( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . ألا له الخلق والأمر . تبارك الله رب العالمين ) . .
إن عقيدة التوحيد الإسلامية ، لا تدع مجالاً لأي تصور بشري عن ذات الله سبحانه ؛ ولا عن كيفيات أفعاله . . فالله سبحانه ليس كمثله شيء . . ومن ثم لا مجال للتصور البشري لينشىء صورة عن ذات الله . فكل التصورات البشرية إنما تنشأ في حدود المحيط الذي يستخلصه العقل البشري مما حوله من أشياء . فإذا كان الله - سبحانه - ليس كمثله شيء ، توقف التصور البشري إطلاقاً عن إنشاء صورة معينة لذاته تعالى . ومتى توقف عن إنشاء صورة معينة لذاته العلية فإنه يتوقف تبعاً لذلك عن تصور كيفيات أفعاله جميعاً . ولم يبق أمامه إلا مجال تدبر آثار هذه الأفعال في الوجود من حوله . . وهذا هو مجاله . .
ومن ثم تصبح أسئلة كهذه : كيف خلق الله السماوات والأرض ؟ كيف استوى على العرش ؟ كيف هذا العرش الذي استوى عليه الله سبحانه ؟ ! . . . تصبح هذه الأسئلة وأمثالها لغوا يخالف توجيهها قاعدة الاعتقاد الإسلامي . أما الإجابة عليها فهي اللغو الأشد الذي لا يزاوله من يدرك تلك القاعدة ابتداء ! ولقد خاضت الطوائف - مع الأسف - في هذه المسائل خوضاً شديداً في تاريخ الفكر الإسلامي ، بالعدوى الوافدة على هذا الفكر من الفلسفة الإغريقية !
فأما الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض ، فهي كذلك غيب لم يشهده أحد من البشر ولا من خلق الله جميعاً : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم . . وكل ما يقال عنها لا يستند إلى أصل مستيقن .
إنها قد تكون ست مراحل . وقد تكون ستة أطوار . وقد تكون ستة أيام من أيام الله التي لاتقاس بمقاييس زماننا الناشئ من قياس حركة الأجرام - إذ لم تكن قبل الخلق هذه الأجرام التي نقيس نحن بحركتها الزمان ! . . وقد تكون شيئاً آخر . . فلا يجزم أحد ماذا يعني هذا العدد على وجه التحديد . . وكل حمل لهذا النص ومثله على " تخمينات " البشرية التي لا تتجاوز مرتبة الفرض والظن - باسم " العلم ! " - هو محاولة تحكمية ، منشؤها الهزيمة الروحية أمام " العلم " الذي لا يتجاوز في هذا المجال درجة الظنون والفروض !
ونخلص نحن من هذه المباحث التي لا تضيف شيئاً إلى هدف النص ووجهته . لنرتاد مع النصوص الجميلة تلك الرحلة الموحية في أقطار الكون المنظور ، وفي أسراره المكنونة :
( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . ألا له الخلق والأمر . تبارك الله رب العالمين ) . .
إن الله الذي خلق هذا الكون المشهود في ضخامته وفخامته . والذي استعلى على هذا الكون يدبره بأمره ويصرفه بقدره . يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً . . في هذه الدوره الدائبة : دورة الليل يطلب النهار في هذا الفلك الدوار . والذي جعل الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . . إن الله الخالق المهيمن المصرف المدبر ، هو( ربكم ) . . هو الذي يستحق أن يكون رباً لكم . يربيكم بمنهجه ، ويجمعكم بنظامه ، ويشرع لكم بإذنه ، ويقضي بينكم بحكمه . . إنه هو صاحب الخلق والأمر . . وكما أنه لا خالق معه . فكذلك لا آمر معه . . هذه هي القضية التي يستهدفها هذا الاستعراض . . قضية الألوهية والربوبية والحاكمية ، وإفراد الله سبحانه بها . . وهي قضية العبودية من البشر في شريعة حياتهم . فهذا هو الموضوع الذي يواجهه سياق السورة ممثلاً في مسائل اللباس والطعام . كما كان سياق سورة الأنعام يواجهه كذلك في مسائل الأنعام والزروع والشعائر والنذور .
ولا ينسينا الهدف العظيم الذي يستهدفه السياق القرآني بهذا الاستعراض ، أن نقف لحظات أمام روعة المشاهد وحيويتها وحركتها وإيحاءاتها العجيبة . فهي من هذه الوجهة كفء للهدف العظيم الذي تتوخاه . .
