في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلٗا} (50)

47

هؤلاء المجرمون الذين وقفوا ذلك الموقف كانوا يعرفون أن الشيطان عدولهم ، ولكنهم تولوه فقادهم إلى ذلك الموقف العصيب . فما أعجب أن يتولوا إبليس وذريته وهم لهم عدو منذ ما كان بين آدم وإبليس :

( وإذ قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه . أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ، وهم لكم عدو ، بئس للظالمين بدلا ) .

وهذه الإشارة إلى تلك القصة القديمة تجيء هنا للتعجيب من أبناء آدم الذين يتخذون ذرية إبليس أولياء من دون الله بعد ذلك العداء القديم .

واتخاذ إبليس وذريته أولياء يتمثل في تلبية دواعي المعصية والتولي عن دواعي الطاعة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلٗا} (50)

قوله تعالى : " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " تقدم في " البقرة " هذا مستوفى . قال أبو جعفر النحاس : وفي هذه الآية سؤال ، يقال : ما معنى " ففسق عن أمر ربه " ففي هذا قولان : أحدهما : وهو مذهب الخليل وسيبويه أن المعنى أتاه الفسق لما أمِر فعصى ، فكان سبب الفسق أمر ربه ، كما تقول : أطعمته عن جوع . والقول الآخر : وهو مذهب محمد بن قطرب أن المعنى : ففسق عن رد أمر ربه " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو " وقف عز وجل الكفرة على جهة التوبيخ بقوله : أفتتخذونه يا بني آدم وذريته أولياء وهم لكم عدو ، أي أعداء ، فهو اسم جنس . " بئس للظالمين بدلا " أي بئس عبادة الشيطان بدلا عن عبادة الله . أو بئس إبليس بدلا عن الله . واختلف هل لإبليس ذرية من صلبه ، فقال الشعبي : سألني رجل فقال هل إبليس زوجة ؟ فقلت : إن ذلك عرس لم أشهده ، ثم ذكرت قوله " أفتتخذونه وذريته أولياء " فعلمت أنه لا يكون ذرية إلا من زوجة فقلت : نعم . وقال مجاهد : إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات ، فهذا أصل ذريته . وقيل : إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفي اليسرى فرجا ، فهو ينكح هذا بهذا ، فيخرج له كل يوم عشر بيضات ، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة ، فهو يخرج وهو يطير ، وأعظمهم عند أبيهم منزلة أعظمهم في بني آدم فتنة ، وقال قوم : ليس له أولاد ولا ذرية ، وذريته أعوانه من الشياطين . قال القشيري أبو نصر : والجملة أن الله تعالى أخبر أن لإبليس اتباعا وذرية ، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم وهم أعداؤهم ، ولا يثبت عندنا كيفية في كيفية التوالد منهم وحدوث الذرية عن إبليس ، فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح .

قلت : الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البرقاني أنه خرج في كتابه مسندا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان وفرخ ) . وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه ، والله أعلم . قال ابن عطية : وقول " وذريته " ظاهر اللفظ يقتضي الموسوسين من الشياطين ، الذين يأتون بالمنكر ويحملون على الباطل . وذكر الطبري وغيره أن مجاهدا قال : ذرية إبليس الشياطين ، وكان يعدهم : زَلَنْبُور صاحب الأسواق ، يضع رايته في كل سوق بين السماء والأرض ، يجعل تلك الراية على حانوت أول من يفتح وآخر من يغلق . وثَبَر صاحب المصائب ، يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب ، والدعاء بالويل والحرب . والأعور صاحب أبواب الزنى . ومسوط{[10572]} صاحب الأخبار ، يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس فلا يجدون لها أصلا . وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يرفع وما لم يحسن موضعه ، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه . قال الأعمش : وإني ربما دخلت البيت فلم أذكر الله ولم أسلم ، فرأيت مطهرة ، فقلت : ارفعوا هذه وخاصمتهم ، ثم أذكر فأقول : داسم داسم أعوذ بالله منه زاد الثعلبي وغيره عن مجاهد : والأبيض ، وهو الذي يوسوس للأنبياء . وصخر وهو الذي اختلس خاتم سليمان عليه السلام . والولهان وهو صاحب الطهارة يوسوس فيها . والأقيس وهو صاحب الصلاة يوسوس فيها . ومرة وهو صاحب المزامير وبه يكنى . والهفاف يكون بالصحارى يضل الناس ويتيههم . ومنهم الغيلان . وحكى أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي في كتاب اللؤلئيات عن مجاهد : أن الهفاف هو صاحب الشراب ، ولقوس صاحب التحريش ، والأعور صاحب أبواب السلطان . قال : وقال الداراني : إن لإبليس شيطانا يقال له المتقاضي ، يتقاضى ابن آدم فيخبر بعمل كان عمله في السر منذ عشرين سنة ، فيحدث به في العلانية . قال ابن عطية : وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح ، وقد طول النقاش في هذا المعنى وجلب حكايات تبعد عن الصحة ، ولم يمر بي في هذا صحيح إلا ما في كتاب مسلم من أن للصلاة شيطانا يسمى خِنْزَب . وذكر الترمذي أن للوضوء شيطانا يسمى الولهان .

