فإذا أنهى إليهم هذا البلاغ ، وإذا واجه تكذيبهم بهذه المفاصلة . . فإنه [ ص ] مأمور بعد ذلك ألا يجالسهم - حتى للبلاغ والتذكير - إذا رآهم يخوضون في آيات الله بغير توقير ؛ ويتحدثون عن الدين بغير ما ينبغي للدين من الجد والمهابة ؛ ويجعلون الدين موضعا للعب واللهو ؛ بالقول أو بالفعل ؛ حتى لا تكون مجالسته لهم - وهم على مثل هذه الحال - موافقة ضمنية على ما هم فيه ؛ أو قلة غيرة على الدين الذي لا يغار المسلم على حرمة كما يغار عليه . فإذا أنساه الشيطان فجلس معهم ، ثم تذكر ، قام من فوره وفارق مجلسهم :
( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره . وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) . .
ولقد كان هذا الأمر للرسول [ ص ] ويمكن في حدود النص أن يكون أمرا لمن وراءه من المسلمين . . كان هذا الأمر في مكة . حيث كان عمل الرسول [ ص ] يقف عند حدود الدعوة . وحيث كان غير مأمور بقتال للحكمة التي أرادها الله في هذه الفترة . وحيث كان الاتجاه واضحا لعدم الاصطدام بالمشركين ما أمكن . . فكان هذا الأمر بألا يجلس النبي [ ص ] في مجالس المشركين ؛ متى رآهم يخوضون في آيات الله ويذكرون دينه بغير توقير ، والمسارعة إلى ترك هذه المجالس - لو أنساه الشيطان - بمجرد أن يتذكر أمر الله ونهيه . وكان المسلمون كذلك مأمورين بهذا الأمر كما تقول بعض الروايات . . والقوم الظالمون ، المقصود بهم هنا القوم المشركون . كما هو التعبير الغالب في القرآن الكريم . .
فأما بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة ، فكان للنبي [ ص ] شأن آخر مع المشركين . وكان الجهاد والقتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . حيث لا يجترى ء أحد على الخوض في آيات الله !
يخوضون في آياتنا : يسترسلون في الحديث بتشويه تلك الآيات .
بعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة تكذيب كفار قريش ، وبيّن أن الرسول عليه الصلاة والسلام مبلّغ للناس عن ربّه لا خالق للإيمان فيهم ، جاءت هذه الآيات لتبيّن كيف يعامل المؤمنُ من يتخذ دين الله هزواً ولعبا من الكفار الذين كانوا يستهزئون بالقرآن وبالرسول والمستضعَفين من أصحابه الكرام . وكذلك كيف يعامل المؤمن أهل الأهواء والبِدع في كل زمان ومكان . والمخاطَب في هذه الآيات هو الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كان معه من المؤمنين ، ثم المؤمنين في كل زمان .
إذا حضرتَ مجلس الكفار ، أو جاء المشركون ليستمعوا إليك ، ووجدتهم يطعنون في آيات القرآن ، أو يستهزئون بها ، فانصرِف عنهم يا محمد حتى ينتقلوا إلى حديث آخر . وإن نسيتَ وجالستَهم وهم يخوضون ، ثم تذكَرت أمر الله بالبعد عنهم ، فلا تبقَ معهم أبداً .
وسرُّ هذا النهي أن الإقبال على أولئك الخائضين والقعود معهم يغريهم في التمادي ، ويدل على الرضا به والمشاركة فيه . وهذا خطر كبير لما فيه من سماع الكفر والسكوت عليه .
ولما أمره بما يقول جواباً لتكذيبهم ، تقدم إليه فيما يفعل وقت خوضهم في التكذيب فقال : { وإذا رأيت } خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ليكون أردع { الذين يخوضون } أي يتكلمون { في آياتنا } أي بغير تأمل ولا بصيرة بل طوع الهوى ، كما يفعل خائض الماء في وضعه لرجله على غير بصيرة لستر{[29952]} مواضع الخُطا وبغير{[29953]} تمام الاختيار لغلبة{[29954]} الماء { فأعرض عنهم } بترك المجالسة أو ما يقوم مقامها ؛ ولما كان الخوض في الآيات دالاً على قلة العقل قال : { حتى يخوضوا في حديث غيره } فحكم على حديثهم فيما سوى ذلك أيضاً بالخوض ، لأن فيه الغث والسمين ، لأنه غير مقيد بنظام الشرع .
ولما كان الله تعالى - وله الحمد - قد رفع حكم النسيان عن هذه الأمة{[29955]} ، قال مؤكداً : { وإما ينسينك الشيطان } أي إنساء عظيماً إشارة إلى أن مثل هذا الأمر جدير بأن لا ينسى { فلا تقعد بعد الذكرى } أي التذكر لهذا النهي { مع القوم الظالمين * } أظهر موضع الإضمار تعميماً ودلالة على الوصف الذي هو سبب الخوض ، وهو الكون في الظلام .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.