في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا} (7)

ثم يستطرد في عرض مقولاتهم عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واعتراضاتهم الجاهلة على بشريته ، واقتراحاتهم المتعنتة على رسالته :

( وقالوا : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ? لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ! أو يلقى إليه كنز ، أو تكون له جنة يأكل منها . وقال الظالمون : إن تتبعون إلا رجلا مسحورا . انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا . تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك : جنات تجري من تحتها الأنهار ، ويجعل لك قصورا ) . .

ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ? ما له بشرا يتصرف تصرفات البشر ? إنه الاعتراض المكرور الذي رددته البشرية عن كل رسول ! كيف يمكن أن يكون فلان ابن فلان ، المعروف لهم ، المألوف في حياتهم ، الذي يأكل كما يأكلون ، ويعيش كما يعيشون . . كيف يمكن أن يكون رسولا من عند الله يوحى إليه ? كيف يمكن أن يتصل بعالم آخر غير عالم الأرض يتلقى عنه ? وهم يرونه واحدا منهم من لحم ودم . وهم لا يوحى إليهم ، ولا يعرفون شيئا عن ذلك العالم الذي يأتي منه الوحي لواحد منهم ، لا يتميز في شيء عنهم .

والمسألة من هذا الجانب قد تبدو غريبة مستبعدة . ولكنها من الجانب الآخر تبدو طبيعية مقبولة . . لقد نفخ الله من روحه في هذا الإنسان ، وبهذه النفخة الإلهية تميز وصار إنسانا ، واستخلف في الأرض . وهو قاصر العلم ، محدود التجربة ، ضعيف الوسيلة ، وما كان الله ليدعه في هذه الخلافة دون عون منه ، ودون هدي ينير له طريقه . وقد أودعه الاستعداد للإتصال به عن طريق تلك النفخة العلوية التي ميزته . فلا عجب أن يختار الله واحدا من هذا الجنس ؛ صاحب استعداد روحي للتلقي ؛ فيوحي إليه ما يهدي به إخوانه إلى الطريق كلما غام عليهم الطريق ، وما يقدم به إليهم العون كلما كانوا في حاجة إلى العون .

إنه التكريم الإلهي للإنسان يبدو في هذه الصورة العجيبة من بعض جوانبها ، الطبيعية من البعض الآخر . ولكن الذين لا يدركون قيمة هذا المخلوق ، ولا حقيقة التكريم الذي أراده الله له ، ينكرون أن يتصل بشر بالله عن طريق الوحي ؛ وينكرون أن يكون واحد من هؤلاء البشر رسولا من عند الله . يرون الملائكة أو لي بهذا وأقرب : ( لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) . والله قد أسجد الملائكة للإنسان بما أودعه من الخصائص الفائقة ، الناشئة من النفخة العلوية الكريمة .

وإنها الحكمة الإلهية كذلك تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر . واحد من البشر يحس إحساسهم ، ويتذوق مواجدهم ، ويعاني تجاربهم ، ويدرك آلامهم وآمالهم ، ويعرف نوازعهم وأشواقهم ، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم . . ومن ثم يعطف على ضعفهم ونقصهم ، ويرجو في قوتهم واستعلائهم ، ويسير بهم خطوة خطوة ، وهو يفهم ويقدر بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم ، لأنه في النهاية واحد منهم ، يرتاد بهم الطريق إلى الله ، بوحي من الله وعون منه على وعثاء الطريق !

وهم من جانبهم يجدون فيه القدوة الممكنة التقليد ، لأنه بشر منهم ، يتسامى بهم رويدا رويدا ؛ ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أن الله قد فرضها عليهم ، وأرادها منهم ؛ فيكون هو بشخصه ترجمة حية للعقيدة التي يحملها إليهم . وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم ينقلونها سطرا سطرا ، ويحققونها معنى معنى ، وهم يرونها بينهم ، فتهفو نفوسهم إلى تقليدها ، لأنها ممثلة في إنسان ؛ ولو كان ملكا ما فكروا في عمله ولا حاولوا أن يقلدوه ؛ لأنهم منذ البدء يشعرون أن طبيعته غير طبيعتهم ، فلا جرم يكون سلوكه غير سلوكهم على غير أمل في محاكاته ، ولا شوق إلى تحقيق صورته !

فهي حكمة الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا . هي حكمة الله البالغة أن جعل الرسول بشرا ليؤدي دوره على قيادة البشر . والاعتراض على بشرية الرسول جهل بهذه الحكمة . فوق ما فيه من جهل بتكريم الله للإنسان !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا} (7)

مطاعن المشركين في محمد صلى الله عليه وسلم

التفسير :

7 – { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا } .

