في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ} (28)

10

ولكن هذا التهكم وهذا القذف لا يفت في عضد موسى ، فيمضي في طريقه يصدع بكلمة الحق التي تزلزل الطغاة والمتجبرين :

( قال : رب المشرق والمغرب وما بينهما . إن كنتم تعقلون ) . .

والمشرق والمغرب مشهدان معروضان للأنظار كل يوم ؛ ولكن القلوب لا تنتبه إليهما لكثرة تكرارهما ، وشدة ألفتهما . واللفظ يدل على الشروق والغروب . كما يدل على مكاني الشروق والغروب . وهذان الحدثان العظيمان لا يجرؤ فرعون ولا غيره من المتجبرين أن يدعي تصريفهما . فمن يصرفهما إذن ومن ينشئهما بهذا الإطراد الذي لا يتخلف مرة ولا يبطى ء عن أجله المرسوم ? إن هذا التوجيه يهز القلوب البليدة هزا ، ويوقظ العقول الغافية إيقاظا . وموسى - عليه السلام - يثير مشاعرهم ، ويدعوهم إلى التدبر والتفكير : ( إن كنتم تعقلون ) . .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ} (28)

فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله : { ربكم ورب آبائكم الأولين } لأن وجود الإنسان وآبائه أظهر الأدلة عند العقلاء ، وأعظم البراهين ، فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون بها على وجود خالقهم ، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه ، وأيد الازدراء والتهكم في قوله : { رسولكم الذي أرسل إليكم } فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله : { رب المشرق والمغرب } ، لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحدا جحدها ولا أن يدعيها لغير الله ، ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمروذ ، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فهدده بالسجن ، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة ، وذكرها له بتلطف طمعا في إيمانه ، فقال : { أولو جئتك بشيء مبين } والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام وتقديره أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين .

وقد تقدم في الأعراف ذكر العصا واليد ، وماذا تأمرون ، وأرجه ، وحاشرين .

فإن قيل : كيف قال : أولا : { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا : { إن كنتم تعقلون } ؟ فالجواب : أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم ، فلما رأى منهم العناد والمغالطة : وبخهم بقوله : { إن كنتم تعقلون } ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون إن رسولكم لمجنون .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ} (28)

فلما أساء الأدب ، فاشتد تشوف السامع إلى معرفة جوابه عنه ، استأنف تعالى الإخبار بذلك ، فحكى أنه ذكر له ما لا يمكنه أن يدعي طاعته له ، وهو أكثر تغيراً وأعجب تنقلاً بأن { قال رب المشرق والمغرب } أي الشروق والغروب ووقتهما وموضعهما { وما بينهما } أي من الناس الذين ليسوا في طاعتكم ، والحيوان والجماد ، بسبب ما ترون من قدرته على تقليب النيرات من بزوغ الشمس والقمر والنجوم وأفولها وما يظهر عنهما من الليل والنهار على تصاريف مختلفة ، وحركات متقاربة لو لا هي لما علمتم شيئاً من أموركم ، ولا تمكنتم من أحوالكم ، وهذا الدليل أبين الكل لتكرر الحركة فيه وغير ذلك من معالمه ، ولذلك بهت نمرود لما ألقاه عليه الخليل عليه الصلاة والسلام .

ولما دعاه صلى الله عليه وسلم باللين فأساء الأدب عليه في الجواب الماضي ، ختم هذا البرهان بقوله : { إن كنتم تعقلون } أي فأنتم تعلمون ذلك ، فخيرهم بين الإقرار بالجنون أو العقل ، بما أشار إليه من الأدلة في مقابلة ما نسبوه إليه من الجنون بسكوتهم وقول عظيمهم بغير شبهة ، رداً لهم عن الضلالة ، وإنقاذاً من واضح الجهالة ، فكان قوله أنكأ مع أنه ألطف ، وأوضح مع أنه أستر وأشرف .