إن دورة التصور والشعور مع دورة الليل والنهار في هذا الفلك الدوار ، والليل يطلب النهار حثيثاً ، ويريده مجتهداً ! لهي دورة لا يملك الوجدان ألا يتابعها ؛ وألا يدور معها ! وألا يرقب هذا السباق الجبار بين الليل والنهار ، بقلب مرتعش ونفس لاهث ! وكله حركة وتوفز ، وكله تطلع وانتظار !
إن جمال الحركة وحيويتها و " تشخيص " الليل والنهار في سمت الشخص الواعي ذي الإرادة والقصد . . إن هذا كله مستوى من جمال التصوير والتعبير لا يرقى إليه فنّ بشري على الإطلاق !
إن الألفة التي تقتل الكون ومشاهده في الحس ؛ وتطبع النظرة إليه بطابع البلادة والغفلة . . إن هذه الألفة لتتوارى ، ليحل محلها وقع المشهد الجديد الرائع الذي يطالع الفطرة كأنما لأول وهلة ! . . إن الليل والنهار في هذا التعبير ليسا مجرد ظاهرتين طبيعيتين مكرورتين . وإنما هما حيان ذوا حس وروح وقصد واتجاه . يعاطفان البشر ويشاركانهم حركة الحياة ؛ وحركة الصراع والمنافسة والسباق التي تطبع الحياة !
كذلك هذه الشمس والقمر والنجوم . . إنها كائنات حية ذات روح ! إنها تتلقى أمر الله وتنفذه ، وتخضع له وتسير وفقه . إنها مسخرة ، تتلقى وتستجيب ، وتمضي حيث أمرت كما يمضي الأحياء في طاعة الله !
ومن هنا يهتز الضمير البشري ؛ وينساق للإستجابة ، في موكب الأحياء المستجيبة . ومن هنا هذا السلطان للقرآن الذي ليس لكلام البشر . . إنه يخاطب فطرة الإنسان بهذا السلطان المستمد من قائله - سبحانه - الخبير بمداخل القلوب وأسرار الفطر . .
ثم استوى على العرش : العرش : الجسم المحيط بسائر الأجسام ولا يحيط بكنهه إنسان .
والاستواء على العرش صفة لله بلا كيف ، أي : أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه ، منزها عن الاستقرار والتمكن ، وهو استواء بالمعنى اللائق به سبحانه .
يغشى الليل النهار : يغطى النهار بالليل ، فيذهب ضوءه .
يطلبه حثيثا : يطلب الليل النهار طلبا سريعا .
له الخلق : إيجاد جميع الأشياء من العدم .
الأمر : التدبير والتصرف فيها كما يشاء .
تبارك الله : تنزه أو تعظم أو كثر خيره .
إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش . . . الآية .
خلق السموات والأرض في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا ، والله قادر على أن يقول للشيء كن فيكون ، لكنه أراد أن يشعر الناس بأن للكون نظاما وللخلق إحكاما وترتيبا ، فالجنين يمكث في بطن أمه تسعة أشهر ، حتى يتم تخليقه وتكوينه ، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ، ثم يكسى العظام لحما ، ثم يتم تكوينه خلقا آخر ؛ فتبارك الله أحسن الخالقين .
وفي القرآن الكريم : لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ( غافر : 57 ) .
أي : استولى على نظام الملك وسير أموره ، وهي كناية عن قدرته سبحانه على تسيير خلق هذا الكون وإبداع صنعته ، وإحكام نظامه ، وتدبير أموره .
المفسرون القدامى لاحظوا أن هناك آيات تشير إلى أن خلق السماء كان قبل خلق الأرض ، وهناك آيات تشير إلى أن خلق الأرض كان قبل خلق السماء .
وقد جمع العلماء بينهما أن الله خلق الأرض أولا ، ثم خلق السماء ثانيا ، ثم أتم إعمار الأرض وجعلها مدحوة ، منبعجة عند خط الاستواء ومفرطحة عند القطبين .
قال تعالى : أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعا لكم ولأنعامكم . ( النازعات : 27- 33 ) .
وهذه الآيات تفيد أن الأرض خلقت بعد السماء بيد أن علماء اللغة يقولون : إن كلمة بعد ذلك تحتمل معنى : فوق ذلك أو علاوة على ذلك ، أو قبل ذلك .
