في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ} (76)

74

( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا . قال : هذا ربي ، فلما أفل قال : لا أحب الآفلين ) . .

إنها صورة لنفس إبراهيم ، وقد ساورها الشك - بل الإنكار الجازم - لما يعبد أبوه وقومه من الأصنام . وقد باتت قضية العقيدة هي التي تشغل باله ، وتزحم عالمه . . صورة يزيدها التعبير شخوصا بقوله : ( فلما جن عليه الليل ) . . كأنما الليل يحتويه وحده ، وكأنما يعزله عن الناس حوله ، ليعيش مع نفسه وخواطره وتأملاته ، ومع همه الجديد الذي يشغل باله ويزحم خاطره :

( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ، قال : هذا ربي ) . .

وكان قومه يعبدون الكواكب والنجوم - كما أسلفنا - فلما أن يئس من أن يكون إلهة الحق - الذي يجده في فطرته في صورة غير مدركة ولا واعية - صنما من تلك الأصنام ، فلعله رجا أن يجده في شيء مما يتوجه إليه قومه بالعبادة !

وما كانت هذه أول مرة يعرف فيها إبراهيم أن قومه يتجهون بالعبادة إلى الكواكب والنجوم . وما كانت هذه أول مرة يرى فيها إبراهيم كوكبا . . ولكن الكوكب - الليلة - ينطق له بما لم ينطق من قبل ، ويوحي إلى خاطره بما يتفق مع الهم الذي يشغل باله ، ويزحم عليه عالمه :

( قال : هذا ربي ) . .

فهو بنوره وبزوغه وارتفاعه أقرب - من الأصنام - إلى أن يكون ربا ! . . ولكن لا ! إنه يكذب ظنه : ( فلما أفل قال : لا أحب الآفلين ) . .

إنه يغيب . . يغيب عن هذه الخلائق . فمن ذا يرعاها إذن ومن ذا يدبر أمرها . . إذا كان الرب يغيب ؟ !

لا ، إنه ليس ربا ، فالرب لا يغيب !

إنه منطق الفطرة البديهي القريب . . لا يستشير القضايا المنطقية والفروض الجدلية ، إنما ينطلق مباشرة في يسر وجزم . لأن الكينونة البشرية كلها تنطق به في يقين عميق . .

( لا أحب الآفلين ) . .

فالصلة بين الفطرة وإلهها هي صلة الحب ؛ والآصرة هي آصرة القلب . . وفطرة إبراهيم " لا تحب " الآفلين ، ولا تتخذ منهم إلها . إن الإله الذي تحبه الفطرة . . لا يغيب . . !

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ} (76)

{ فلما جن عليه الليل } أي : ستره يقال : جن عليه الليل وأجنه { رأى كوكبا قال هذا ربي } يحتمل أن يكون هذا الذي جرى لإبراهيم في الكوكب والقمر والشمس أن يكون قبل البلوغ والتكليف وقد روي أن أمه ولدته في غار خوفا من نمروذ إذ كان يقتل الأطفال لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي ، ويحتمل أن يكون جرى له ذلك بعد بلوغه وتكليفه ، وأنه قال ذلك لقومه على وجه الرد عليهم والتوبيخ لهم ، وهذا أرجح لقوله بعد ذلك { إني برئ مما تشركون } ولا يتصور أن يقول ذلك وهو منفرد في الغار لأن ذلك يقتضي محاجة وردا على قومه وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب ، فأراد أن يبين لهم الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى أن هذه الأشياء لا يصح أن يكون واحدا منها إلها لقيام الدليل على حدوثها وأن الذي أحدثها ودبر طلوعها وغروبها وأفولها هو الإله الحق وحده .

