في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (86)

ويرد عليهم الرجل بأن يتركوه لربه ، فهو لا يشكو لأحد من خلقه ، وهو على صلة بربه غير صلتهم ، ويعلم من حقيقته ما لا يعلمون :

قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، وأعلم من الله ما لا تعلمون .

وفي هذه الكلمات يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول ؛ كما تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر ، ولألائها الباهر .

إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف ، وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من حياته فضلا على عودته إلى أبيه ، واستنكار بنيه لهذا التطلع بعد هذا الأمد الطويل في وجه هذا الواقع الثقيل . . إن هذا كله لا يؤثر شيئا في شعور الرجل الصالح بربه . فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلم هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة بذلك الواقع الصغير المنظور !

وهذه قيمة الإيمان بالله ، ومعرفته سبحانه هذا اللون من المعرفة . معرفة التجلي والشهود وملابسة قدرته وقدره ، وملامسة رحمته ورعايته ، وإدراك شأن الألوهية مع العبيد الصالحين .

إن هذه الكلمات : ( وأعلم من الله ما لا تعلمون )تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها . وتعرض مذاقا يعرفه من ذاق مثله ، فيدرك ماذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب . .

والقلب الذي ذاق هذا المذاق لا تبلغ الشدائد منه - مهما بلغت - إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق ! ولا نملك أن نزيد . ولكننا نحمد الله على فضله في هذا ، وندع ما بيننا وبينه له يعلمه سبحانه ويراه . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (86)

قوله تعالى : " قال إنما أشكو بثي " حقيقة البث في اللغة ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة التي لا يتهيأ له أن يخفيها ، وهو من بثثته أي فرقته ، فسميت المصيبة بثا مجازا ، قال ذو الرمة :

وقفت على ربع لِمَيَّةَ ناقتي*** فما زلت أبكي عنده وأخاطبه

وأسقيه{[9247]} حتى كاد مما أبُثُّه*** تكلمنِي أحجارُه وملاعبُه

وقال ابن عباس : " بثي " همي . الحسن : حاجتي . وقيل : أشد الحزن ، وحقيقة ما ذكرناه . " وحزني إلى الله " معطوف عليه ، أعاده بغير لفظه . " وأعلم من الله ما لا تعلمون " أي أعلم أن رؤيا يوسف صادقة ، وأني سأسجد له . قاله ابن عباس . إني أعلم من إحسان الله تعالى إلى ما يوجب حسن ظني به . وقيل : قال يعقوب لملك الموت هل قبضت روح يوسف ؟ قال : لا ، فأكد هذا رجاءه . وقال السدي : أعلم أن يوسف حي ، وذلك أنه لما أخبر ولده بسيرة الملك وعدله خلفه وقوله أحست نفس يعقوب أنه ولده فطمع ، وقال : لعله يوسف . وقال : لا يكون في الأرض صديق إلا نبئ . وقيل : أعلم من إجابة دعاء المضطرين ما لا تعلمون{[9248]} .


[9247]:أسقيه أدعو له بالسقيا.
[9248]:من و و ي.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (86)

قوله : { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ } البث ، هو أشد الحزن ، كأنه لفرط شدته لا يطاق ولا يحتمل . والمعنى : أنني لا أشكو همومي وأحزاني إلى أحد سوى الله . بل إنني أشكو همي البالغ وحزني العميق إلى الله وحده { وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أرجوا من الله كل خير ؛ فغني لأظن أن رؤيا يوسف لن تمضي عبثا بل سيكون لها عظيم التأويل وكبير الشأن عندما يضار إلى استبانة معناها فتتجلى لنا الرحمة من الله الذي لا يقنط منه غير الخاسرين{[2283]} .


[2283]:تفسير ابن كثير جـ 6 ص 488 والبحر المحيط جـ 5 ص 334.