تقول لابنك : ربيتك وعلمتك وزوجتك ، وأنا بعد ذلك أبوك الذي رعاك صغيرا وناشئا . بمعنى : أنا فوق ذلك أو قبل ذلك .
وقال تعالى : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم .
وفي كتب التفسير : ما يفيد أن الله تعالى خلق الأرض في مقدار يومين ، وخلق الجبال والبحار والأنهار ووسائل الإعمار في يومين ، فصار المجموع أربعة أيام .
تقول : سرت من البصرة إلى الكوفة في يومين ، ومن الكوفة إلى بغداد في أربعة أيام ، وتكون أنت قد سرت من الكوفة إلى بغداد في يومين ، ونقصد أن مجموع أيام السفر إلى بغداد أربعة أيام .
وتفيد الآيات في سورة فصلت أن الله بعد أن خلق الأرض ، خلق الجبال والبحار والأنهار ، ثم خلق السماء في يومين ، لكن الآيات تشعر أن السماء والأرض قالتا : أتينا طائعين ، مما يفيد أن هناك مراحل متعددة مر بها نشوء الكون حتى انتهى إلى الخلق البديع الكمال .
والعلماء المحدثون يذكرون النقاط الخمس الآية :
خلق الكون ابتداء من كومة أولية فريدة كانت تشكل كتلة متماسكة ، انفصلت أجزاؤها بعد ذلك .
تعدد السماوات وتعدد الكواكب التي تشبه الأرض .
وجود خلق وسيط بين السموات والأرض .
إن المطابقة واضحة بين مفهوم السديم الأولى في العلم الحديث والدخان على حسب القرآن ؛ للدلالة على الحالة الغازية للمادة التي كونت الكون في هذه المرحلة الأولى .
فالعلماء المحدثون يرون أن الكون كله كان كرة ملتهبة ، وبمرور الزمن انفصلت منها الأرض ، والسماء والفضاء والهواء .
وكانت الأرض صماء لا تنبت والسماء كانت رتقاء ليس بها أسباب المطر ، والرتق ضد الفتق .
قال تعالى : أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون . ( الأنبياء : 30 ) .
وقد جاء في تفسير المنار 12 ص 16 :
والمعنى : ألم يعلموا أن السماوات والأرض كانتا مادة واحدة متصلة لا فتق ولا انفصال ، وهو ما يسمى في عرف علماء الفلك : بالسديم وبلغة القرآن بالدخان .
ففتقناهما . بفصل بعضها عن بعض ، فكان منها ما هو سماء ومنها ما هو أرض ) .
وجاء في تفسير : فتح القدير للشوكاني :
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام .
قيل : هذه الأيام من أيام الدنيا ، وقيل : من أيام الآخرة ، وقيل : هذه الأيام أولها الأحد وآخرها الجمعة ، وهو سبحانه قادر على خلقها في لحظة واحدة ، يقول لها : كوني ؛ فتكون ، ولكن لكل شيء عنده أجل .
( ليس ببعيد أن يكون لهذا الوجود فلك يدور فيه ، وأن يكون لهذا الفلك مركز ، وأن يكون العرش هو مركز هذا الوجود ، وهي جميعها من خلق الله وفي يد القدرة ( 55 ) .
وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية في القرآن الكريم وذكر الاستواء في سبع آيات . مثل قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى . ( طه : 5 ) .
وقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون . ( الرعد : 2 ) .
أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة لله تعالى ، بلا كيف ولا انحصار ، ولا تشبيه ولا تمثيل ؛ لاستحالة اتصافه سبحانه المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به . ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . ( الشورى : 11 ) .
وأنه يجب الإيمان بهذه الآيات كما وردت ، وتفويض العلم بحقيقتها إليه تعالى .
قال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه .
وقال الإمام الرازي : إن هذا المذهب هو الذي نقول به ونختاره ونعتمد عليه .
وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرفه عن ظاهره – أي : الاستواء على العرش ، ( أو الجلوس على كرسي الملك ) لاستحالته ، فالله خالق العرش ومدبره والعرش محتاج إليه .
قال الإمام القفال : المراد أنه استقام ملكه ، وأطرد أمره ، ونفذ حكمه تعالى في مخلوقاته ، والله تعالى دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم ، واستقر في قلوبهم ، وتنبيها على عظمته وكمال قدرته ، وذلك مشروط بنفي التشبيه ويشهد بذلك ثم استوى على العرش يدبر الأمر .
