هؤلاء الذين أسلموا لله من قبل ، ثم صدقوا بالقرآن بمجرد سماعه :
أؤلئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا . .
الصبر على الإسلام الخالص . إسلام القلب والوجه . ومغالبة الهوى والشهوة . والاستقامة على الدين في الأولى والآخرة . أولئك يؤتون أجرهم مرتين ، جزاء على ذلك الصبر ، وهو عسير على النفوس ، وأعسر الصبر ما كان على الهوى والشهوة والالتواء والانحراف . وهؤلاء صبروا عليها جميعا ، وصبروا على السخرية والإيذاء كما سبقت الرواية ، وكما يقع دائما للمستقيمين على دينهم في المجتمعات المنحرفة الضالة الجاهلة في كل زمان ومكان :
وهذا هو الصبر كذلك . وهو أشد مؤنة من مجرد الصبر على الإيذاء والسخرية . إنه الاستعلاء على كبرياء النفس ، ورغبتها في دفع السخرية ، ورد الأذى ، والشفاء من الغيظ ، والبرد بالانتقام ! ثم درجة أخرى بعد ذلك كله . درجة السماحة الراضية . التي ترد القبيح بالجميل وتقابل الجاهل الساخر بالطمأنينة والهدوء وبالرحمة والإحسان ؛ وهو أفق من العظمة لا يبلغه إلا المؤمنون الذين يعاملون الله فيرضاهم ويرضونه ، فيلقون ما يلقون من الناس راضين مطمئنين .
وكأنما أراد أن يذكر سماحة نفوسهم بالمال ، عقب ذكره لسماحة نفوسهم بالإحسان . فهما من منبع واحد : منبع الاستعلاء على شهوة النفس ، والاعتزاز بما هو أكبر من قيم الأرض . الأولى في النفس ، والثانية في المال . وكثيرا ما يردان متلازمين في القرآن .
54-{ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون }
هؤلاء المؤمنون بالقرآن والإسلام من أهل الكتاب يضاعف لهم الثواب ، ويؤتون أجرهم مرتين : الأولى : لإيمانهم بنبيهم موسى ، أو نبيهم عيسى ، وصبرهم على اتباع تعاليم اليهودية أو المسيحية ، والثانية : لإيمانهم بالقرآن ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم ودخولهم في الإسلام ، وصبرهم على الأذى ، واحتمالهم الإساءة ممن يعيرهم بذلك ، أو يعيب عليهم الدخول في الإسلام وقد مدحهم الله بما يأتي :
1- الثبات على الإيمان والصبر وتحمل تبعات الإيمان .
3- الإنفاق من النفس والمال والعلم وسائر ما رزقهم الله .
وقد وردت عدة روايات في تفسيري القرطبي وابن كثير ، وسيرة ابن إسحاق ، تفيد أن مجموعة من أهل الكتاب ، أو من علماء النصارى أو أحبار اليهود ، أو أصحاب النجاشي ، قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألوه عن هذا الدين ، ثم قرأ عليهم القرآن ففاضت عيونهم بالدمع ، ودخلوا في الإسلام ، واستجابوا لله وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره ، فلما قاموا من عند النبي صلى الله عليه وسلم بالمسجد الحرام بمكة ، اعتراضهم أبو جهل ووبخهم على ترك دينهم ، وتصديقهم محمدا ، فقالوا لأبي جهل ومن معه : سلام عليكم ، لا نجاهلكم ، لنا ما نحن عليه ، ولكم ما أنتم عليه ، وقد قيل : إنهم النفر النصارى من أهل نجران ، ونقل ابن إسحاق أنهم قدموا بمكة على رسول الله ، وكانوا عشرين رجلا أو قريبا من ذلك ، وأخرج ابن جرير أنهم كانوا عشرة من أهل الكتاب .
وفي تفسير ابن كثير : قال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية وما بعدها ، في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي . . فأسلموا ، وإذا تأملنا في هذه الروايات ، نقول : لعل حضور وفد من أهل الكتاب تكرر أكثر من مرة ، فحينا كان عشرة ، وحينا كان عشرين ، وحينا كان سبعين ، فذكرت كل رواية قصة وفد معين ، وعموما فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وقد ورد في صحيحي البخاري ومسلم روايات عديدة تفيد أن من آمن من أهل الكتاب بالإسلام فله أجران ، فعن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي ، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها ، فتزوجها )xx .
وروى أبو إمامة قال : إني لتحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ، فقال قولا حسنا جميلا ، و قال فيما قال : ( من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين ، وله ما لنا وعليه ما علينا )xxi .
قوله تعالى : { أولئك يؤتون أجرهم مرتين } لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ، { بما صبروا } على دينهم . قال مجاهد : نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا .
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أنبأنا أبو علي زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن حفص الجويني ، أنبأنا أحمد بن سعيد الدرامي ، أنبأنا عثمان ، أنبأنا شعبة ، عن صالح ، عن الشعبي ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها ، ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده " . قوله عز وجل : { ويدرؤون بالحسنة السيئة } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك ، قال مقاتل : يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو والمغفرة { ومما رزقناهم ينفقون } في الطاعة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.