( وجاهدوا في الله حق جهاده ) . . وهو تعبير شامل جامح دقيق ، يصور تكليفا ضخما ، يحتاج إلى تلك التعبئة وهذه الذخيرة وذلك الإعداد . .
( وجاهدوا في الله حق جهاده ) . . والجهاد في سبيل الله يشمل جهاد الأعداء ، وجهاد النفس ، وجهاد الشر والفساد . . كلها سواء . .
( وجاهدوا في الله حق جهاده ) . . فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة ، واختاركم لها من بين عباده : ( هو اجتباكم ) . . وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة ، ولا يجعل هنالك مجالا للتخلي عنها أو الفرار ! وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء !
وهو تكليف محفوف برحمة الله : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) . . وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته . ملحوظ فيه تلبيته تلك الفطرة . وإطلاق هذه الطاقة ، والاتجاه بها إلى البناء والاستعلاء . فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم . ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم !
وهو منهج عريق أصيل في ماضي البشرية ، موصول الماضي بالحاضر : ( ملة أبيكم إبراهيم )وهو منبع التوحيد الذي اتصلت حلقاته منذ عهد إبراهيم - عليه السلام - فلم تنقطع من الأرض ، ولم تفصل بينها فجوات مضيعة لمعالم العقيدة كالفجوات التي كانت بين الرسالات قبل إبراهيم عليه السلام .
وقد سمى الله هذه الأمة الموحدة بالمسلمين . سماها كذلك من قبل وسماها كذلك في القرآن : ( هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) . .
والإسلام إسلام الوجه والقلب لله وحده بلا شريك . فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع الأجيال والرسل والرسالات . حتى انتهى بها المطاف إلى أمة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وحتى سلمت إليها الأمانة ، وعهد إليها بالوصاية على البشرية . فاتصل ماضيها بحاضرها بمستقبلها كما أرادها الله : ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) . . فالرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يشهد على هذه الأمة ، ويحدد نهجها واتجاهها ، ويقرر صوابها وخطأها . وهي تشهد على الناس بمثل هذا ، فهي القوامة على البشرية بعد نبيها ؛ وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها ، وتربيتها وفكرتها عن الكون والحياة . ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على منهجها العريق المتصل الوشائج ، المختار من الله .
ولقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي وطبقته في حياتها الواقعية . حتى إذا انحرفت عنه ، وتخلت عن تكاليفه ، ردها الله عن مكان القيادة إلى مكان التابع في ذيل القافلة . وما تزال . ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اجتباها له الله .
هذا الأمر يقتضي الاحتشاد له والاستعداد . . ومن ثم يأمرها القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله :
فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله . هو مولاكم . فنعم المولى ونعم المصير . .
فالصلاة صلة الفرد الضعيف الفاني بمصدر القوة والزاد . والزكاة صلة الجماعة بعضها ببعض والتأمين من الحاجة والفساد . والاعتصام بالله العروة الوثقى التي لا تنفصم بين المعبود والعباد .
بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها لها الله . وتملك الانتفاع بالموارد والطاقات المادية التي تعارف الناس على أنها مصادر القوة في الأرض . والقرآن الكريم لا يغفل من شأنها ، بل يدعو إلى إعدادها . ولكن مع حشد القوى والطاقات والزاد الذي لا ينفد ، والذي لا يملكه إلا المؤمنون بالله .
فيوجهون به الحياة إلى الخير والصلاح والاستعلاء .
إن قيمة المنهج الإلهي للبشرية أنه يمضي بها قدما إلى الكمال المقدر لها في هذه الأرض ؛ ولا يكتفي بأن يقودها للذائذ والمتاع وحدهما كما تقاد الأنعام .
وإن القيم الإنسانية العليا لتعتمد على كفاية الحياة المادية ، ولكنها لا تقف عند هذه المدارج الأولى . وكذلك يريدها الإسلام في كنف الوصاية الرشيدة ، المستقيمة على منهج الله في ظل الله . .
{ وجاهدوا في الله } قيل : إنه منسوخ كنسخ حق تقاته بقوله ما استطعتم ، وفي ذلك نظر ، وإنما أضاف الجهاد إلى الله ليبين بذلك فضله واختصاصه بالله .
{ اجتباكم } أي : اختاركم من بين الأمم .
{ من حرج } أي : مشقة ، وأصل الحرج الضيق .
{ ملة أبيكم إبراهيم } انتصب { ملة } بفعل مضمر تقديره أعني بالدين ملة إبراهيم ، أو التزموا ملة إبراهيم ، وقال الفراء : انتصب على تقدير حذف الكاف كأنه قال : كملة ، وقال الزمخشري : انتصب بمضمون ما تقدم : كأنه قال وسع عليكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم ، ثم حذف المضاف ، فإن قيل : لم يكن إبراهيم أبا للمسلمين كلهم ، فالجواب : أنه أب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبا لأمته لأن أمة الرسول في حكم أولاده ، ولذلك قرئ وأزواجه أمهاتهم ، وهو أب لهم ، وأيضا فإن قريشا وأكثر العرب من ذرية إبراهيم ، وهم أكثر الأمة فاعتبرهم دون غيرهم .
