإن طال عذابهم ، تهذيباً لهم من المعاصي بما أشار إليه لفظ " سوف " { أجراً عظيماً * } أي بالخلود في الجنة التي لا ينقضي{[23124]} نعيمها ، ولا يتكدر يوماً نزيلها ، فيشاركهم من كان معهم ، لأنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم .


[23116]:في الأصول: متعذرا ـ كذا.
[23117]:في ظ: ملايمة ـ كذا.
[23118]:في ظ: ملايمة ـ كذا.
[23119]:سقط من ظ.
[23120]:العبارة من هنا إلى "بالإقلاع عن " ساقطة من ظ.
[23121]:زيد من مد.
[23122]:من ظ ومد، وفي الأصل: كلهم.
[23123]:من ظ ومد، وفي الأصل: عبادته.
[23124]:في ظ: لا ينقض.