في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا} (37)

22

وتختم هذه الأوامر والنواهي المرتبطة بعقيدة التوحيد بالنهي عن الكبر الفارغ والخيلاء الكاذبة :

( ولا تمش في الأرض مرحا . إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) . .

والإنسان حين يخلو قلبه من الشعور بالخالق القاهر فوق عباده تأخذه الخيلاء بما يبلغه من ثراء أو سلطان ، أو قوة أو جمال . لو تذكر أن ما به من نعمة فمن الله ، وأنه ضعيف أمام حول الله ، لطامن من كبريائه ، وخفف من خيلائه ، ومشى على الأرض هونا لا تيها ولا مرحا .

والقرآن يحبه المتطاول المختال المرح بضعفه وعجزه وضآلته : ( إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) فالإنسان بجسمه ضئيل هزيل ، لا يبلغ شيئا من الأجسام الضخمة التي خلقها الله . إنما هو قوي بقوة الله ، عزيز بعزة الله ، كريم بروحه الذي نفخه الله فيه ، ليتصل به ويراقبه ولا ينساه .

ذلك التطامن والتواضع الذي يدعو إليه القرآن بترذيل المرح والخيلاء ، أدب مع الله ، وأدب مع الناس . أدب نفسي وأدب اجتماعي . وما يترك هذا الأدب إلى الخيلاء والعجب إلا فارغ صغير القلب صغير الاهتمامات . يكرهه الله لبطره ونسيان نعمته ، ويكرهه الناس لانتفاشه وتعاليه .

وفي الحديث : من تواضع لله رفعه فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير . ومن استكبر وضعه الله ، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير . حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا} (37)

الخُيَلاءُ والتجبُّر ، والمدح والتكّبُر - كل ذلك نتائجُ الغيبة عن الذكر ، والحجبة عن شهود الحقِّ ؛ " فإنَّ اللَّهَ إذا تجلَّى لشيءٍ خشع له " بذلك وَرَدَ الخبر . فأمَّا في حال حضورِ القلبِ واستيلاءِ الذكر وسلطان الشهود . فالقلبُ مُطْرِقٌ ، وحُكْمُ الهيبة غالِبٌ . ونعتُ المدحِ وصفةُ الزَّهْوِ وأسبابُ التفرقة- كل ذلك ساقط .

والناسُ - في الخلاص من صفة التكبر- أصنافٌ : فأصحابُ الاعتبار إِذْ عرفوا أنهم مخلوقونَ من نطفة أمشاج ، وما تحمله أبدانهم مما يترشح من مسامهم من بقايا طعامهم وشرابهم . . تعلو هِمَمُهم عن التضييق والتدنيق ، ويَبْعُدُ عن قلوبهم قيامُ أَخْطارٍ للأشياء ، ولا يخطر على داخلهم إلا ما يزيل عنهم التكبر ، وينزع عنهم لباس التجبُّر .

وأمَّا أرباب الحضور فليس في طلوع الحق إلا انخناس النَّفْس ، وفي معناه قالوا :

إذا ما بدا لي تَعاظَمْتُه *** فأصدر في حال من لم يرد

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا} (37)

قوله تعالى : { ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ( 37 ) كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ( 38 ) } ذلك نهي من الله لعباده عن المشي مرحا . و ( مرحا ) ، منصوب على الحال . والمرح معناه التكبر والبطر وشدة الخيلاء والتبختر في المشية{[2686]} ، وكل هذه الأوصاف لا ينبغي أن يتلبس بها خلق المسلم لكونها ذميمة يبغضها الله . وما يحب الله لعبده إلا أن يتسم بشيمة التواضع في مشيه وحديثه وسلوكه كله ؛ ليكون عند الله مرضيا مكرما . وفي الحديث : " من تواضع لله رفعه الله ؛ فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير . ومن استكبر وضعه الله ؛ فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير ، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير " . والاستكبار والخيلاء والبطر من أسوأ الأوضار الشخصية التي تشين الإنسان وتجعله في عداد المبغوضين والمقبوحين الذين تطوقهم اللعنة ويشتد عليهم من الله الغضب . لا جرم أن المستكبرين المتبخترين البطريين صائرون إلى أوخم العواقب من التعس والمقت في الدنيا والآخرة ؛ فهم في الدنيا تحيط بهم الكراهية والاستخفاف من الناس ، وفي الآخرة يصيرون إلى مثواهم المنتظر في جهنم .

وفي التنديد بالمتكبر المختال يقول الرسول ( ص ) : " بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما ؛ إذ خسف به الأرض ، فهو يتجلجل{[2687]} فيها إلى يوم القيامة " .

قوله : ( إنك لن تخرق الأرض ) لن تستطيع أن تنقب الأرض أو تجعل فيها خرقا بدوسك لها ووطئك عليها ( ولن تبلغ الجبال طولا ) ( طولا ) ، منصوب على المصدر في موضع الحال ؛ أي لن تساوي الجبال بطولك وقدرتك ، وأنت تتيه في مشيتك بطرا وخيلاء . ولكنك في حقيقتك عبد ضعيف تحيط بك ظواهر الضعف من كل جانب . فما ينبغي لإنسان هذا شأنه أن يستكبر أو يختال في الأرض مرحا وغرورا .


[2686]:- القاموس المحيط جـ1 ص 257.
[2687]:- يتجلجل في الأرض: يسيخ فيها. انظر مختار الصحاح ص 108.