{ قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 38 ) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون( 39 ) }
الهدى : الرشد بإرسال رسول ومعه كتاب وشرائع لهداية البشر .
الخوف : ألم الإنسان مما قد يصيبه من مكروه أو حرمانه من محبوب يتمتع به أو يطلبه .
الحزن : ألم يلم به إذا فقد ما يحب .
كرر الله تعالى أمره بالهبوط من الجنة إلى دار الدنيا لبيان أن ذلك أمر محتوم لا محالة ، وأن قبول التوبة لا يدفعه ( أو لاختلاف المقصود ، فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فمن اتبع الهدى نجا ومن ضل عنه هلك ) ( 94 ) . ( يقول تعالى مخبرا عما أنذر به آدم وزوجه وإبليس حين أهبطهم من الجنة ، والمراد الذرية : أنه سينزل الكتب ويبعث الأنبياء والرسل فمن تبع هداي . أي من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل فلا خوف عليهم : أي فيما يستقبلون من أمر الآخرة ، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا( 95 ) ) .
( كما قال في سورة طه : { قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى }( طه 123 ) قال ابن عباس فلا يضل ولا يشقى في الآخرة ) ( 96 ) .
إن رحلة الإنسان في هذه الدنيا هي اختبار وابتلاء ، فقد أرسل الله إليه الرسل وأعطاه العقل والفكر وبين له سبيل الرشاد والهدى ، فمن اتبع وصدق في الإيمان والإحسان فلا خوف عليهم في دنياه ولا حزن عليه في أخراه ، بل هو دائم الابتهاج والسرور .
ولما أعلموا بالعداوة اللازمة كان كأنه قيل : فما وجه الخلاص منها ؟ فقيل : اتباع شرعنا المشروع للتوبة والرحمة فإنا { قلنا }{[1930]} كما تقدم {[1931]}{ اهبطوا }{[1932]} ولما كان الهبوط الماضي يحتمل أن يكون من مكان من الجنة إلى أدنى منه ولم يخرجوا منها فكرره هنا للتأكيد{[1933]} تصويراً لشؤم المعصية وتبشيعاً لها قال : { منها }{[1934]} أي الجنة{[1935]} { جميعاً }{[1936]} أي لا يتخلف منكم أحد سواء كان ذلك قِران{[1937]} واحد أو على التعاقب ، وعهدنا إليهم عند الهبوط إلى دار التكليف أنا نأتيهم بالهدى ليؤديهم{[1938]} {[1939]}إلى الجنة مرة أخرى واعدين من اتبع متوعدين من امتنع فقلنا : { فإما يأتينكم } ، وقال الحرالي : {[1940]}مورد هذه الآية{[1941]} بغير عطف إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم{[1942]} يتقدمه إيجاء بباطن كما تقدم في السابقة ، وتكرر الإهباطان من حيث إن الأول إهباط لمعنى القرار{[1943]} في الدنيا والاغتذاء{[1944]} فيها وذرء{[1945]} الذرية وأعمال أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس ، وهذا الإهباط الثاني إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية التي كانت خفية في أمر آدم ظاهرة في أمر إبليس ، وفي قوله : { جميعاً } إشعار بكثرة ذرء{[1946]} الخلقين وكثرة الأحداث في أمر الديانة من النقلين - انتهى .
وخص في إبراز الضمير بمحض الإفراد من غير إيراد بمظهر العظمة إبعاداً عن الوهم فقال : { مني هدى } {[1947]}أي بالكتب والرسل ، {[1948]}ولما كان الهدى الذي هو البيان لا يستلزم الاهتداء قال{[1949]} : { فمن تبع } أي أدنى اتباع يعتد به ، ولذلك اكتفى في جزائه بنفي الخوف الذي قد يكون عن توبة من ضلال بخلاف ما في طه{[1950]} كما يأتي إن شاء الله تعالى . والتبع السعي أثر عَلَم الهدى - قاله الحرالي . { هداي } أي المنقول أو المعقول ، فالثاني أعم من الأول . لأنه أعم من أن يكون منقولاً عن الرسل أو معقولاً بالقياس على المنقول عنهم ، أو بمحض العقل كما وقع لورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما المشار إليهم بالقليل في قوله تعالى :
{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً{[1951]} }[ النساء : 83 ] قال العارف شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه رشف النصائح الإيمانية : فالعقل حجة الله الباطنة{[1952]} والقرآن {[1953]}حجة الله{[1954]} الظاهرة . قال الحرالي : وجاء { هداي } شائعاً ليعم رفع الخوف والحزن من تمسك بحق ما من الحق الجامع ، وأدناه من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فيما بينه وبين الحق وفيما بينه وبين الخلق - انتهى .
{[1955]}ولما كان الخوف أشد لأنه يزداد بمر الزمان ، والحزن يحفّ ، قدّمه فقال{[1956]} : { فلا خوف عليهم } أي من{[1957]} شيء آت فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضارّ - قاله الحرالي . { ولا هم يحزنون } أي على شيء فات ، {[1958]}لأنهم ينجون من النار ويدخلون الجنة{[1959]} و{[1960]}الحزن كما قال الحرالي : توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به{[1961]} رَوح ، والقرب منه راحة ، وجاء في الحزن بلفظ { هم } لاستبطانه ، وبالفعل لأنه باد من باطن تفكرهم في فائتهم ، وجاء نفي الخوف منعزلاً عن فعلهم لأنه من خوف{[1962]} باد عليهم من غيرهم{[1963]} - انتهى{[1964]} .