ولا يكتفي السياق بتقرير المبدأ ، بل يأخذ في استعراض ألوان الوشائج والمطامع واللذائذ ؛ ليضعها كلها في كفة ويضع العقيدة ومقتضياتها في الكفة الأخرى : الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة [ وشيجة الدم والنسب والقرابة والزواج ] والأموال والتجارة [ مطمع الفطرة ورغبتها ] والمساكن المريحة [ متاع الحياة ولذتها ] . . وفي الكفة الأخرى : حب الله ورسوله وحب الجهاد في سبيله . الجهاد بكل مقتضياته وبكل مشقاته . الجهاد وما يتبعه من تعب ونصب ، وما يتبعه من تضييق وحرمان ، وما يتبعه من ألم وتضحية ، وما يتبعه من جراح واستشهاد . . وهو - بعد هذا كله - " الجهاد في سبيل الله " مجردا من الصيت والذكر والظهور . مجردا من المباهاة ، والفخر والخيلاء . مجردا من إحساس أهل الأرض به وإشارتهم إليه وإشادتهم بصاحبه . وإلا فلا أجر عليه ولا ثواب . .
( قل : إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ، وتجارة تخشون كسادها ، ومساكن ترضونها ، أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله . . فتربصوا حتى يأتي الله بأمره . . . )
ألا إنها لشاقة . ألا وإنها لكبيرة . ولكنها هي ذاك . . وإلا :
( فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ) .
( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) . .
وهذا التجرد لا يطالب به الفرد وحده ، إنما تطالب به الجماعة المسلمة ، والدولة المسلمة . فما يجوز أن يكون هناك اعتبار لعلاقة أو مصلحة يرتفع على مقتضيات العقيدة في الله ومقتضيات الجهاد في سبيل الله .
وما يكلف الله الفئة المؤمنة هذا التكليف ، إلا وهو يعلم أن فطرتها تطيقه - فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها - وإنه لمن رحمة الله بعباده أن أودع فطرتهم هذه الطاقة العالية من التجرد والاحتمال ؛ وأودع فيها الشعور بلذة علوية لذلك التجرد لا تعدلها لذائذ الأرض كلها . . لذة الشعور بالاتصال بالله ، ولذة الرجاء في رضوان الله ، ولذة الاستعلاء على الضعف والهبوط ، والخلاص من ثقلة اللحم والدم ، والارتفاع إلى الأفق المشرق الوضيء . فإذا غلبتها ثقلة الأرض ففي التطلع إلى الأفق ما يجدد الرغبة الطامعة في الخلاص والفكاك .
لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه والرجل لزوجته : إنا قد أمرنا بالهجرة ، فمنهم من تسارع لذلك ، ومنهم من أبى أن يهاجر ، فيقول : والله لئن لم تخرجوا إلى دار الهجرة لا أنفعكم ولا أنفق عليكم شيئا أبدا . ومنهم من تتعلق به امرأته وولده ويقولون له : أنشدك بالله ألا تخرج فنضيع بعدك ، فمنهم من يرق فيدع الهجرة ويقيم معهم ، فنزلت " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان " . يقول : إن اختاروا الإقامة على الكفر بمكة على الإيمان بالله والهجرة إلى المدينة . " ومن يتولهم منكم " بعد نزول الآية " فأولئك هم الظالمون " . ثم نزل في الذين تخلفوا ولم يهاجروا : " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم " وهي الجماعة التي ترجع إلى عقد واحد كعقد العشرة فما زاد ، ومنه المعاشرة وهي الاجتماع على الشيء . " وأموال اقترفتموها " يقول : اكتسبتموها بمكة . وأصل الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره . " وتجارة تخشون كسادها " قال ابن المبارك : هي البنات والأخوات إذا كسدن في البيت لا يجدن لهن خاطبا . قال الشاعر :
كَسَدْنَ من الفقر في قومهن*** وقد زادهن مقامي كسودا
" ومساكن ترضونها " يقول : ومنازل تعجبكم الإقامة فيها . " أحب إليكم من الله ورسوله من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة . " وأحب " خبر كان . ويجوز في غير القرآن رفع " أحب " على الابتداء والخبر ، واسم كان مضمر فيها . وأنشد سيبويه :
