في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (74)

74

( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر : أتتخذ أصناما آلهة ؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين . . وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، وليكون من الموقنين . . فلما جن عليه الليل رأى كوكبا . قال : هذا ربي ، فلما أفل قال : لا أحب الآفلين . فلما رأى القمر بازغا قال : هذا ربي ، فلما أفل قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال : هذا ربي ، هذا أكبر ، فلما أفلت قال : يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ، وما أنا من المشركين ) .

إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يرسمه السياق القرآني في هذه الآيات . . مشهد الفطرة وهي - للوهلة الأولى - تنكر تصورات الجاهلية في الأصنام وتستنكرها . وهي تنطلق بعد إذ نفضت عنها هذه الخرافة في شوق عميق دافق تبحث عن إلهها الحق ، الذي تجده في ضميرها ، ولكنها لا تتبينه في وعيها وإدراكها . وهي تتعلق في لهفتها المكنونة بكل ما يلوح أنه يمكن أن يكون هو هذا الإله ! حتى إذا اختبرته وجدته زائفا ، ولم تجد فيه المطابقة لما هو مكنون فيها من حقيقة الإله وصفته . . ثم وهي تجد الحقيقة تشرق فيها وتتجلى لها . وهي تنطلق بالفرحة الكبرى ، والامتلاء الجياش ، بهذه الحقيقة ، وهي تعلن في جيشان اللقيا عن يقينها الذي وجدته من مطابقة الحقيقة التي انتهت إليها بوعيها للحقيقة التي كانت كامنة من قبل فيها ! . . إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يتجلى في قلب إبراهيم - عليه السلام - والسياق يعرض التجربة الكبرى التي اجتازها في هذه الآيات القصار . . إنها قصة الفطرة مع الحق والباطل . وقصة العقيدة كذلك يصدع بها المؤمن ولا يخشى فيها لومة لائم ؛ ولا يجامل على حسابها أبا ولا أسرة ولا عشيرة ولا قوما . . كما وقف إبراهيم من أبيه وقومه هذه الوقفه الصلبة الحاسمة الصريحة :

( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر : أتتخذ أصناما آلهة ؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين ) . .

إنها الفطرة تنطق على لسان إبراهيم . إنه لم يهتد بعد بوعيه وإدراكه - إلى إلهة - ولكن فطرته السليمة تنكر ابتداء أن تكون هذه الأصنام التي يعبدها قومه آلهة - وقوم إبراهيم من الكلدانيين بالعراق كانوا يعبدون الأصنام كما كانوا يعبدون الكواكب والنجوم - فالإله الذي يعبد ، والذي يتوجه إليه العباد في السراء والضراء ، والذي خلق الناس والأحياء . . هذا الإله في فطرة إبراهيم لا يمكن أن يكون صنما من حجر ، أو وثنا من خشب . . وإذا لم تكن هذه الاصنام هي التي تخلق وترزق وتسمع وتستجيب - وهذا ظاهر من حالها للعيان - فما هي بالتي تستحق أن تعبد ؛ وما هي بالتي تتخذ آلهة حتى على سبيل أن تتخذ واسطة بين الإله الحق والعباد !

وإذن فهو الضلال البين تحسه فطرة إبراهيم - عليه السلام - للوهلة الأولى . وهي النموذج الكامل للفطرة التي فطر الله الناس عليها . . ثم هي النموذج الكامل للفطرة وهي تواجه الضلال البين ، فتنكره وتستنكره ، وتجهر بكلمة الحق وتصدع ، حينما يكون الأمر هو أمر العقيدة :

( أتتخذ أصناما آلهة ؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين ) . .

كلمة يقولها إبراهيم - عليه السلام - لأبيه . وهو الأواه الحليم الرضي الخلق السمح اللين ، كما ترد أوصافه في القرآن الكريم . ولكنها العقيدة هنا . والعقيدة فوق روابط الأبوة والبنوة ، وفوق مشاعر الحلم والسماحة . وإبراهيم هو القدوة التي أمر الله المسلمين من بنيه أن يتأسوا بها . والقصة تعرض لتكون أسوة ومثالا . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (74)

التفسير :

74- وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين .

بهذه الآية تبدأ قصة إبراهيم عليه السلام ، وقد ذكرت في القرآن أكثر من مرة ، لكنها تركز في كل مرة على جانب من جوانب القصة ، وقد كان إبراهيم عليه السلام أمة وحده ، فيه أخلاق الرجال وفيه الوفاء والعزيمة ، وفيه جانب البحث والتأمل ومحاولة هداية قومه عن طريق الحوار ، وفيه صدق العزيمة ، ولو أردنا أن نسجل عناوين لقصة إبراهيم فسنجدها كالآتي :

إبراهيم وآية البعث ، إبراهيم يتلطف في دعوة أبيه .

إبراهيم يحطم الأصنام ، إبراهيم يلقى في النار .

إبراهيم ونمرود ، إبراهيم يهدي قومه عن طريق الحوار .

إبراهيم في مصر ، إبراهيم يؤمر بذبح إسماعيل .

إبراهيم وإسماعيل في بناء الكعبة ، سلام على إبراهيم .

إذا قال إبراهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة . . أي واذكر يا محمد قومك ليعتبروا ويتعظوا ، وقت ان قال إبراهيم لأبيه آزر منكرا عليه عبادة الأصنام .

أتتخذ أصناما ءالهة . أي أتجعلها آلهة لك تعبدها من دون الله الذي خلقك فسواك فعدلك .

وآزر أب لإبراهيم عليه السلام ، كما هو ظاهر النص القرآني ، وقيل إن اسم والد إبراهيم ( تارخ ) وقيل كان له اسمان آزر وتارخ ( 108 ) .

وكان آزر وقومه يعبدون الأصنام ، والشمس ، والقمر و الكواكب .

إني أراك وقومك في ضلال مبين . أي : إني أراك وقومك الذين يتبعونك في عبادتها في ضلال عن الحق ، ظاهرين . . . وفي هذا تبكيت وتقريع لهم على هذا المسلك ، الذي يتنافى مع ما يقتضيه العقل السليم والفطرة الصحيحة .

وقد ذكر الألوسي في تفسيره : أن آزر بزنة آدم علم أعجمي لأبي إبراهيم – عليه السلام – وكان من قرية من سواد الكوفة ، وقيل إن آزر لقب لأبي إبراهيم واسمه الحقيقي تارخ .

وذكر الشيخ القاسمي في تفسيره :

أن الآية حجة على الشيعة في زعمهم أنه لم يكن أحد من آباء الأنبياء كافرا ، وأن آزر عم إبراهيم لا أبوه ، وذلك لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة ، ومثله لا يجزم به من غير نقل .

كما نقل الشيخ القاسمي أن ثمرة الآية الدالة على وجوب النصيحة في الدين لا سيما للأقارب فإن من كان أقرب فهو أهم ، ولهذا قال تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين .

وقال تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) ( 109 ) .

ولهذا بدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعلي وخديجة وزيد ثم بسائر قريش ثم بالعرب ثم بالموالى .

وبدأ إبراهيم بأبيه ثم بقومه ، وتدل الآية على أن النصيحة في الدين ليست من العقوق .

وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :

يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة ، وعلى وجه آزر قترة وغبرة ، فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني ؟ ، فيقول أبوه ، فاليوم لا أعصيك ، فيقول إبراهيم يا رب أنت وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي الأبعد ، فيقول الله تعالى : إني حرمت الجنة على الكافرين . ( 110 ) .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (74)

{ لأبيه آزر } هو اسم أبي إبراهيم ، فإعرابه عطف بيان أو بدل ، ومنع من الصرف للعجمة والعلمية ، لا للوزن لأن وزنه فاعل نحو عابر وشالح ، وقرئ بالرفع على النداء ، وقيل : إنه اسم صنم لأنه ثبت أن اسم أبي إبراهيم تارخ ، فعلى هذا يحتمل أن يكون لقب به لملازمته له ، أو أريد عابد آزر ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وذلك بعيد ، ولا يبعد أن يكون له اثنان .