في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (34)

27

فإذا ارتدع هؤلاء الخارجون المفسدون عن غيهم وفسادهم ، نتيجة استشعارهم نكارة الجريمة ، وتوبة منهم إلى الله ورجوعا إلى طريقه المستقيم - وهم ما يزالون في قوتهم ، لم تنلهم يد السلطان - سقطت جريمتهم وعقوبتها معا ، ولم يعد للسلطان عليهم من سبيل ، وكان الله غفورا لهم رحيما بهم في الحساب الأخير :

( إلا الذين تابوا - من قبل أن تقدروا عليهم - فاعلموا أن الله غفور رحيم ) . .

والحكمة واضحة في إسقاط الجريمة والعقوبة في هذه الحالة عنهم من ناحيتين :

الأولى : تقدير توبتهم - وهم يملكون العدوان - واعتبارها دليل صلاح واهتداء . .

والثانية : تشجيعهم على التوبة ، وتوفير مؤنة الجهد في قتالهم من أيسر سبيل .

والمنهج الإسلامي يتعامل مع الطبيعة البشرية بكل مشاعرها ومساربها واحتمالاتها ؛ والله الذي رضي للمسلمين هذا المنهج هو بارى ء هذه الطبيعة ، الخبير بمسالكها ودروبها ، العليم بما يصلحها وما يصلح لها . . ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ؟ . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (34)

ولما كان التعبير ب " إنما " يدل بختم{[25719]} الجزاء على هذا الوجه ، استثنى من المعاقبين هذه العقوبة بقوله : { إلا الذين تابوا } أي رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفاً من الله تعالى ، ولذا قال : { من قبل } وأثبت الجار إشارة إلى{[25720]} القبول وإن طال زمن المعصية وقصر زمن التوبة { أن تقدروا عليهم } أي فإن{[25721]} تحتم{[25722]} الجزاء المذكور يسقط ، فلا يجازون{[25723]} على ما يتعلق بحقوق الآدمي إلاّ إذا طلب صاحب الحق ، فإن عفا كان له ذلك ، وأما حق الله تعالى فإنه يسقط ، و{[25724]} إلى هذا{[25725]} الإشارة أيضاً بقوله تعالى : { فاعلموا أن الله } أي على ما له من صفات العظمة { غفور رحيم * } أي صفته{[25726]} ذلك أزلاًَ وأبداً ، فهو يفعل منه ما يشاء لمن يشاء ، وأفهمت الآية أن التوبة بعد{[25727]} القدرة لا تسقط شيئاً من الحدود .


[25719]:في ظ: تحتم.
[25720]:زيد بعده في ظ: أن.
[25721]:في ظ: بان.
[25722]:من ظ، وفي الأصل: يحتم.
[25723]:في ظ: فلا يجاوزون.
[25724]:في ظ: بهذا.
[25725]:في ظ: بهذا.
[25726]:في ظ: صفة.
[25727]:في ظ: حد.