ويكون المعنى : استولى على نظام الكون ودبر شئون الملك .
الاستواء : هو العلو والاستقرار ، والله أعلم بكيفية ذلك ، بل على الوجه الذي يليق بجلاله تعالى .
والعرش : هو سرير الملك ، عن أم سلمة : الكيف غير معقول ، الاستواء غير مجهول ، والإقرار به إيمان ، والجحود كفر .
وعن مالك أن رجلا سأله : كيف استوى على العرش ؟ فقال : الكيف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة اه .
وأريد أن أشرح هذه الجملة ، بأن الكيف غير معقول ، أي : أن يجلس الله على كرسي الملك كما يجلس البشر .
والاستواء غير مجهول ، أي : الاستيلاء والقهر .
والإيمان بأن الله استوى على العرش واجب ، والسؤال عنه بدعة ؛ لأن السلف آمنوا بدون سؤال على أنها دليل على سعة الملك وكمال القدرة وأن الله مالك الملك ومدبر شئونه .
يغشي الليل النهار ( 56 ) يطلبه حثيثا .
أي : يجعل الليل كالغشاء للنهار فيغطى بظلمته ضياءه .
يطلبه حثيثا . أي : حال كون الليل طالبا للنهار طلبا سريعا لا يفتر عنه بحال .
وقد قال تعالى في آية أخرى : يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل . ( الزمر : 5 ) .
أي : كل من الليل والنهار يطلب الآخر طلبا سريعا .
( وهكذا النهار والليل في دورة الفلك ، حيث تدور الأرض حول نفسها ، تحت سلطان الشمس مرة كل يوم من الغرب إلى الشرق . . وفي تلك الدورة اليومية يتناسخ كل من الليل والنهار ، أي : ينسخ كل منها الآخر ، وذلك بتحريك الأرض شيئا فشيئا ، بحيث يكون دائما نصفها المقابل للشمس نهارا ، والنصف الآخر ليلا ، ففي كل لحظة ، ضوء ينسخ ظلاما ، ويلبسه ويغشيه . . فالظلام الذي يخيم على الأرض شيء أصيل ، والضوء الذي يلبسها كائن جديد داخل عليها ، الظلام منسوخ ، والضوء ناسخ له ( 57 ) ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : وجعلنا الليل والنهار ءايتين فمحونا ءاية الليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة . ( الإسراء : 12 ) .
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره .
قرأ الجمهور بنصب الشمس والقمر والنجوم على أنها معطوف على خلق السماوات والأرض . في أول الآية .
أي : وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، أي : وهي كائنات مسخرات بأمره لا سلطان لأحد من الناس عليها ولا سلطان لها على نفسها ولا فضل لها من ذاتها ومن هنا لا تصح عبادتها ، ولا ينبغي أن يتعلق مخلوق بمخلوق مثله وينشد الرزق منه .
ومسخرات . منصوبة على أنها حال من الشمس والقمر والنجوم . وقرأ أبو عامر بالرفع في جميعها على الابتداء والخبر مسخرات .
ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين .
الخلق : إيجاد الشيء من العدم .
والأمر : التدبير والتصرف والتسخير على حسب الإرادة ، فالمخلوقات كلها جميعا صنعة الخالق ، وحركاتها وسكناتها كلها بتقدير الله وبأمره .
تبارك الله رب العالمين . كثر خيره وإحسانه وتعاظمت وتزايدت بركات الله رب العالمين .
ولما كان مدار القرآن على تقرير الأصول الأربع : التوحيد والنبوة والمعاد والعلم ، وطال الكلام في إخباره سبحانه عن أوامره ونواهيه وأفعاله بأوليائه وأعدائه الدالة على تمام القدرة والعلم ، وختم بأن شركاءهم تغني عنهم ، علل {[32334]}ذلك بأنه{[32335]} الرب لا غيره ، في سياق دال على الوحدانية التي هي أعظم مقاصد السورة ، كفيل بإظهار الحجج عليها ، وعلى المقصد الثاني - وهو الإعادة التي فرغ من تقرير أحوالها بالإبداء الذي تقرر في العقول أنه{[32336]} أشد من الإعادة - بأدلة متكفلة{[32337]} بتمام القدرة والعلم فقال : { إن ربكم } أي المحسن إليكم بالإيجاد من العدم وتدبير المصالح هو { الله } أي الملك الذي لا كفوء له وحده لا صنم ولا غيره ؛ ثم وصفه بما حقق ذلك فقال : { الذي خلق السماوات والأرض } أي على اتساعهما وعظمتهما .
