في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (68)

66

فإذا أنهى إليهم هذا البلاغ ، وإذا واجه تكذيبهم بهذه المفاصلة . . فإنه [ ص ] مأمور بعد ذلك ألا يجالسهم - حتى للبلاغ والتذكير - إذا رآهم يخوضون في آيات الله بغير توقير ؛ ويتحدثون عن الدين بغير ما ينبغي للدين من الجد والمهابة ؛ ويجعلون الدين موضعا للعب واللهو ؛ بالقول أو بالفعل ؛ حتى لا تكون مجالسته لهم - وهم على مثل هذه الحال - موافقة ضمنية على ما هم فيه ؛ أو قلة غيرة على الدين الذي لا يغار المسلم على حرمة كما يغار عليه . فإذا أنساه الشيطان فجلس معهم ، ثم تذكر ، قام من فوره وفارق مجلسهم :

( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره . وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) . .

ولقد كان هذا الأمر للرسول [ ص ] ويمكن في حدود النص أن يكون أمرا لمن وراءه من المسلمين . . كان هذا الأمر في مكة . حيث كان عمل الرسول [ ص ] يقف عند حدود الدعوة . وحيث كان غير مأمور بقتال للحكمة التي أرادها الله في هذه الفترة . وحيث كان الاتجاه واضحا لعدم الاصطدام بالمشركين ما أمكن . . فكان هذا الأمر بألا يجلس النبي [ ص ] في مجالس المشركين ؛ متى رآهم يخوضون في آيات الله ويذكرون دينه بغير توقير ، والمسارعة إلى ترك هذه المجالس - لو أنساه الشيطان - بمجرد أن يتذكر أمر الله ونهيه . وكان المسلمون كذلك مأمورين بهذا الأمر كما تقول بعض الروايات . . والقوم الظالمون ، المقصود بهم هنا القوم المشركون . كما هو التعبير الغالب في القرآن الكريم . .

فأما بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة ، فكان للنبي [ ص ] شأن آخر مع المشركين . وكان الجهاد والقتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . حيث لا يجترى ء أحد على الخوض في آيات الله !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (68)

المفردات :

يخوضون : يندفعون .

فاعرض عنهم : فاتركهم .

وإما ينسيك الشيطان : إما ، أصله : ( إن ) الشرطية المدغمة في ( ما )( وما ) صلة للتأكيد أي وإن أنساك الشيطان .

بعد الذكر : بعد التذكر .

التفسير :

68- وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره . . . الآية .

سبب النزول :

قال ابن جريج إن قريشا كانوا يستهزئون بالقرآن ويقولون فيه إنه سحر ، وشعر وأساطير الأولين ، وما حلا لهم من الأكاذيب .

فنزلت الآية تأمر النبي صلى اله عليه وآله وسلم أن يعرض عنهم إعراض منكر عليهم إذا سمع ذلك منهم ، ولا يجلس معهم ولا يجادلهم ، فجعل النبي صلى اله عليه وآله وسلم إذا استهزءوا قام ، فحذروا ، وقالوا لا تستهزئوا فيقوم .

والمعنى :

وإذا رأيت أيها النبي الكريم أو أيها المؤمن العاقل ، الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والطعن والاستهزاء ، فأعرض عنهم ، وانصرف عن مجالسهم ، وأرهم من نفسك التسامي عن مجالستهم ، حتى يدخلوا في حديث غيره ، فلك حينئذ مجالستهم ، لأن آيات الله من حقها أن تعظم وأن تحترم لا أن تكون محل استهزاء .

وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين . أي : وإما ينسينك الشيطان ما أمرت به من ترك مجالسة الخائفين على سبيل الفرض والتقدير فلا تقعد بعد التذكر مع القوم الظالمين لأنفسهم بتكذيب آيات ربهم ، والاستهزاء بها ، وقد جاء الشرط الأول . بإذا لأن خوفهم في الآيات محقق .

