في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (16)

( يهدي به الله - من اتبع رضوانه - سبل السلام . ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ، ويهديهم إلى صراط مستقيم ) .

لقد رضي الله الإسلام دينا . . وهو يهدي من يتبع رضوانه هذا ويرتضيه لنفسه كما رضيه الله له . . يهديه . . ( سبل السلام ) . .

وما أدق هذا التعبير وأصدقه ؛ إنه " السلام " هو ما يسكبه هذا الدين في الحياة كلها . . سلام الفرد . وسلام الجماعة . وسلام العالم . . سلام الضمير ، وسلام العقل ، وسلام الجوارح . . سلام البيت والأسرة ، وسلام المجتمع والأمة ، وسلام البشر والإنسانية . . السلام مع الحياة . والسلام مع الكون . والسلام مع الله رب الكون والحياة . . السلام الذي لا تجده البشرية - ولم تجده يوما - إلا في هذا الدين ؛ وإلا في منهجه ونظامه وشريعته ، ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته .

حقا إن الله يهدي بهذا الدين الذي رضيه ، من يتبع رضوان الله ، ( سبل السلام ) . . سبل السلام كلها في هذه الجوانب جميعها . . ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق سبل الحرب في الجاهليات القديمة أو الحديثة . . ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق حرب القلق الناشى ء من عقائد الجاهلية في أعماق الضمير . وحرب القلق الناشى ء من شرائع الجاهلية وأنظمتها وتخبطها في أوضاع الحياة . وقد كان المخاطبون بهذه الكلمات أول مرة يعرفون من تجربتهم في الجاهلية معنى هذا السلام . إذ كانوا يذوقونه مذاقا شخصيا ؛ ويلتذون هذا المذاق المريح . .

وما أحوجنا نحن الآن أن ندرك هذه الحقيقة ؛ والجاهلية من حولنا ومن بيننا تذيق البشرية الويلات . . من كل ألوان الحرب في الضمائر والمجتمعات قرونا بعد قرون !

ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخنا ؛ ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبنا ، وتحطم أخلاقنا وسلوكنا ، وتحطم مجتمعاتنا وشعوبنا . . بينما نملك الدخول في السلم التي منحها الله لنا ؛ حين نتبع رضوانه ؛ ونرضى لأنفسنا ما رضيه الله لنا

إننا نعاني من ويلات الجاهلية ؛ والإسلام منا قريب . ونعاني من حرب الجاهلية وسلام الإسلام في متناول أيدينا لو نشاء . . فأية صفقة خاسرة هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدني بالذي هو خير ؟ ونشتري فيها الضلالة بالهدى ؟ ونؤثر فيها الحرب على السلام ؟

إننا نملك إنقاذ البشرية من ويلات الجاهلية وحربها المشبوبة في شتى الصور والألوان . ولكننا لا نملك إنقاذ البشرية ، قبل أن ننقذ نحن أنفسنا ، وقبل أن نفيء إلى ظلال السلام ، حين نفيء إلى رضوان الله ونتبع ما ارتضاه . فنكون من هؤلاء الذين يقول الله عنهم إنه يهديهم سبل السلام .

( ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ) . .

والجاهلية كلها ظلمات . . ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات . وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه . وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنوس . وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين . والنور هو النور . . هو ذلك النور الذي تحدثنا عنه آنفا في الضمير وفي العقل وفي الكيان وفي الحياة وفي الأمور . .

( يهديهم إلى صراط مستقيم . . )

مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها التي تحكمها . مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه التي تصرفه . مستقيم إلى الله لا يلتوي ولا تلتبس فيه الحقائق والاتجاهات والغايات . .

إن الله الذي خلق الإنسان وفطرته ؛ وخلق الكون ونواميسه ؛ هو الذي وضع للإنسان هذا المنهج ؛ وهو الذي رضي للمؤمنين هذا الدين . فطبيعي وبديهي أن يهديهم هذا المنهج إلى الصراط المستقيم ، حيث لا يهديهم منهج غيره من صنع البشر العاجزين الجهال الفانين !

وصدق الله العظيم . الغني عن العالمين . الذي لا يناله من هداهم أو ضلالهم شيء ولكنه بهم رحيم !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (16)

ولما كانت هدايته مشروطة بشرط صلاح الجبلة ، بين ذلك بقوله واصفاً له : { يهدي به } أي الكتاب { الله } أي الملك الأعظم القادر على التصرف في البواطن والظواهر { من اتبع } أي كلف نفسه وأجهدها في الخلاص من أسر الهوى{[24808]} بأن تبع{[24809]} { رضوانه } أي غاية ما يرضيه من الإيمان والعمل الصالح ، ومعلوم أن ذلك لا يكون إلا بتوفيقه ، ثم ذكر مفعول { يهدي } فقال : { سبل } أي طرق{[24810]} { السلام } أي الله ، باتباع شرائع دينه والعافية والسلامة من كل مكروه { وخرجهم من الظلمات } أي كدورات النفوس والأهواء والوساوس الشيطانية { إلى النور } أي الذي دعا إليه العقل{[24811]} فيصيروا عاملين بأحسن الأعمال كما يقتضيه اختيار من هو في النور { بإذنه } أي بتمكينه .

ولما كان من{[24812]} في النور قد يغيب عنه غرضه الأعظم فلا ينظره{[24813]} لغيبته عنه ببعده منه ، وتكثر{[24814]} عليه الأسباب فلا يدري أيها يوصل أو يقرب إيصاله ويسهل أمره ، قال كافلاً لهم بالنور مريحاً من تعب السير : { ويهديهم } أي بما له من إحاطة العلم والقدرة { إلى صراط مستقيم * } أي طريق موصل إلى الغرض من غير عوج أصلاً ، وهو الدين الحق ، وذلك مقتض للتقرب{[24815]} المستلزم لسرعة الوصول .


[24808]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24809]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24810]:من ظ، وفي الأصل: طريق.
[24811]:سقط من ظ.
[24812]:سقط من ظ.
[24813]:في ظ: فلا ينظر.
[24814]:في ظ: يكثر.
[24815]:في ظ: للقرب.