إذا مِتُّ كان الناس صنفان : شامتٌ*** وآخر مُثْنٍ بالذي كنت أصنع{[7888]}
هي الشفاء لدائي لو ظفرتُ بها *** وليس منها شفاءُ الداء مبذول{[7889]}
وفي الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله ، ولا خلاف في ذلك بين الأمة ، وأن ذلك مقدم على كل محبوب . وقد مضى في " آل عمران{[7890]} " معنى محبة الله تعالى ومحبة رسوله . " وجهاد في سبيله فتربصوا " صيغته صيغة أمر ومعناه التهديد . يقول : انتظروا . وفي قوله : " وجهاد في سبيله " دليل على فضل الجهاد ، وإيثاره على راحة النفس وعلائقها بالأهل والمال . وسيأتي فضل الجهاد في آخر السورة . وقد مضى من أحكام الهجرة في " النساء{[7891]} " ما فيه كفاية ، والحمد لله . وفي الحديث الصحيح ( إن الشيطان قعد لابن آدم ثلاث مقاعد قعد له في طريق الإسلام ، فقال : لِمَ تذر دينك ودين آبائك ؟ فخالفه وأسلم وقعد له في طريق الهجرة فقال له : أتذر مالك وأهلك فخالفه وهاجر ثم قعد في طريق الجهاد فقال له : تجاهد فتقتل فينكح أهلك ويقسم مالك فخالفه وجاهد فحق على الله أن يدخله الجنة ) . وأخرجه النسائي من حديث سبرة بن أبي فاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الشيطان . . . ) فذكره . قال البخاري : ( ابن الفاكه ) ولم يذكر فيها اختلافا . وقال ابن أبي عدي : يقال ابن الفاكه وابن أبي الفاكه . انتهى .
وتوعد الله أيضا من يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة ، أو الذي يؤثر أهله وماله وأقرباءه ليحيد بذلك عن منهج الله وعن صراطه المبين ، صراط الإسلام الحكيم ؛ فقال سبحانه : { قل إن كان آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله } يعني إن كانت هذه الأشياء وهي الأقارب والخلان وما كسبتموه من أموال وتجارة ومنازل فاخرة { أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله } أي إن كنتم تفضلون هذه الأشياء على الله ورسوله ، فتحيدون عن الهجرة إلى دار الإسلام ، وتؤثرون البقاء في دار الحرب والركون فيها للمشركين ، وتأبون أن تجاهدوا في سبيل الله إعلاء شأن الاسلام { فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } أي انتظروا ما يحل بكم من العقاب والنكال في الدنيا والآخرة ، جزاء تفريطكم في حق الله . والله جل وعلا لا يجعل التوفيق والهداية للناكبين عن دينه الخارجين عن طاعته إلى عصيانه . وهو قوله : { لا يهدي القوم الفاسقين } .
وفي هذه الكلمات الربانية المؤثرة تركيز بالغ على قضية الموالاة وهي المناصرة ؛ فما يجوز بحال أن تكون الموالاة من المسلمين للكافرين ، وإنما يوالي المسلمون إخوتهم في الدين والعقيدة دون غيرهم من الكافرين . والأصل في ذلك أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ؛ فإنه لا يوالي الكافرين أو يناصرهم بالإسلام الدوائر والبلايا . فأنى لامرئ مسلم تستكن في قلبه أثارة من إيمان أو إخلاص أو صدق مع الله ، يوالي الكافرين ويناصرهم ويميل بقلبه وحسه ومشاعره إليهم ليحبهم ويهواهم من دون المسلمين ؟ ! لا شك أن ذلكم فسق عن دين الله ، أو تجاوز مفرط يولج الخائرين الخاسرين من ضعاف القلوب والهمم دار البوار .
روي الإمام أحمد بإسناده عن زهرة بن معبد عن جده قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال : والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ) فقال عمر : فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي ، فقال رسول الله : ( الآن يا عمر ) .
وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) .
وفي التنديد بالناكلين عن الجهاد في سبيل الله ، الجانحين للمنافع الدنيوية من بيع وزرع ونحوها روي الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم بأذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) {[1745]} .