قلت : أما ما ذكر من التعيين في الاسم فصحيح ، وأما أن له أتباعا وأعوانا وجنودا فمقطوع به ، وقد ذكرنا الحديث الصحيح في أن له أولادا من صلبه ، كما قال مجاهد وغيره . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود : إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون فيقول الرجل منهم : سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث . وفي مسند البزار عن سلمان الفارسي قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته ) . وفي مسند أحمد بن حنبل قال : أنبأنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى الأشعري قال : إذا أصبح إبليس بث جنوده فيقول : من أضل مسلما ألبسته التاج ، قال : فيقول له القائل : لم أزل بفلان حتى طلق زوجته ، قال : يوشك أن يتزوج . ويقول آخر : لم أزل بفلان حتى عق ، قال : يوشك أن يبر . قال ويقول القائل : لم أزل بفلان حتى شرب ، قال : أنت ، قال ويقول : لم أزل بفلان حتى زنى ، قال : أنت ، قال : ويقول : لم أزل بفلان حتى قتل ، قال : أنت أنت وفي صحيح مسلم عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول : فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال : ثم يجيء أحدهم فيقول : ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله ، قال : فيدنيه أو قال : فيلتزمه ويقول : نعم أنت ) . وقد تقدم . وسمعت شيخنا الإمام أبا محمد عبد المعطي بثغر الإسكندرية يقول : إن شيطانا يقال له البيضاوي يتمثل للفقراء المواصلين{[10573]} في الصيام ، فإذا استحكم منهم الجوع وأضر بأدمغتهم يكشف لهم عن ضياء ونور حتى يملأ عليهم البيوت فيظنون أنهم قد وصلوا ، وأن ذلك من الله وليس كما ظنوا .


[10572]:في جـ: وشوط.
[10573]:في جـ: المواظبين.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلٗا} (50)

ولما ذكر البعث وختمه{[46528]} بإحسانه بالعدل المثمر لإعطاء كل أحد ما يستحقه ، أتبعه - {[46529]}بما له من الفضل{[46530]} - بابتداء{[46531]} الخلق الذي هو دليله ، في سياق مذكر بولايته الموجبة للإقبال عليه ، وعداوة الشيطان الموجبة للإدبار عنه ، مبين لما قابلوا به عدله فيهم وفي عدوهم من الظلم {[46532]}بفعلهم كما فعل من التكبر على آدم عليه السلام بأصله ، فتكبروا على فقراء المؤمنين بأصلهم وأموالهم وعشائرهم ، فكان فعلهم فعله{[46533]} سواء ، فكان قدوتهم وهو عدوهم ، ولم يقتدوا بخير خلقه وهو وليهم وهم أعرف الناس به ، فقال تعالى عاطفاً على { واضرب } : { وإذ } أي واذكر لهم إذ { قلنا } {[46534]}بما لنا من العظمة{[46535]} { للملائكة } الذين هم أطوع شيء لأوامرنا وإبليس فيهم ، قال ابن كثير : وذلك أنه كان قد ترسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك ، ولهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة { اسجدوا لآدم } أبيهم{[46536]} نعمة منا عليه{[46537]} يجب عليهم شكرنا فيها { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس } فكأنه قيل : ما له لم يسجد ؟ فقيل : { كان } أي لأنه كان{[46538]} { من الجن } المخلوقين من نار ، ولعل النار لما{[46539]} كانت نيرة وإن كانت نورانيتها مشوبة بكدورة وإحراق ، عد من الملائكة لاجتماع العنصرين في مطلق النور ، مع ما كان غلب عليه من العبادة ، فقد روى مسلم في صحيحه{[46540]} عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان - وفي رواية : إبليس - من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم " {[46541]}وفي مكائد الشيطان لابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الجن كانت قبيلة من الملائكة{[46542]} .