وجاء الشرط الثاني . بإن لأن إنساء الشيطان له قد يقع وقد لا يقع .

رأى العلماء في نسيان الرسول

يرى بعض العلماء أن ما جاء في الآية من نسيان الرسول إنما هو على سبيل الفرض ، إذ لم يقع منه نسيان لترك مجالستهم عندما يخوضون في آيات القرآن الكريم .

ولهذا استعملت إن الشرطية فهي لمجرد الفرض لما ليس محقق الوقوع ، وذلك على حد قوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين . ( الزمر : 65 ) .

ويرى بعض آخر من العلماء . أن الخطاب في الآية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمراد غيره من المؤمنين ولكن جهود العلماء على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأفعال .

فقد ورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالمسلمين الظهر فسلم على رأس ركعتين ، وفي القوم رجل في يديه طول يسمى ذو اليدين فقال : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟

فقال : النبي صلى الله عليه وآله وسلم : كل ذلك لم يكن .

فقال ذو اليدين : بل بعض ذلك قد كان ، صليت بنا الظهر ركعتين .

فقال صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه : أحق ما يقوله ذو اليدين ؟ فقالوا : نعم ، فأتم النبي الصلاة أربعا .

ثم قال : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون . فإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ، ثم ليسجد سجدتين ( 102 ) .

وفي الحديث الصحيح : ( إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ) ( 103 ) .

ما يؤخذ من الآية :

أخذ العلماء من هذه الآية ما يأتي :

1- وجوب الإعراض عن مجالسة المستهزئين بآيات الله أو برسله .

قال القرطبي : من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر ، مؤمنا كان أو كافرا .

روى الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من وقر صاحب بدعة فقد أعانه على هدم الإسلام ( 104 ) .

وقال صاحب المنار : وسبب هذا النهي ، أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم ، فيه إقرار لهم على خضوعهم ، وإغرائهم لهم بالتمادي فيه .

قال تعالى : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضون في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا . ( النساء : 140 ) .

2- جواز مجالسة الكفار مع عدم الخوض ، لأنه إنما أمرنا بالإعراض في حالة الخوض ، وأيضا فقد قال تعالى : حتى يخوضوا في حديث غيره .

3- استدل بهذه الآية على أن الناسي غير مكلف .

وفي الحديث الشريف : ( إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ( 105 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (68)

ولما أمره بما يقول جواباً لتكذيبهم ، تقدم إليه فيما يفعل وقت خوضهم في التكذيب فقال : { وإذا رأيت } خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ليكون أردع { الذين يخوضون } أي يتكلمون { في آياتنا } أي بغير تأمل ولا بصيرة بل طوع الهوى ، كما يفعل خائض الماء في وضعه لرجله على غير بصيرة لستر{[29952]} مواضع الخُطا وبغير{[29953]} تمام الاختيار لغلبة{[29954]} الماء { فأعرض عنهم } بترك المجالسة أو ما يقوم مقامها ؛ ولما كان الخوض في الآيات دالاً على قلة العقل قال : { حتى يخوضوا في حديث غيره } فحكم على حديثهم فيما سوى ذلك أيضاً بالخوض ، لأن فيه الغث والسمين ، لأنه غير مقيد بنظام الشرع .

ولما كان الله تعالى - وله الحمد - قد رفع حكم النسيان عن هذه الأمة{[29955]} ، قال مؤكداً : { وإما ينسينك الشيطان } أي إنساء عظيماً إشارة إلى أن مثل هذا الأمر جدير بأن لا ينسى { فلا تقعد بعد الذكرى } أي التذكر لهذا النهي { مع القوم الظالمين * } أظهر موضع الإضمار تعميماً ودلالة على الوصف الذي هو سبب الخوض ، وهو الكون في الظلام .


[29952]:من ظ، وفي الأصل: لسند.
[29953]:في ظ: تغير.
[29954]:من ظ، وفي الأصل: لغسله- كذا.
[29955]:سقط من ظ.