وفي نهاية هذا الدرس ؛ وفي مواجهة الفرية الكبرى التي لم يفتر أضخم منها قط أتباع رسول ! في مواجهة الفرية الكبرى التي أطلقها أتباع المسيح عيسى بن مريم - عليه السلام - فرية ألوهيته ؛ الفرية التي تبرأ منها هذا التبرؤ ، وفوض ربه في أمر قومه بشأنها هذا التفويض . .
في مواجهة هذه الفرية ، وفي نهاية الدرس الذي عرض ذلك الاستجواب الرهيب عنها ، في ذلك المشهد العظيم . . يجيء الإيقاع الأخير في السورة ؛ يعلن تفرد الله - سبحانه - بملك السماوات والأرض وما فيهن ؛ وقدرته - سبحانه - على كل شيء بلا حدود :
( لله ملك السماوات والأرض وما فيهن ، وهو على كل شيء قدير ) . .
ختام يتناسق مع تلك القضية الكبرى التي أطلقت حولها تلك الفرية الضخمة ، ومع ذلك المشهد العظيم الذي يتفرد الله فيه بالعلم ، ويتفرد بالألوهية ، ويتفرد بالقدرة ، وينيب إليه الرسل ؛ ويفوضون إليه الأمر كله ؛ ويفوض فيه عيسى بن مريم أمره وأمر قومه إلى العزيز الحكيم . الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن ، وهو على كل شيء قدير . .
وختام يتناسق مع السورة التي تتحدث عن " الدين " وتعرضه ممثلا في اتباع شريعة الله وحده ، والتلقي منه وحده ، والحكم بما أنزله دون سواه . . إنه المالك الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن ، والمالك هوالذي يحكم : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) . .
إنها قضية واحدة . . قضية الألوهية . . قضية التوحيد . . وقضية الحكم بما أنزل الله . . لتتوحد الألوهية ويتحقق التوحيد . .
وبعد أن بيّن ما أعدّ لأهل الصدق عنده من الجزاء الحق في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ختم هذه السورة المباركة بختام عظيم بيّن فيه تعالى أنه وحده له ملكُ السماوات والأرض وما فيهن ، فهو وحده المستحق للعبادة .
أي أن الملك كله والقدرة كلها لله وحده فلا يجوز لإنسان أن يتوجه إلا إليه .
وقد روى الإمام أحمد والنّسائي والحاكم والبيهقي عن جُبير بن نفير الحضرمي الشامي ، ( أحد المخضرمين ، أسلم في زمن أبي بكر ) قال : حججتْ فدخلت على عائشة ، فقالت : يا جبير ، تقرأ المائدة ؟ قلت : نعم . فقالت : أما إنها آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه ، وما وجدتم من حرام فحرموه .
والحقيقة أن سورة المائدة من أعظم السور في القرآن الكريم لما اشتملت عليه من أحكام وإرشادات وبيان للحقائق بعد أن استتب الأمر للمسلمين . وفيها ما يرشد إلى الوقت الذي نزلت فيه ، والحالة الّتي صار إليها المسلمون في ذلك الوقت . فقد جاء فيها بعد أن فصّل الله المحرّمات قوله تعالى : { اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً } تُقَرِّر أن المشركين الذين كانوا يعملون دائما على قهر المسلمين وإذلالهم وتشتيتهم وتفريق كلمتهم وفتنتهم عن دينهم ، صاروا من كل ذلك في عجز وضعف ، واستولى عليهم اليأس في الوصول إلى أغراضهم .
وعليه فيجب على المسلمين وقد عَصَمهم الله من أعدائهم ، وبدّل بضعفهم قوة ، وبخوفهم أمنا ، أن يشكروا الله رب هذه النعمة ، وأن لا يكترثوا في إقامة دينه وتنفيذ أحكامه بأحد سواه . فلقد يئس المشركون بإكمال الدين . وإكمالُ الدين يتناول إكمالَه بالبيان والتشريع ، وبالقوة والتركيز .
وقد روي أن رجلاً من اليهود جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : إن في كتابكم آية تقرؤونها لو أنها أُنزلت علينا-معشر اليهود- لاتخذْنا اليوم الذي أُنزلت فيه عيدا . قال عمر : وأية آية ؟ قال { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً } . فقال عمر : إنّي والله لأعلم اليوم الذي أُنزلت فيه والساعة التي نزلت فيها . نزلت على رسول الله عشيّة عَرَفة في يوم جمعة ، والحمدُ لله الذي جعله لنا عيدا .