ولما كان أكثر الجن مفسداً ، رجوعاً إلى الأصل{[46543]} الذي هو النار المحرقة لما لاصقها ، المفسدة له ، سبب فسقه عن كونه منهم فقال تعالى : { ففسق } أي خرج ، يقال : فسقت الفأرة من جحرها - إذا خرجت للعيث{[46544]} والفساد . { عن أمر ربه } أي سيده ومالكه المحسن إليه بإبداعه ، وغير ذلك من اصطناعه ، في شأن أبيكم ، إذ تكبر عليه فطرده ربه من أجلكم ، فلا تستنوا به في الافتخار والتكبر على الضعفاء ، {[46545]}فإن من كانت{[46546]} خطيئته في كبر لم يكن صلاحه مرجواً ، ومن كانت خطيئته في معصية كان صلاحه مرجواً ، ثم سبب عن هذا ما هو جدير بالإنكار فقال تعالى في أسلوب الخطاب لأنه أدل على تناهي الغضب وأوجع في التبكيت ، والتكلم لأنه أنص على المقصود من التوحيد{[46547]} : { أفتتخذونه } أي أيفسق باستحقاركم فيطرده لأجلكم{[46548]} {[46549]}فيكون ذلك سبباً لأن تتخذوه{[46550]} { وذريته } شركاء لي { أولياء } لكم { من دوني } {[46551]}أي {[46552]}اتخاذاً مبتدئاً من غيري {[46553]}أو من أدنى{[46554]} رتبة من رتبتي ، ليعم الاتخاذ استقلالاً وشركة ، ولو كان المعنى : من دون - أي غير - اتخاذي ، لأفاد الاستقلال فقط ، ولو كان الاتخاذ مبتدئاً منه بأن كان هو الآمر به لم {[46555]}يكن ممنوعاً ، وأنا وليكم المفضل عليكم { وهم لكم } ولما كان بناء فعول للمبالغة ولا سيما وهو شبيه بالمغالاة في نحو القول ، أغنى عن صيغة الجمع فقال{[46556]} : { عدو } {[46557]}إشارة إلى أنهم في شدة العداوة على قلب واحد . ولما كان هذا الفعل أجدر شيء بالذم ، وصل به قوله تعالى : { بئس } وكان الأصل{[46558]} : لكم ، ولكنه{[46559]} أبرز هذا الضمير لتعليق الفعل بالوصف {[46560]}والتعميم{[46561]} فقال تعالى : { للظالمين بدلاً * } إذا استبدلوا من ليس لهم شيء من الأمر وهم لهم{[46562]} عدو بمن له الأمر كله وهو لهم ولي .


[46528]:سقط من ظ.
[46529]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46530]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46531]:من ظ ومد وفي الأصل: ما نبدا.
[46532]:العبارة من هنا إلى "الناس به" ساقطة من ظ.
[46533]:من مد، وفي الأصل: فعل.
[46534]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46535]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46536]:في ظ: أبيكم.
[46537]:زيد في الأصل: عليهم، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[46538]:زيد من ظ.
[46539]:زيد من ظ ومد.
[46540]:باب في أحاديث متفرقة – كتاب الزهد.
[46541]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46542]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46543]:من ظ ومد، وفي الأصل: الأرض.
[46544]:من ظ ومد، وفي الأصل: للبعث.
[46545]:العبارة من هنا إلى "صلاحه مرجوا" ساقطة من ظ.
[46546]:من مد وفي الأصل: كان.
[46547]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد إلا أنه ورد في ظ بعد "وهم لكم".
[46548]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد، إلا أنه ورد في ظ بعد "وهم لكم".
[46549]:في ظ: فتتخذونه.
[46550]:في ظ: فتتخذونه.
[46551]:العبارة من هنا إلى "لم يكن ممنوعا" ساقطة من ظ.
[46552]:زيد في مد: غيري.
[46553]:من مد، وفي الأصل: لادى.
[46554]:من مد، وفي الأصل: لادى.
[46555]:من مد، وفي الأصل: لمن.
[46556]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[46557]:العبارة من هنا إلى "قلب واحد" ساقطة من ظ.
[46558]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46559]:في ظ: إنما.
[46560]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46561]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46562]:في مد: له.