في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا} (4)

وبعد عرض هذا التطاول على مقام الخالق جل وعلا ، يعرض تطاولهم على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويرد عليه عقب عرضه بما يظهر سخفه وكذبه :

وقال الذين كفروا : إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون . فقد جاءوا ظلما وزورا . وقالوا : أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا . قل : أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ، إنه كان غفورا رحيما . .

وأكذب شيء أن يقول كفار قريش هذه المقالة ، وهم يوقنون في أنفسهم أنها الفرية التي لا تقوم على أساس . فما يمكن أن يخفى على كبرائهم الذين يلقنونهم هذا القول أن القرآن الذي يتلوه عليهم محمد [ صلى الله عليه وسلم ] شيء آخر غير كلام البشر ؛ وهم كانوا يحسون هذا بذوقهم في الكلام ؛ وكانوا لا يملكون أنفسهم من التأثر بالقرآن . ثم هم كانوا يعلمون عن محمد قبل البعثة أنه الصادق الأمين الذي لا يكذب ولا يخون . فكيف به يكذب على الله وينسب إليه قولا لم يقله ?

ولكنه العناد والخوف على مراكزهم الاجتماعية المستمدة من سيادتهم الدينية ، كان يجنح بهم إلى هذه المناورات يطلقونها في وسط جمهور العرب ، الذين قد لا يميزون بين الكلام ، ولا يعرفون درجته : ( إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ) . قيل : إنهم عبيد أعاجم ثلاثة أو أكثر ، هم الذين كانوا يعنونهم بهذه المقالة . وهو كلام متهافت تافه لا يقف للجدل . فإن كان بشر يملك أن يفتري مثل هذا القرآن بمعاونة قوم آخرين ، فما يمسكهم هم عن الإتيان بمثله ، مستعينين بأقوام منهم ، ليبطلوا حجة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وهو يتحداهم به وهم عاجزون ? !

ومن ثم لا يجادلهم هنا ولا يناقشهم في هذا القول المتهافت ؛ إنما يدمغهم بالوصف البارز الثابت : فقد جاؤوا ظلما وزورا . . ظلما للحق ، ولمحمد ، ولأنفسهم ، وزورا واضح الكذب ظاهر البطلان .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا} (4)

ولما قرر بالدليل القاطع الواضح صحة التوحيد وبطلان ضده قرر صحة الرسالة وبطلان قول من عارضها واعترضها فقال : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا

أي : وقال الكافرون بالله الذي أوجب لهم كفرهم أن قالوا في القرآن والرسول : إن هذا القرآن كذب كذبه محمد وإفك افتراه على الله وأعانه على ذلك قوم آخرون .

فرد الله عليهم ذلك بأن هذا مكابرة منهم وإقدام على الظلم والزور ، الذي لا يمكن أن يدخل عقل أحد وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول صلى الله عليه وسلم وكمال صدقه وأمانته وبره التام وأنه لا يمكنه ، لا هو ولا سائر الخلق أن يأتوا بهذا القرآن الذي هو أجل الكلام وأعلاه وأنه لم يجتمع بأحد يعينه على ذلك فقد جاءوا بهذا القول ظلما وزورا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا} (4)

قوله تعالى : { وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا ( 4 ) وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ( 5 ) قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما ( 6 ) } المراد بالذين كفروا النضر بن الحارث . هذا الشقي الكفور الذي كان يتصدى لرسول الله ( ص ) وقرآنه المجيد ، بما كان يثيره من الأقاويل والأباطيل والافتراءات . فقد كان النضر بن الحارث وأتباعه من المعاندين يختلقون الأكاذيب عن نبي الله ليثنوا عنه العرب ، وليثيروا في نفوسهم الريبة فيما أنزل الله إليه من الآيات . فكانوا يقولون ( إن هذا إلا إفك افتراه ) والإفك ، أسوأ الكذب ؛ أي ما هذا القرآن إلا أكاذيب اختلقها محمد من عنده ! !

قوله : ( وأعانه عليه قوم آخرون ) أي استعان محمد ( ص ) على الإتيان بهذا القرآن بقوم آخرين من اليهود علموه أخبار السابقين . وقيل : المراد بقوم آخرين بعض الموالي والمستضعفين من غير العرب مثل عدّاس ، مولى حويطب بن عبد العزى وغيره من الكتابيين الذين كانوا يقرأون التوراة ثم أسلموا .

قوله : ( فقد جاءوا ظلما وزورا ) الضمير يرجع إلى الذين كفروا ، هؤلاء الطغاة المعاندون الأشقياء الذين يهرفون بالباطل والكذب مما ليس لهم فيه أدنى برهان ، إنه افتراء واختلاق وزور تتقيؤه حناجر المجرمين التاعسين الضالعين في التعس والرجس ، كالنضر وأمثاله من الشياطين في كل زمان . وهم يعلمون أنهم مبطلون كاذبون . فقال سبحانه في دفع مقالتهم : ( فقد جاءوا ظلما وزورا ) ذلك تنديد من الله بالغ بمقالة هؤلاء الأفاكين ، ودفع لما قالوه وافتروه بأنه ظلم وزور . أما الظلم : فهو وضع الشيء في غير موضعه ؛ فقد جعلوا العربي يتلقن من العجمي كلاما فذا بالغ الفصاحة ، نكص دونه العلماء والعظماء من العرب ؛ فأنى للأعاجم أن يصنعوا مثله ؟ .

وأما الزور : فقد بهتوا رسول الله ( ص ) بما ليس فيه وهم يعلمون أن محمدا ( ص ) كان في غاية الصدق والأمانة والبراءة والرحمة والبر ؛ فقد لبث فيهم أربعين سنة قبل بعثه حتى سموه لفرط صدقه وبره واستقامته : الأمين .