في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ} (17)

17

( ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين ) . .

والطرائق هي الطبقات بعضها فوق بعض . أو وراء بعض . وقد يكون المقصود هنا سبع مدارات فلكية . أو سبع مجموعات نجمية كالمجموعة الشمسية . أو سبع كتل سديمية . والسدم - كما يقول الفلكيون - هي التي تكون منها المجموعات النجمية . . وعلى أية حال فهي سبع خلائق فلكية فوق البشر - أي إن مستواها أعلى من مستوى الأرض في هذا الفضاء - خلقها الله بتدبير وحكمة ، وحفظها بناموس ملحوظ : ( وما كنا عن الخلق غافلين ) . .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ} (17)

الحقُّ - سبحانه - لا يستتر عن رؤيته مُدْرَكٌ ، ولا تخفى عليه- من مخلوقاته - خافية . وإنما الحُجُبُ على أبصارِ الخَلْقَ وبصائرهم ؛ فالعادةُ جاريةٌ بأنه لا يخلق لنا الإدراك لِمَا وراء الحَجُبِ . وكذلك إذا حلَّتْ الغفلةُ القلوبَ استولى عليها الذهول ، وانسدَّت بصائرها ، وانتفت فهومها .

وفوقنا حُجُبٌ ظاهرة وباطنة ؛ ففي الظاهر السماواتُ حجبٌ تحول بيننا وبين المنازل العالية ، وعلى القلوب أغشية وأغطية كالمُنْية والشهوة ، والإرادات الشاغلة ، والغفلات المتراكمة .

أمَّا المريدون فإذا أَظَلَّتْهُم سحائب الفَتْرَةِ ، وسَكَنَ هيجانُ إرادتِهم فذلك من الطرائق التي عليهم .

وأما الزاهدون فإذا تحرّكَ بهم عِرْقُ الرغبة انْفَلَّتْ قوة زهدهم ، وضَعُفَتْ دعائمُ صَبْرِهم ، فَيَتَرَخَّصُون بالجنوحِ إلى بعض التأويلاتِ ، فتعودُ رغباتهم قليلاً قليلاً ، وتَخْتَلُّ رتبةُ عزوفهم ، وتَنْهَدُّ دعائم زهدهم ، وبداية ذلك من الطرائق التي خَلَقَ فوقهم .

وأما العارفون فربما تِظِلُّهم في بعض أحايينهم وَقفةٌ في تصاعد سرِّهم إلى ساحات الحقائق ، فيصيرون مُوقَفِين ريثما يتفضّلُ الحقُّ - سبحانه - عليهم بكفاية ذلك فيجدون نفاذاً ، ويرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق .

وفي جميع هذا فإِنَّ الحقَّ سبحانه غيرُ غافلٍ عن الخلقِ ، ولا تاركٍ للعِباد .