تشير كتب السيرة والتفسير ، مثل تفاسير الألوسي والقرطبي والطبري وغيرها ، عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة ، وأبا سفيان بن حرب ، والنضر بن الحارث وغيرهم من وجوه قريش ، اجتمعوا وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فعرضوا عليه الملك أو الرئاسة أو السيادة أو ما يشاء نظير أن يترك دعوته ، فأخبرهم أنه لا يريد شيئا من ذلك ، ولكن الله بعثه رسولا ، وأنزل عليه كتابا ، وأمره الله أن يدعوهم إلى الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر ، وأن يبشرهم بالجنة إن أطاعوا ، وينذرهم بالنار إن عصوا .

فقالوا : يا محمد ، إن كنت غير قابل شيئا مما عرضناه عليك ، فسل لنفسك ، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك ، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا من ذهب وفضة تغنيك عما تبتغي ، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك ، إن كنت رسولا كما تزعم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا ) . فأنزل الله تعالى : { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ . . . }

وهذه الآيات بما فيها من مطالب مادية ، تكررت في القرآن الكريم ، وتشير إلى تعنت المشركين ، واستكثارهم أن يشاهدوا رجلا مثلهم ، يأكل كما يأكلون ويشرب كما يشربون ، ويمشي في الأسواق ويتكسب للمعاش ، ثم ينزل عليه وحي السماء ، استكثروا هذا وما علموا أنها إرادة الله في أن يكون الرسول بشرا يعيش كما يعيش الناس ، ويتعرض لطلب الطعام ، والمشي في الأسواق ، وتكسب المال ، ثم ينهض بواجب الدعوة إلى الله في مكة ، متعرضا لصنوف الاضطهاد والعذاب ، ثم يرحل إلى المدينة ويؤسس دولة الإسلام ، ويقود غزوات ناجحة ، وتأتيه الغنائم فيوزعها ، ويفضل أن يعيش كما تعيش جماهير الأمة ، رسولا عبدا وليس نبيا ملكا ، حتى تتحقق فيه القدوة والأسوة ، ويقتدي به الفقراء والأغنياء وسائر الخلق أجمعين .

{ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا } .

أي : قال المشركون : أي سبب جعل هذا الذي يزعم أنه رسول يأكل الطعام كما نأكل ، ويمشي في الأسواق ساعيا على رزقه كما نسعى ، فلو كان رسولا من عند ربه لميزه علينا ، فهلا ميزه بأن ينزل عليه ملك ينذر المكذبين به ، ليجعلنا مطمئنين إلى إرساله إلينا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا} (7)

قوله تعالى : ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ( 7 ) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ( 8 ) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيل ( 9 ) ا تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ( 10 ) بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب الساعة سعيرا ( 11 ) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ( 12 ) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ( 13 ) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ( 14 ) ) الضمير في ( وقالوا ) عائد إلى المشركين من أهل مكة فقد سألوا- على سبيل الاستهزاء والتهكم- ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) ( ما ) ، استفهامية في محل رفع مبتدأ . والجار والمجرور بعدها في محل رفع خبر المبتدأ . و ( يأكل ) ، جملة فعلية حالية . وقد كتبت لام الجر مفصولة من مجرورها ، وهو خارج عن قياس الخط{[3301]} . على أن استفهام المشركين مستهجن يهذي به الظالمون السفهاء ، وهم يحفزهم إلى ذلك عتادهم وضلالتهم وهوان أحلامهم ؛ إذ قالوا لرسول الله : ما لك وأنت مرسل من ربك تأكل الطعام وتقف بالأسواق متجرا ملتمسا المعاش والرزق ؟ وتسميتهم له بالرسول ليس عن تصديق ؛ بل على سبيل التهكم والسخرية . فقد قالوا : إن كان حقا نبيا ، فما له يأكل الطعام كما نأكله نحن ، ويتردد في الأسواق من أجل العمل والاتجار كما نعمل ونتّجر ؛ أي لزم أن يكون ملكا من الملائكة ، ليكون مستغنيا عن السعي وطلب الرزق وتحصيل المعاش . وهذا هو مقتضى قوله : ( لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) رجعوا عن اقتراحهم بكونه ملكا إلى كونه إنسانا معه ملك يعززه في الإنذار والتبليغ والتخويف .


[3301]:- الدر المصون جـ8 ص 458.