في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (35)

27

والمنهج الرباني لا يأخذ الناس بالقانون وحده . إنما يرفع سيف القانون ويصلته ليرتدع من لا يردعه إلا السيف . فأما اعتماده الأول فعلى تربية القلب ، وتقويم الطبع . وهداية الروح – ذلك إلى جانب إقامة المجتمع والمنهج الرباني لا يأخذ الناس بالقانون وحده . إنما يرفع سيف القانون ويصلته ليرتدع من لا يردعه إلاّ السيف . فأما اعتماده الأول فعلى تربية القلب ، وتقويم الطبع . وهداية الروح - ذلك إلى جانب إقامة المجتمع الذي تنمو فيه بذرة الخير وتزكو ، وتذبل فيه نبتة الشر وتذوي - لذلك ما يكاد ينتهي السياق القرآني من الترويع بالعقوبة حتى يأخذ طريقه إلى القلوب والضمائر والأرواح ؛ يستجيش فيها مشاعر التقوى ؛ ويحثها على ابتغاء الوسيلة إلى الله والجهاد في سبيله رجاء الفلاح ؛ ويحذرها عاقبة الكفر به ؛ ويصور لها مصائر الكفار في الآخرة تصويراً موحياً بالخشية والاعتبار :

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وابتغوا إليه الوسيلة ، وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون .

إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ، ومثله معه ، ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم . ولهم عذاب أليم . يريدون أن يخرجوا من النار ، وما هم بخارجين منها ، ولهم عذاب مقيم } . .

إن هذا المنهج المتكامل يأخذ النفس البشرية من أقطارها جميعاً ؛ ويخاطب الكينونة البشرية من مداخلها جميعاً ؛ ويلمس أوتارها الحية كلها وهو يدفعها إلى الطاعة ويصدها عن المعصية . . إن الهدف الأول للمنهج هو تقويم النفس البشرية وكفها عن الانحراف . والعقوبة وسيلة من الوسائل الكثيرة . وليست العقوبة غاية ، كما أنها ليست الوسيلة الوحيدة .

وهنا نرى أنه يبدأ هذا الشوط بنبأ ابني آدم - بكل ما فيه من موحيات - ثم يثني بالعقوبة التي تخلع القلوب . ثم يعقب بالدعوة إلى تقوى الله وخشيته والخوف من عقابه . ومع الدعوة التصوير الرعيب للعقاب . .

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } . .

فالخوف ينبغي أن يكون من الله . فهذا هو الخوف اللائق بكرامة الإنسان . أما الخوف من السيف والسوط فهو منزلة هابطة . لا تحتاج إليها إلا النفوس الهابطة . . والخوف من الله أولى وأكرم وأزكى . . على أن تقوى الله هي التي تصاحب الضمير في السر والعلن ؛ وهي التي تكف عن الشر في الحالات التي لا يراها الناس ، ولا تتناولها يد القانون . وما يمكن أن يقوم القانون وحده - مع ضرورته - بدون التقوى ؛ لأن ما يفلت من يد القانون حينئذ أضعاف أضعاف ما تناله . ولا صلاح لنفس ، ولا صلاح لمجتمع يقوم على القانون وحده ؛ بلا رقابة غيبية وراءه ، وبلا سلطة إلهية يتقيها الضمير .

{ وابتغوا إليه الوسيلة } . .

اتقوا الله ؛ واطلبوا إليه الوسيلة ؛ وتلمسوا ما يصلكم به من الأسباب . . وفي رواية عن ابن عباس : ابتغوا إليه الوسيلة ؛ أى ابتغوا إليه الحاجة . والبشر حين يشعرون بحاجتهم إلى الله وحين يطلبون عنده حاجتهم يكونون في الوضع الصحيح للعبودية أمام الربوبية ؛ ويكونون - بهذا - في أصلح أوضاعهم وأقربها إلى الفلاح . وكلا التفسيرين يصلح للعبارة ؛ ويؤدي إلى صلاح القلب ، وحياة الضمير ، وينتهي إلى الفلاح المرجو .

{ لعلكم تفلحون } . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (35)

ولما ذكر تعالى حكمهم{[25728]} عند التوبة ، وختم الآية بما يناسب من الغفران والرحمة ، وكان ذلك ربما كان{[25729]} جزاء{[25730]} من لم يرسخ قدمه في الدين على جنابه المتعالي ، أتبع ذلك الأمر بالتقوى وجهاد كل من أفسد بقطع الطريق أو الكفر أو غيره فقال على وجه الاستنتاج مما قبله : { يا أيها الذين آمنوا } أي وجد منهم الإقرار بالإيمان { اتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين ما سمعتم من وعيده للمفسدين وقاية تصديقاً لما أقررتم{[25731]} به ، لما له سبحانه من العظمة التي هي جديرة بأن تخشى وترجى لجمعها الجلال والإكرام .

ولما كانت مجامع التكليف منحصرة في تخلٍّ{[25732]} من فضائح المنهيات وتحلٍّ بملابس المأمورات ، وقدم الأول لأنه{[25733]} من درء المفاسد ، أتبعه الثاني فقال : { وابتغوا } أي اطلبوا طلباً شديداً { إليه } أي خاصة{[25734]} { الوسيلة } أي التقريب بكل ما يوصل إليه من طاعته ، ولا تيأسوا وإن عظمت ذنوبكم لأنه{[25735]} غفور رحيم .

ولما كان سبحانه قد قدم أوامر ونواهي ، وكان الاستقراء قد أبان{[25736]} الناس عند الأمر والنهي بين{[25737]} مقبل ومعرض ، وكان قد أمر المقبل بجهاد المعرض ، وكان للجهاد{[25738]} . بما له من عظيم النفع وفيه من المشقة - مزيدُ خصوصية ، أفرد بالذكر تأكيداً لما مضى منه وإعلاماً بأنه للعاصي مطلقاً سواء كان بالكفر أو بغيره فقال : { وجاهدوا في سبيله } أي لتكون كلمته هي العليا { لعلكم تفلحون * } أي لتكون{[25739]} حالكم حال من يرجى نيله لكل ما يطلبه ، وهذا شامل{[25740]} لكل أمر بمعروف ونهي{[25741]} عن منكر{[25742]} في أعلى درجاته وأدناها .


[25728]:في ظ: حملهم.
[25729]:سقط من ظ.
[25730]:في ظ: حرى- كذا.
[25731]:في ظ: قررتم.
[25732]:في ظ: تجلى- كذا.
[25733]:تكرر في الأصل.
[25734]:سقط من ظ.
[25735]:في ظ: لانى.
[25736]:في ظ: أن.
[25737]:تكرر في الأصل.
[25738]:من ظ، وفي الأصل: الجهاد.
[25739]:في ظ: ليكون.
[25740]:في ظ: شاربل- كذا.
[25741]:سقط ما بين الرقميين من ظ.
[25742]:سقط ما بين الرقمين من ظ.