وتختم السورة بمشهد يتأمله القلب طويلا ، ويرتعش له الوجدان طويلا ؛ ولا ينتهي الخيال من استعراضه
( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ? ) .
وهو مشهد يبدؤك بالرجة المدمرة ، ثم يغمرك بالصمت العميق . وكأنما يأخذ بك إلى وادي الردى ، ويقفك على مصارع القرون ؛ وفي ذلك الوادي الذي لا يكاد يحده البصر ، يسبح خيالك مع الشخوص التي كانت تدب وتتحرك ، والحياة التي كانت تنبض وتمرح . والأماني والمشاعر التي كانت تحيا وتتطلع . . ثم إذا الصمت يخيم ، والموت يجثم ، وإذا الجثث والأشلاء والبلى والدمار ، لا نأمة . لا حس . لا حركة . لا صوت . . ( هل تحس منهم من أحد ? )انظر وتلفت ( هل تسمع لهم ركزا )تسمع وأنصت . ألا إنه السكون العميق والصمت الرهيب . وما من أحد إلا الواحد الحي الذي لا يموت .
98- { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } .
لقد أهلكنا كثيرا من الأمم السابقة ، التي كذبت رسلي ؛ فأغرقنا قوم نوح وقوم فرعون ، وأهلكنا عادا وثمود وقوم لوط . وهذه الأمم التي بادت وهلكت بغضب لها ؛ كانت ملء السمع والبصر ، لها تحرك وقوة وقدرة فوق الأرض ، والآن بادت وأصبحت رميما تحت التراب ؛ لا ترى العين أحدا من أهلها ، ولا تسمع لأحدهم صوتا خافتا . إنهم في صمت القبور .
وبهذا الختام يشخص القرآن الكريم أمام العين أمما أقوى من كفار مكة كانوا يتحركون وينبضون بالحياة والأماني والمشاعر ، ثم إذا الصمت يخيم ، والموت يجثم ، وإذا الجثث والأشلاء والبلى والدمار ، لا حس ، لا حركة ، لا صوت .
{ هل تحس منهم من أحد } . انظر وتلفت .
{ أو تسمع لهم ركزا } . تسمع وأنصت .
ألا إنه السكوت العميق ، والصمت الرهيب ، وما من أحد إلا الواحد الحي الذي لا يموتxxix .
خلاصة لما اشتملت عليه سورة مريم
1- دعاء زكريا لله : أن يرزقه ولدا .
2- استجابة الله لدعائه وبشارته لزكريا بولد اسمه : يحيى .
3- صفات يحيى وهي القوة في الدين ، والحكمة في الصبا ، والحنان والتقى ، وبر الوالدين والعبد عن التجبر والمعصية .
4- قصة مريم وحملها بعيسى ، ونطق عيسى في المهد ، والرد على من اتخذ عيسى إلها .
5- معجزات عيسى ، واختلاف النصارى بشأنه .
6- قصص إبراهيم عليه السلام مع أبيه آزر ، واعتزاله لقومه ، ثم هبة الله لإبراهيم إسحاق ويعقوب .
7- جانب من قصة موسى وإسماعيل وإدريس عليهم السلام .
8- جبريل لا ينزل إلى الأنبياء إلا بإذن ربه .
9- الإخبار : بأن جميع الخلائق ترد على النار يوم القيامة ، ثم ينجي الله المؤمنين إلى الجنة ، ويترك الكافرون في جهنم .
10- النعي على المشركين باتخاذ الشركاء ، وفي يوم القيامة سيكون الشركاء أعداء لمن عبدوهم من دون الله .
11- التفرقة بين حشر المتين إلى دار الكرامة ، وسوق المجرمين إلى دار الخزي والهوان .
12- النعي الشديد على من ادعى : أن لله ولدا .
13- أنزل الله القرآن بلسان عربي مبين ؛ ليبشر المتقين ، وينذر العتاة الظالمين .
i - في ظلال القرآن 16/24 ط 1 .
ii - تفسير الطبري 16/102 ط 1 بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق سنة 1328 .
