( قلنا : اهبطوا منها جميعا . فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) .
وانتقلت المعركة الخالدة إلى ميدانها الأصيل ، وانطلقت من عقالها ما تهدأ لحظة وما تفتر . وعرف الإنسان في فجر البشرية كيف ينتصر إذا شاء الانتصار ، وكيف ينكسر إذا اختار لنفسه الخسار . . .
( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . .
{ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ألئك أصحاب النار هم فيها خالدون }
والآيات : مفردها آية وهي العلامة الظاهرة ، والمراد بها كل ما يدل على وجود الخالق ووحدانيته مما في الكون ومما نشاهده في الأنفس .
أصحاب النار : ملازموها فكأنهم ملكوها فصاروا أصحابها .
وهذه الآية معطوفة على ما قبلها . فمن اتبع الهدى فله الفوز والنجاة .
ومن كفر بآيات الله وكذب بالقرآن وجحد أدلة الربوبية والألوهية وعتا واستكبر فهم ملازم النار خالدا فيها جزاء كفره وعناده .
1- التحذير من المعصية ، فهي طريق الشر والغواية .
2- الدعوة إلى التوبة والهداية .
3- فضل الله الإنسان بالعلم فكلما زاد علمه كان جديرا بخلافة الأرض .
4- المسئولية فردية فمن أخطأ استحق العقاب ومن أطاع أستحق الثواب ومن تاب تاب الله عليه .
وفي القصة دعوة الإيمان بالغيب والتسليم ، وانحناء أمام قدرة الله ، والإيمان بالنصوص كما وردت ، وتفويض المراد منها إلى الله تعالى ، يقول الأستاذ سيد قطب :
فأين الذي كان ؟ وما الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينا من الزمان ؟ ومن هم الملائكة ؟ ومن هو إبليس ؟ كيف الله تعالى ؟ وكيف أجابوه ؟ .
هذا وأمثاله في القرآن الكريم غيب من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه ، وعلم بحكمته أن لا جدوى للبشر في معرفة كنهه وطبيعته ، فلم يهب لهم القدرة على إدراكه والإحاطة به بالأداة التي وهبهم إياها لخلافة الأرض ، وليس من مستلزمات الخلافة أن نطلع على الغيب ( 97 ) .
إن أبرز إيحاءات قصة آدم هو أن الإنسان سيد في هذا الأرض ، ومن أجله خلق كل شيء فيها ، فهو إذن أعز وأكرم وأغلى من كل شيء مادي ، ومن كل قيمة مادية ، ولا يجوز إذن أن يستعبد أو يستذل لقاء توفير قيمة مادية ، فهذه الماديات كلها مخلوقة من أجله ، من أجل تحقيق إنسانيته . فالإنسان مخلوق ليكون خليفة الله في الأرض .
وقد رفع الإسلام من شأن الإرادة في الإنسان ، فهي مناط العهد مع الله ، وهي مناط التكليف والجزاء ، إنه يملك الارتفاع على مقام الملائكة ، بحفظ عهده مع ربه ، عن طريق تحكيم إرادته وعدم الخضوع لشهواته ، والاستعلاء على الغواية التي توجه إليه ( 98 ) . بينما يستطيع الإنسان أن يشقى الإنسان أن يشقى نفسه بتغليب الشهوة على الإرادة ونسيان عهده مع الله .
ذلك وحي قصة آدم خليفة الله في أرضه ( ومفرق الطريق في عهد آدم مع ربه ، إنه إما أن يسمع ويطيع لما يتلقاه من الله وإما أن يسمع لما يمليه عليه الشيطان وليس هناك طريق ثالت .
إما الهدى وإما الضلال ، إما الحق وإما الباطل ، إما الفلاح وإما الخسران ، وهذه الحقيقة هي التي يعبر عنها القرآن كله بوصفها الحقيقة الأولى التي تقوم عليها سائر التصورات . وسائر الأوضاع في عالم الإنسان ) ( 99 ) .