وفي هذه السورة المباركة ظواهر تنفرد بها لا نكاد نجد شيئا منها في غيرها من السور المدنية حتى في أطول سوَر القرآن وهي سورة البقرة . ولذلك نرى أن كل ما يدور الحديث عنه في سورة المائدة يتعلق بأمرين بارزين : تشريع للمسلمين في خاصة أنفسهم وفي معاملة من يخالطون ، وإرشادات لطُرق المحاجّة في المزاعم التي كان يثيرها أهل الكتاب .
وفي سياق هذه المحاجَة تعرض السورة لكثير من مواقف الماضين من أسلاف أهل الكتاب مع أنبيائهم ، تسليةَ للنبي من جهة ، وتنديداً بهم عن طريق أسلافهم من جهة أخرى .
وقد اشتملت على عدة نداءات إلَهية للمؤمنين ، يُعتبر كل واحد منها قانوناً لشأن من الشئون ، فنادى الله تعالى عباده المؤمنين بما شرع لهم من أحكام ، وأرشد إليه من أخلاق في مواضع لم نر عددها في أطول سورة وهي البقرة ، نذكرها بالترتيب :
{ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود . . . } .
{ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله . . . . } .
{ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ . . . . } .
{ يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط . . . . } .
{ يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ . . . . } .
{ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة . . . . } .
{ يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ . . . . } .
{ يا أيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ . . . . } .
{ يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ والكفار أَوْلِيَآءَ . . . . } .
{ يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلاَ تعتدوا . . . . } .
{ يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه . . . . } .
{ يا أيها الذين آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِّنَ الصيد تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ . . . . } .
{ يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ . . . . } .
{ يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . . . . } .
{ يا أيها الذين آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم . . . . } .
{ يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية . . . . } .
هذه ستة عشرة نداءً وُجّهت إلى المؤمنين خاصة ، يعتبر كل نداء منها قانوناً ينظم ناحية من نواحي الحياة عند المسلمين بأنفسهم ، وفيما يختص بعلاقتهم بأهل الكتاب .
وفيها كذلك نداءات من الله لرسوله ، وليس هناك نداء له عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف في غير هذه السورة : وهما قوله تعالى :
{ يا أيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } ،
وقوله تعالى : { يا أيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } .
وقد وجهت نداءين إلى أهل الكتاب : وهما قوله تعالى :
{ يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب } ،
{ يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل } .
وأمرت الرسول الكريم ثلاث مرات أن يوجه إليهم النداء في موضوعات ثلاثة في شأن ما يثيرون به الخلاف بينه وبينهم .
{ قُلْ يا أهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ } .
{ قُلْ يا أهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيْءٍ حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ } .
{ قُلْ يا أهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحق وَلاَ تتبعوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السبيل } .
هذه جملة النداءات التي وجهت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإلى المسلمين ، وإلى أهل الكتاب ، أو أُمر النبي بتوجيهها إليهم في هذه السورة ، وقد مرت كلها في أثناء الكلام عليها باختصار ، ومن أراد زيادة تفصيل فليرجع إلى ما كتبه في التفسير أستاذنا المرحوم الشيخ شلتوت .
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن توجهت قلوبهم إليه ، ولم يعتمدوا في قبولهم ونجاتهم إلا عليه ، وأن يجعل ثمرة إيماننا زكاة نفوسنا ، وثبات قلوبنا ، وصلاح أعمالنا ، وفكاك أسارنا .
{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } . والحمد الله رب العالمين .
قوله تعالى : " لله ملك السماوات والأرض " الآية{[6205]} جاء هذا عقب ما جرى من دعوى النصارى في عيسى أنه إله ، فأخبر تعالى أن ملك السماوات والأرض له ، دون عيسى ودون سائر المخلوقين . ويجوز أن يكون المعنى أن الذي له ملك السماوات والأرض يعطي الجنات المتقدم ذكرها للمطيعين من عباده جعلنا الله منهم بمنه وكرمه . تمت سورة " المائدة " بحمد الله تعالى .