ولما كان ربما قال الكفار : ما له إذا كان قادراً وأنت محق في رسالتك لا يعجل لنا الإتيان بتأويله ، بين أن عادته الأناة وإن كان أمره وأخذه كلمح بالبصر إذا أراده{[32338]} ، فقال : { في ستة أيام } أي في مقدارها{[32339]} ؛ ولما كان تدبير هذا الخلق أمراً باهراً لا تسعه العقول ، ولهذا كانت قريش تقول : كيف يسع الخلق إله واحد ! أشار إلى عظمته وعلو رتبته بأداة البعد فقال : { ثم استوى على العرش } أي أخذ في التدبير لما أوجده وأحدث خلقه أخذاً مستوفى مستقصى مستقلاً{[32340]} به لأن هذا شأن من يملك ملكاً ويأخذ في تدبيره وإظهار أنه لا منازع له في شيء منه وليكون{[32341]} خطاب الناس على ما ألفوه{[32342]} من ملوكهم لتستقر في عقولهم عظمته سبحانه ، وركز في فطرهم الأولى من نفي التشبيه{[32343]} منه ، ويقال : فلان جلس على سرير الملك ، وإن لم يكن هناك سرير ولا جلوس ، وكما يقال في ضد ذلك : فلان ثل عرشه ، أي ذهب عزه وانتقض ملكه وفسد أمره ، فيكون هذا كناية لا يلتفت فيه إلى أجزاء التركيب ، والألفاظ على ظواهرها كقولهم للطويل : طويل النجاد ، وللكريم : عظيم الرماد .
ولما كان سبحانه لا يشغله شأن عن شأن ، ابتدأ من التدبيربما هو آية ذلك بمشاهدته في تغطية الأرض بظلامه في آن واحد ، فقال دالاً على كمال قدرته المراد بالاستواء بأمر يشاهد كل يوم على كثرة منافعه التي جعل سبحانه بها انتظام هذا الوجود : { يغشي } أي استوى حال كونه يغشي { الليل النهار } و{[32344]}قال أبو حيان : وقرأ حميد بن قيس : يغشى الليل - بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وضم اللام ، كذا {[32345]}قال عنه{[32346]} أبو عمرو الداني{[32347]} ، وقال أبو الفتح بن جني عن حميد بنصب الليل ورفع النهار ، وقال ابن عطية : وأبو الفتح أثبت ، و{[32348]}هذا الذي قاله{[32349]} - من أن أبا الفتح أثبت - كلام لا يصح ، إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءة ومعرفتها{[32350]} وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان{[32351]} الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءة فضلاً عن النحاة الذين ليسوا مقرئين{[32352]} ولا رووا القراءة{[32353]} عن أحد ولا روى عنهم القراءة{[32354]} أحد ، هذا مع الديانة {[32355]}الزائدة والتثبت{[32356]} في النقل وعدم التجاسر{[32357]} ووفور الحظ من العربية ، فقد رأيت له كتاباً في كلا وكتاباً في إدغام أبي عمرو الكبير دلاً على اطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النحاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه ، والذي نقله أبو عمرو الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى ، لأن ذلك موافق لقراءة الجماعة إذ { الليّل } في قراءتهم - وإن كان منصوباً- هو الفاعل من حيث المعنى إذ همزة النقل أو{[32358]} التضعيف صيره مفعولاً ، ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً من حيث المعنى ، لأن المنصوبين تعدى إليهما الفعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى ، فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في : ملكت زيداً عمراً ، إذ رتبة التقديم هي الموضحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ذلك{[32359]} في ضرب موسى عيسى - انتهى .