ولما بشر المؤمنين الذين {[1965]}اتبعوا الهدى{[1966]} أتبعه إنذار الكافرين{[1967]} الذين نابذوه{[1968]} بقوله : { والذين كفروا{[1969]} } قال الحرالي : هذا من أسوأ{[1970]} الكفر لأنه كفر بالآيات التي جعلها الله عز وجل علماً{[1971]} على غيب عهده وهي{[1972]} ما تدركه جميع{[1973]} الحواس من السماء والأرض وما بينهما كما{[1974]} قال تعالى :
{ ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة{[1975]} }[ الشورى : 29 ] لأن الحق تعالى أظهر الكون كتابة{[1976]} دالة على أمره وجعل في العقل نوراً يُقرأ به كتابه{[1977]} ، فمن لا نور له فهو من أصحاب النار ، فهو إما تابع هدى بنور العقل وتنبيه الإيمان ، وإما صاحب نار ، فقال : { وكذبوا بآياتنا } لأنه لما كان من الذين كفروا بكتاب الخلق من تقبّل الإيمان بتنزيل الأمر اختصت كلمة العذاب بالذين تأكد كفرهم بالآيات المرئية{[1978]} بتكذيبهم بالآيات المنزلة ، فكفروا بما رأوا فكانوا عمياً ، وكذبوا بما سمعوا فكانوا صُمّاً - انتهى .
والمعنى أنهم جمعوا بالكفر والتكذيب بين إنكار القلوب{[1979]} والألسنة { أولئك } أي البُعَداء البغضاء { أصحاب النار } وبين اختصاصهم بالخلود بقوله : { هم فيها خالدون }{[1980]} فعليهم الخوف الدائم لما يأتي من أنكالها والحزن الدائم على فوات الجنة ، فالآية من الاحتباك{[1981]} ، انتفاء الخوف والحزن من الأول دال على وجودهما في الثاني ، ووجود النار في الثاني دال على انتفائها ووجود الجنة في الأول{[1982]} ، {[1983]}وقد علم{[1984]} من ذلك مع قوله { مستقر ومتاع إلى حين } أنه لا بد من رجوعهم إلى تلك الدار وكيف تكون منازلهم فيها ! فكأنه جواب سائل قال : هل بعد هذا الهبوط من صعود ؟ قال الحرالي : وقوله : { هم } فيه إشعار بإشراب العذاب بواطنهم وبلاغه إلى أنفسهم بعذاب الغم والحزن واليأس وغير ذلك من إحراق النار بواطنهم ، وفيه{[1985]} إشعار بكونهم فيها في الوقت الحاضر من حيث لا يشعرون{[1986]} " الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " والنار أقرب إلى أحدهم من شراك نعله . فهم فيها خالدون وإن لم يحسوا في الدنيا{[1987]} بحقيقتها ، كما أن المهتدين في جنة في الدني{[1988]} وإن لم يشهدوا عيانها ، فكل خالد فيما هو فيه في الدنيا غيباً وفي الآخرة عياناً وفي القبر عرضاً
{ لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين{[1989]} }[ التكاثر : 6 ، 7 ]
{ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً{[1990]} }[ غافر : 46 ] وهنا انتهى خطاب الفرقان المخصوص بدعوة العرب الذين هم رأس{[1991]} أهل الدعوة المحمدية صلى الله عليه وسلم : " الناس كلهم تبع لقريش ، مؤمنهم لمؤمنهم ، وكافرهم لكافرهم " انتهى . يعني فهم المرادون بهذا بالقصد الأول ، وهو شامل لغيرهم ، ومراد به ذلك الغير بالقصد الثاني ، {[1992]}وهنا آخر الآيات الخاصة بالنعم العامة لجميع بني آدم دالة على التوحيد من حيث إنها حادثة فلها محدث ، وعلى النبوة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم أخبر عنها موافقاً لما في التوراة والإنجيل من غير تعلم ، وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلقها ابتداء قدر على إعادتها - ذكره الأصفهاني عن الإمام . وفي الآية إشارة إلى الكتاب الذي هو هدى للمتقين المشتمل على الأحرف السبعة التي{[1993]} من أقبل على حرف منها حق الإقبال كفاه ، ومن اشتغل عنها بالمتاع الأدنى خسر دنياه وأخراه .
قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في التمهيد لشرط{[1994]} مثال القراءة لحروفه السبعة وعلمها والعمل بها : اعلم أن الله سبحانه خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه ورزقه نوراً من نوره ، فلأنه خلقه بيده كان في أحسن تقويم خلقاً ، ولأنه نفخ فيه من روحه كان أكمل حياة قبضاً وبسطاً ، ولأنه رزقه نوراً من نوره كان أصفى عقلاً وأخلص لباً وأفصح نطقاً وأعرب بياناً جمعاً وفصلاً ، و{[1995]}أطلعه على ما كتب من حروف مخلوقاته إدراكاً وحساً ، وعقّله{[1996]} ما أقام من أمره فهماً وعلماً ، ونبهه على ما أودعه في ذاته عرفاناً ووجداً ؛ ثم جعل له فيما سخر له من خلقه متاعاً وأنساً فأناسه{[1997]} وردده من{[1998]} بين إقبال وإدبار وقبول وإعراض ، فمن شغل بالاستمتاع الأدنى عن الاطلاع الأعلى كان سفيهاً ، ومن شغله الاطلاع الأعلى عن الاستمتاع الأدنى كان حنيفاً
{ الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري{[1999]} }[ الكهف : 101 ]
{ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه{[2000]} }[ البقرة : 130 ]
{ إن إبراهيم كان{[2001]} أمة قانتاً لله حنيفاً{[2002]} }[ النحل : 120 ] . ولما كان متاع الخلق في الأرض إلى حين وشغل أكثرهم أكلهم وتمتعهم وألهاهم أملهم عن حظهم من الحنيفية بما أوتي العقل من التبليغ عن الله نظراً واعتباراً اصطفى الله سبحانه من الحنفاء منبهين على النظر الذي اشتغل عنه المعرضون وأنف منه واستكبر عنه المدبرون ، وأكدوا تنبيههم بما أسمعوهم من نبأ ما وراء يوم الدنيا من أمر الله في اليوم الآخر وما تتمادى{[2003]} إليه أيام الله ، وذكروهم بما مضى من أيام الله ، وأنزل الله سبحانه معهم كتباً يتلونها عليهم ويبينونها لهم علماً وعملاً وحالاً ، فقبل ما جاؤوا به وصدقه واستبشر به الحنيفيون وأنذر به المدبرون والمعرضون ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، آمن من تنبه للنظر والاعتبار وألقى السمع وهو شهيد ، وكفر من آثر متاعه بالعاجلة التي تراها الأعين على وعد الله ووعيده في الآجلة التي إنما يعيها القلب وتسمعها الأذن ، وكما شغل المدعوين إلى الإسلام كفرهم ودنياهم كذلك شغل المولّدين{[2004]} في الإسلام غفلتهم ودنياهم ولعبهم في صباهم ولهوهم في شبابهم وتكاثرهم في الأموال في اكتهالهم{[2005]} وتكاثرهم في الأولاد في شَياخهم ، فاشترك المدعو إلى الإسلام والمولد فيه الغافل في عدم الإقبال والقبول في ترك الاهتمام في الآجلة واختصارهما على الاهتمام بالعاجلة ، وكلاهما جعل القرآن وراء ظهره المدعو لفظاً وعلماً والمولد الغافل علماً{[2006]} وعملاً ، فلم يسمعه المدعو ولم يفهمه الغافل فجعله بالحقيقة وراء ظهره ، ومن جعل القرآن خلفه ساقه إلى النار ، وإنما جعله أمامه من قرأه{[2007]} علماً وحالاً وعملاً ، ومن جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة ؛ ولما قامت الحجة عليهم بقراءته إذا لم يجاوز حناجرهم كانوا أشد من الكفار عذاباً في النار - أكثر منافقي{[2008]} أمتي قراؤها ،
{ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار{[2009]} }[ النساء : 145 ] فإذاً لا بد في قراءة القرآن من تجديد إقبال وتهيُّؤ لقبول وتحقيق تقوى لأنه إنما هو هدى للمتقين ، وإجماع على الاهتمام ، وكما أن أمور الدنيا لا تحصل لأهلها إلا على قدر عزائمهم واهتمامهم فأحرى أن لا يحصل أمر الأخرى إلا بأشد عزيمة وأجمع اهتمام ، فلا يقرأ القرآن من لم يقبل عليه بكلية ظاهره ويجمع اهتمامه له بكلية باطنه
وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء{[2010]} }[ الأعراف : 145 ] فخذها بقوة
{ يا يحيى خذ الكتاب بقوة{[2011]} }[ مريم : 13 ]
{ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك{[2012]} }[ هود : 112 ] فشرط منال{[2013]} قراءته اهتمام القلب بتفهمه وإقبال الحس على استماعه وتدبره ؛ ولكل حرف شرط يخصه - انتهى .