في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا} (98)

وتختم السورة بمشهد يتأمله القلب طويلا ، ويرتعش له الوجدان طويلا ؛ ولا ينتهي الخيال من استعراضه

( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ? ) .

وهو مشهد يبدؤك بالرجة المدمرة ، ثم يغمرك بالصمت العميق . وكأنما يأخذ بك إلى وادي الردى ، ويقفك على مصارع القرون ؛ وفي ذلك الوادي الذي لا يكاد يحده البصر ، يسبح خيالك مع الشخوص التي كانت تدب وتتحرك ، والحياة التي كانت تنبض وتمرح . والأماني والمشاعر التي كانت تحيا وتتطلع . . ثم إذا الصمت يخيم ، والموت يجثم ، وإذا الجثث والأشلاء والبلى والدمار ، لا نأمة . لا حس . لا حركة . لا صوت . . ( هل تحس منهم من أحد ? )انظر وتلفت ( هل تسمع لهم ركزا )تسمع وأنصت . ألا إنه السكون العميق والصمت الرهيب . وما من أحد إلا الواحد الحي الذي لا يموت .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا} (98)

{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ } من قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وفرعون ، وغيرهم من المعاندين المكذبين ، لما استمروا في ظغيانهم ، أهلكهم الله فليس لهم من باقية .

{ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا } والركز : الصوت الخفي ، أي : لم يبق منهم عين ولا أثر ، بل بقيت أخبارهم عبرة للمعتبرين ، وأسمارهم عظة للمتعظين .

تم تفسير سورة مريم ، ولله الحمد والشكر .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا} (98)

قوله تعالى : " وكم أهلكنا قبلهم من قرن " أي من أمة وجماعة من الناس يخوف أهل مكة . " هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا " في موضع نصب ، أي هل ترى منهم أحدا وتجد " أو تسمع لهم ركزا " أي صوتا ، عن ابن عباس وغيره : أي قد ماتوا وحصلوا أعمالهم . وقيل : حِسًّا . قاله ابن زيد . وقيل : الركز ما لا يفهم من صوت أو حركة . قاله اليزيدي وأبو عبيدة ، كركز الكتيبة ، وأنشد أبو عبيدة بيت لبيد :

وتَوَجَّسَتْ ركزَ الأنيس فراعها *** عن ظَهْرِ غيبٍ والأنيس سَقَامُهَا{[10986]}

وقيل : الصوت الخفي ، ومنه : رَكَزُ الرمح إذا غيب طرفه في الأرض وقال طرفة :

وصادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّرَى *** لِرِكْزٍ خَفِيٍّ أو لصوتٍ مُنَدَّدِ{[10987]}

وقال ذو الرمة يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلاب :

إذا تَوَجَّسَ رِكْزاً مقفِرٌ نَدِسٌ *** بِنبأةِ الصوت ما في سمعه كذب

أي ما في استماعه كذب ، أي : هو صادق الاستماع . والنَّدِسُ الحاذق ، يقال : نَدِسٌ ونَدُس ، كما يقال : حَذِرٌ وحَذُرٌ ويقِظٌ ويَقُظٌ ، والنَّبْأَةُ : الصوت الخفي ، وكذلك الرِّكز والرِّكازُ : المال المدفون . والله تعالى أعلم بالصواب .


[10986]:توجست: تسمعت البقرة صوت الناس فأفزعها ولم تر الناس. والأنيس سقامها معناه: والأنيس هلاكها: أي يصيدها.
[10987]:يصف طرفة في هذا البيت أذني ناقته ، يعني أذنيها لا تكذبها النبأة. والمندد صفة للصوت، والصوت المندد المبالغ في النداء. ويروى: "لصوت مندد" بالإضافة وكسر الدال، والأولى هي الرواية الجيدة.