في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (63)

( وألف بين قلوبهم ، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله ألف بينهم ، إنه عزيز حكيم )

ولقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله ، والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة ؛ فاستحالت هذه القلوب النافرة ، وهذه الطباع الشموس ، إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية الذلول بعضها لبعض ، المحب بعضها لبعض ، المتآلف بعضها مع بعض ، بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ ؛ والذي تتمثل فيه حياة الجنة وسمتها البارزة - أو يمهد لحياة الجنة وسمتها البارزة - : ونزعنا ما في قلوبهم من غل إخواناً على سرر متقابلين .

إن هذه العقيدة عجيبة فعلاً . إنها حين تخالط القلوب ، تستحيل إلى مزاج من الحب والألفة ومودات القلوب ، التي تلين جاسيها ، وترقق حواشيها ، وتندي جفافها ، وتربط بينها برباط وثيق عميق رفيق . فإذا نظرة العين . ولمسة اليد ، ونطق الجارحة ، وخفقة القلب ، ترانيم من التعارف والتعاطف ، والولاء والتناصر ، والسماحة والهوادة ، لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب ؛ ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب !

وهذه العقيدة تهتف للبشرية بنداء الحب في الله ؛ وتوقع على أوتارها ألحان الخلوص له والالتقاء عليه ، فإذا استجابت وقعت تلك المعجزة التي لا يدري سرها إلا الله ولا يقدر عليها إلا الله .

يقول رسول الله [ ص ] : " إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى " قالوا : يا رسول الله تخبرنا من هم . قال : " هم قوم تحابوا بروح الله بينهم ، على غير أرحام بينهم ، ولا أموال يتعاطونها ، والله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور . لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس " . . [ أخرجه أبو داود ] .

ويقول [ ص ] : " إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم ، فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار " . . [ رواه الطبراني ] .

وتتوارد أقوال الرسول تترى في هذا الباب ؛ وتشهد أعماله بأصالة هذا العنصر في رسالته [ ص ] ؛ كما تشهد الأمة التي بناها على الحب أنها لم تكن مجرد كلمات مجنحة ، ولا مجرد أعمال مثالية فردية ؛ إنما كانت واقعاً شامخاً قام على هذا الأساس الثابت ، بإذن الله ، الذي لا يقدر على تأليف القلوب هكذا سواه .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (63)

المفردات :

ألف بين قلوبهم : جمع بين قلوب الأوس والخزرج .

63 – { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .

تستمر هذه الآيات في تشجيع الرسول صلى الله عليه وسلم ، على السير في طريق الصلح ، ما دام فيه مصلحة للإسلام والمسلمين ، وتبشره بأن الله سينصره وسيكفيه أمر الأعداء ، حتى لو أرادوا المخادعة والمراوغة ، وتضرب لذلك مثالا عمليا شاخصا للعيان .

فهؤلاء الأوس والخزرج كانوا في الجاهلية أبناء عمومة ، وكانت بينهم حروب لا تهدأ ، وثارات لم تنطفئ ، ولم يجتمعوا تحت راية ، حتى جاء الإسلام ، ودخل فيه من الأوس ومن الخزرج ؛ وتحولت البغضاء والإحن ، والأحقاد والعداوة ، إلى حب عظيم في الله وفي دينه ، وفي رسوله وفي كتابه ، وألف الله بين قلوبهم ، بقدرته ورحمته ، فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف يشاء ؛ فالحب والهداية والإيمان كلها من خلق الله ، وذلك لأن الألفة والمودة والمحبة الشديدة إنما حصلت بفضل الله ومتابعة الرسول الله صلى الله عليه وسلم .

{ لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم } .

أي : لو جمعت ما في الأرض من ذهب وفضة ، وأنفقته لتقضي على ما كان بينهم من التنازع والتخاصم والفرقة ، وتزرع بدلا منه المودة والألفة والرحمة ؛ ما استطعت إلى ذلك سبيلا بوسائلك المادية ؛ ولكن الله تعالى ، أماط عنهم البغضاء والشحناء ، وزرع مكان ذلك الحب والمودة والإيثار ؛ لأنه سبحانه هو مقلب القلوب وولى تصريفها .

وكان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم : " اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ، ثبت قلبي على دينك " .

فقالت عائشة : يا رسول الله ، أراك تكثر من هذا الدعاء . فقال صلى الله عليه وسلم : " يا عائشة ، إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف يشاء " liii .

ومن الدعاء المأثور : " اللهم آت نفسي تقواها وزكاها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها " liv .

{ إنه عزيز حكيم } .

إنه سبحانه غالب على أمره ، لا يعجزه أمر أراده حكيم ، لا يخرج شيء عن حكمته .

وقد ذكر الزمخشري في تفسير الكشاف كلاما نفيسا في وصف حالة العرب في الجاهلية ، وما كانوا فيه من الحمية والعصبية ، ثم بيان أثر هداية الإسلام في وحدتهم وألفتهم وتعاونهم . اه .

وفي الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الأنصار في شأن غنائم حنين ؛ قال لهم : يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ وعالة فأغناكم الله بي ؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ؟ ! فقالت الأنصار : نعم يا رسول الله ، ولله ولرسوله الفضل والمنةlv .

وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي عن ابن عباس قال : " قرابة الرحم تقطع ، ومنه النعمة تكفر ، ولم ير مثل تقارب القلوب " : يقول الله تعالى : { لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم } .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (63)

{ وألف بين قلوبهم } قيل : المراد بين قلوب الأوس والخزرج إذ كانت بينهما عداوة فذهبت بالإسلام ، واللفظ عام .