ولما أخبر سبحانه أن الليل يغطي النهار ، دل على أن النهار كذلك بقوله مبيناً لحال الليل { يطلبه } أي الليل يجر{[32360]} ويطلب{[32361]} النهار دائماً طلباً { حثيثاً } أي سريعاً جداً لتغطية{[32362]} الليل ، وذلك لأن الشيء لا يكون مطلوباً إلا بعد وجوده ، وإذا وجد النهار كان مغطياً لليل{[32363]} ، لأنهما ضدان ، وجود أحدهما ماح لوجود الآخر ، وابتدأ سبحانه بذكر الليل لأن إغشاءه أول كائن بعد تكمل الخلق ، وحركتهما بواسطة حركة العرش ، ولذا ربطهما به ، وهي أشد الحركات سرعة وأكملها شدة ، وللشمس نوعان من الحركة : أحدهما بحسب ذاتها تتم بقطع الدرج كلها في جميع الفلك ، وبسببه تحصل السنة ، والثاني بحسب حركة الفلك الأعظم تتم{[32364]} في اليوم بليلته ، والليل والنهار إنما يحصلان {[32365]}بسبب{[32366]} حركة السماء الأقصى الذي يقال له{[32367]} العرش لا بسبب حركة النيرين ، وأجاز ابن جني أن يكون { يطلبه } حالاً من النهار في قراءة الجماعة وإن كان مفعولاً ، أي حال كون النهار يطلب الليل حثيثاً ليغطيه{[32368]} ، وأن يكون حالاً منهما معاً لأن كلاًّ منهما طالب للآخر ، {[32369]}وبهذا ينتظم ما قاله في قراءة حميد ، فإن كلاً منهما يكون غاشياً للآخر{[32370]} ، قال في كتابه المحتسب في القراءات الشواذ : ووجه صحة القراءتين و{[32371]}التقاء معنييهما أن الليل والنهار يتعاقبان ، وكل واحد منهما{[32372]} وإن أزال صاحبه فإن صاحبه أيضاً مزيل له ، وكل واحد منهما على هذا فاعل وإن كان مفعولاً ومفعول وإن كان فاعلاً ، على{[32373]} أن الظاهر في الاستحثاث هنا إنما هو النهار لأنه بسفوره وشروقه أظهر أثراً في الاستحثاث من الليل .
ولما ذكر الملوين ، أتبعهما آية كل فقال : { والشمس والقمر والنجوم } أي {[32374]}خلقها ، أو{[32375]} يغشى كل قبيل منهما{[32376]} ما الآخر آيته حال كون الكل { مسخرات } أي للسير وغيره { بأمره } وهو إرداته وكلامه ، تقودها الملائكة كما{[32377]} روي أن لله ملائكة يجرون الشمس والقمر .
ولما صح{[32378]} أن جميع ما نراه{[32379]} من الذوات خلقه ، وما نعلمه من المعاني أمره ، أنتج قطعاً قوله { ألا له } أي وحده ، وقدم المسبب على السبب ترقية - كما هو مقتضى الحكم - من المحسوس إلى المعقول فقال{[32380]} : { الخلق } وهو ما كان من الإيجاد بتسبيب وتنمية وتطوير قال الرازي : فكل ما كان جسماً أو جسمانياً كان مخصوصاً بمقدار معين فكان من عالم الخلق ، فعالم الخلق بتسخيره ، وعالم الأمر بتدبيره ، واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره{[32381]} { والأمر } وهو ما كان من ذلك إخراجاً من العدم من غير تسبب كالروح ، وما كان حفظاً وتدبيراً بالكلام كالأديان وكل ما يلاحظ القيومية ؛ وقال الرازي : كل ما كان بريئاً من الحجم والمقدار كان من عالم الأمر ، وعد الملائكة من عالم الأمر ، فأتنج {[32382]}ذلك قطعاً{[32383]} قوله على سبيل المدح الذي ينقطع دونه الأعناق ويتقاصر دون عليائه ذرى الآفاق : { تبارك } أي ثبت ثبوتاً لا ثبوت في الحقيقة غيره مع اليمن والبركة وكثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة { الله } أي ذو الجلال والإكرام{[32384]} .
ولما دل على أنه يستحق هذا الثناء لذاته ، دل على أنه يستحقه لصفاته فقال : { رب العالمين* } أي مبدع ذلك كله ومربيه{[32385]} خلقاً وتصريفاً بأمره ، و{[32386]}في الجزء السادس من فوائد المخلص عن سفيان بن عيينة أنه قال : ما يقول هذه الدويبة - يعني بشراً المريسي ؟ قالوا : يا أبا محمد ! يزعم أن القرآن مخلوق ، فقال : كذب ، قال الله عزّ وجلّ { ألا له الخلق والأمر } فالخلق خلق الله ، والأمر القرآن - انتهى . وهذا الذي فسر به مما تحتمله الآية بأن يكون الأمر هو المراد بقوله { بأمره }{[32387]} وهو الإرادة والكلام مع احتمال ما قدمته .