{ هو سماكم } الضمير لله تعالى ومعنى من قبل في الكتب المتقدمة ، وفي هذا أي : في القرآن ، وقيل : الضمير لإبراهيم والإشارة إلى قوله : { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك }[ البقرة :128 ] ، ومعنى من قبل على هذا : من قبل وجودكم ، وهنا يتم الكلام على هذا القول ويكون قوله : { وفي هذا } مستأنفا أي : وفي هذا البلاغ ، والقول الأول أرجح وأقل تكلفا ، ويدل عليه قراءة أبيّ بن كعب : الله سماكم المسلمين .
{ شهيدا عليكم } تقدم معنى هذه الشهادة في البقرة .
{ فأقيموا الصلاة } الظاهر أنها المكتوبة به لاقترانها مع الزكاة .
قوله : ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) أي جاهدوا المشركين والمنافقين طلبا لمرضاة الله . وذلك لدفع أذاهم وكف شرورهم عن المسلمين . وقيل : المراد بالجهاد هنا عموم الامتثال لأوامر الله جميعها ، والانتهاء عن كل نواهيه ؛ يعني جاهدوا أنفسكم بتوطينها على فعل الطاعات ومجانبة المعاصي والخطيئات . قوله : ( هو اجتباكم ) الله اختاركم لأشرف رسالة . وهي رسالة الإسلام . وما تضمنه من كامل الشريعة المباركة التي يصلح عليها الناس في حياتهم ومعادهم . قوله : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) الحرج معناه الضيق{[3151]} . وهذه الآية شاهد عظيم على صلوح الشريعة الإسلامية للإنسان في كل مكان وزمان . لا جرم أن هذه الشريعة بنيت على التيسير والتسهيل والرحمة ؛ فهي بذلك مغايرة للتشديد والتضييق والإعنات . وهذه واحدة من كبريات المزايا التي تتجلى في شريعة هذا الدين العظيم . وهي مزايا أساسية وثابتة تكشف عن طبيعة هذا الدين المميز المرغوب . طبيعته الكريمة الميسورة التي تنسجم تماما مع فطرة البشر .
على أن هذه الآية العظيمة تدخل في كثير من أحكام الشريعة الإسلامية بما يحقق فيها اليسر والتوسعة ويزيل منها التشديد أو الحرج الذي لا يطاق . ومن الأمثلة على هذه الحقيقة ، الصلاة . وهي عماد الدين ؛ بل هي الركيزة الثانية الكبرى في هذا الدين كله بعد شهادة أن لا إله إلا الله ؛ فإنها قد شرع فيها التيسير والترخيص مما يجعلها سهلة تطاق ، فهي تجب في الحضر أربعا وفي السفر تقصر إلى ركعتين اثنتين ، فضلا عن جمع الصلاة بوجهيه في التقديم والتأخير . وتصلى رجالا وركبانا في حالات الأعذار ويسقط فيها وجوب القيام للمريض فيؤديها جالسا ، فإن لم يستطع ؛ فعلى الجنب ، فإن لم يستطع ؛ فمستلقيا . فإن لم يستطع فيومئ إيماء . وكذلك فريضة الصيام شرع فيها الترخيص في الإفطار عند الحاجة . إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة المنتشرة في كل مناحي الشريعة ؛ فقد شرع فيها التخفيف والتوسعة والرخص ؛ دفعا للمشقة والحرج وإذهابا للعنت عن الناس وجلبا للتسهيل عليهم .
ومن جملة ذلك : تشريع الكفارات ؛ فقد شرعها الله لمحو كثير من الزلات والمخالفات . وكذلك الاستغفار والتوبة ؛ فهما بابان عظيمان لتكفير الذنوب والصفح عن الخطايا والعيوب التي يتعثر بها الإنسان أو يقع فيها استجابة لضعفه . لكنه إذ يبادر الاستغفار والندامة تائبا ؛ فإن الله تواب رحيم . وذلك يبين يُسر هذا الدين وسهولة الأخذ به . وفي الحديث : " بعثت بالحنيفية السمحة " .
قوله : ( ملة أبيكم إبراهيم ) ( ملة ) ، منصوب بفعل مقدر . وتقديره : اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم{[3152]} .
قوله : ( هو سماكم المسلمين ) الذين سماهم المسلمين هو الله عز وجل ؛ فقد سماهم بذلك من قبل في الكتب المتقدمة ( وفي هذا ) يعني القرآن .
قوله : ( ليكون الرسول شهيدا عليكم ) أي يشهد عليكم يوم القيامة أنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم ( وتكونوا شهداء على الناس ) أي لتشهدوا على الناس يوم القيامة أنهم قد بلغوا من رسلهم دعوة ربهم . فلا جرم أن هذه نعمة عظمى قد امتن الله بها على هذه الأمة ؛ إذ جعلها خير الأمم لتشهد يوم القيامة على سائر الأمم بحقيقة التبليغ . وهي نعمة من الله جديرة أن تقابل ببالغ الشكران لله . وذلك بصدق التوجه إلى جنابه وحسن الإخبات له ، مطيعين عابدين خاشعين . وهو قوله : ( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله ) أي ثقوا به كامل الثقة في كل أموركم ، واعتضدوا به تمام الاعتضاد ، وتوكلوا عليه بالغ التوكل ، واطلبوا منه وحده العون والنصر والتأييد ( هو مولاكم ) أي ناصركم ومؤيدكم ومظهركم على عدوكم ( فنعم المولى ونعم النصير ) نعم الولي ونعم الناصر{[3153]} .