وقوله : { هذا ربي } قول من ينصف خصمه مع علمه أنه مبطل لأن ذلك أدعى إلى الحق وأقرب إلى رجوع الخصم ، ثم أقام عليهم الحجة بقوله : { لا أحب الآفلين } أي : لا أحب عبادة المتغيرين لأن التغير دليل على الحدوث ، والحدوث ليس من صفة الإله ثم استمر على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس ، فلما أوضح البرهان ، وأقام عليهم الحجة ، جاهرهم بالبراءة من باطلهم ، فقال : { إني بريء مما تشركون } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ} (76)

ولما كانت الأمور السماوية مشاهدة لجميع الخلق : دانيهم وقاصيهم ، وهي أشرف من الأرضية ، فإذا بطلت صلاحيتها للإلهية بطلت الأرضية من باب الأولى ؛ نصب لهم الحجاج في أمرها ، فقال مسبباً عن الإراءة المذكورة : { فلما جن } أي{[30078]} ستر وأظلم ، وقصره{[30079]} - وإن كان متعدياً - دلالة على شدة ظلام تلك الليلة ، ولذلك عداه بأداة الاستعلاء فقال : { عليه{[30080]} الّيل } أي وقع{[30081]} الستر عليه ، فحجب ملكوت الأرض فشرع ينظر في ملكوت السماء { رأى كوكباً } أي{[30082]} قد بزغ ، فكأنه قيل : فماذا{[30083]} فعل ؟ فقيل : { قال هذا ربي } فكأنه{[30084]} مِنْ بَصْرِه{[30085]} أن أتى بهذا الكلام الصالح لأن يكون خبراً واستفهاماً ، ليوهمهم{[30086]} أنه مخبر ، فيكون ذلك انفى{[30087]} للغرض وأنجى من الشعب ، فيكون أشد استجلاباً لهم إلى إنعام النظر وتنبيهاً على موضع الغلط وقبول الحجة ، ولمثل ذلك ختم الآية بقوله : { فلما أفل } أي غاب بعد ذلك الظهور الذي كان آية{[30088]} سلطان { قال لا أحب الآفلين * } لأن{[30089]} الأفول حركة ، والحركة تدل على حدوث المتحرك وإمكانه ، ولا نظن أن يظن به أنه قال ما قاله أولاً عن اعتقاد ربوبية الكواكب ، لأن الله تعالى قد دل على بطلان هذا التوهم بالإخبار بأنه أراه ملكوت الخافقين وجعله موقناً{[30090]} ، فاسند الأمر إلى نفسه تنبيهاً لهم ، واستدل بالأفول{[30091]} لأن دلالته لزوال سلطانه وحقارة{[30092]} شأنه اتم ، ولم يستدل{[30093]} بالطلوع لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث{[30094]} والنقصان - شرف في الجملة وسلطان ، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان ، والممكن لا بد له من موجد واجب الوجود ، يكون منتهى الآمال ومحط الرحال{[30095]}

{ وأن إلى ربك المنتهى }[ النجم : 42 ] والأوساط يفهمون منه الحدوث للحركة ، فلا بد من الأستناد إلى قديم ، والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول لزوال نوره وسلطانه ، وأن ما كان كذلك لا يصلح للإلهية ، وخص الأفول أيضاً لأن قومه الفرس كانوا منجمين ، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان صاعداً من المشرق{[30096]} إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير ، فإذا كان نازلاً إلى المغرب{[30097]} كان ضعيف الأثر ، والإله هو من لا يتغير ، وهذا الاستدلال برهان في أن{[30098]} أصل الدين مبني على الحجة دون التقليد{[30099]} .


[30078]:زيد من ظ.
[30079]:من ظ، وفي الأصل: قصر.
[30080]:سقط من ظ.
[30081]:في ظ: أوقع.
[30082]:سقط من ظ.
[30083]:من ظ، وفي الأصل: بماذا.
[30084]:في ظ: وكان.
[30085]:من ظ، وفي الأصل: نصره.
[30086]:في ظ: ليفهم.
[30087]:من ظ، وفي الأصل: النفي.
[30088]:في ظ: له به- كذا.
[30089]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30090]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30091]:من ظ، وفي الأصل: بالأقوال.
[30092]:من ظ، وفي الأصل: خفا- كذا.
[30093]:في ظ: لما استدل.
[30094]:من ظ، وفي الأصل: الحدث.
[30095]:من ظ، وفي الأصل: الرجال.
[30096]:في ظ، الشرق.
[30097]:في ظ: الغرب.
[30098]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30099]:زيد بعده في الأصل: فاسند الأمر، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.