رواه البخاري في فرض الخمس ح 3049 ، 3093 ، والمغازي ح 4241 ، 4063 ، 2034 ، والنفقات ح 5358 ، والفرائض ح 673 ، 6728 ، 6725 ، والاعتصام ح 177 ، 7305 ، ومسلم في الجهاد 1761 ، 1759 ، والترمذي في السير 1610 ، والنسائي في قسم الفيء ح 4148 ، وأبو داود في الخراج ح 2968 ، 2963 ، وأحمد ح 173 ، 59 ، 26 ، 10 .
iv - تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح :
رواه البخاري في الأذان ح 649 ، وتفسير القرآن ح 4717 ، ومسلم في المساجد ح 649 ، والترمذي في التفسير ح 3135 ، والنسائي في الصلاة ح 486 ، وابن ماجة في الصلاة ح 670 ، وأحمد ح 9783 ، 7557 ، 7145 ، من حديث أبي هريرة أيضا بلفظ : فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمسة وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح يقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } . ورواه البخاري في مواقيت الصلاة ح 555 ، والتوحيد ح 7486 ، 7429 ، ومسلم في المساجد ح 632 ، والنسائي في الصلاة ح 485 ، وأحمد ح 9936 ، 27336 ، مالك في النداء للصلاة ح 413 ، من حديث أبي هريرة بلفظ : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار . . . ) الحديث .
v - لا يتمنين أحدكم الموت من ضرّ أصابه :
رواه البخاري في المرضى ( 5671 ) والدعوات ( 351 ) ومسلم في الذكر ( 2680 ) وأبو داود في الجنائز ( 3108 ) وأحمد في مسنده ( 11568 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لا بد فاعلا ؛ فليقل : اللهم ، أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ) .
vi - إنهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم :
رواه مسلم في الآداب ( 2135 ) والترمذي في التفسير ( 3155 ) وأحمد في مسنده ( 17736 ) من حديث المغيرة بن شعبة قال : لما قدمت نجران سألوني فقالوا : إنكم تقرءون { يا أخت هارون } وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال ( إنهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم ) .
رواه البخاري في بدء الخلق ح 3193 ، والنسائي في الجنائز ح 2078 ، وأحمد ح 8870 .
viii - مختصر تفسير ابن كثير تحقيق الصابوني 2/451 .
ix - محاضرات في التاريخ الإسلامي لطلبة كلية العلوم جامعة القاهرة . أ . د حلمي . . . سنة 1954 م ( مخطوط ) .
x - يؤتى بالموت على صورة كبش :
رواه البخاري في تفسير القرآن ( 4730 ) والترمذي في تفسير القرآن ( 3156 ) من حديث أبي سعيد الخذري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد : يا أهل الجنة ، فيشرئبّون وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا فيقولون : نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ثم ينادي : يا أهل النار فيشرئبوّن وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا فيقولون : نعم هذا الموت وكلهم قد رأوه فيذبح ثم يقول : يا أهل الجنة ، خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة } وهؤلاء غفلة أهل الدنيا { وهم لا يؤمنون } ) . ورواه ابن ماجة في الزهد ( 4327 ) والدارمي في الرقاق ( 2811 ) وأحمد في مسنده ( 9186 ، 8689 ، 7493 ) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يؤتى بالموت بكبش أغبر فيوقف بين الجنة والنار فيقال : يا أهل الجنة ، فيشرئبّون وينظرون ويقال : يا أهل النار ، فيشرئبّون وينظرون ويرون أن قد جاء الفرج فيذبح ويقال : يا أهل الجنة ، فيشرئبّون وينظرون ويرون أن قد جاء الفرج فيذبح ويقال : خلود لا موت ) .
xi - انظر تفسير الآلوسي والمراغي .
xii - في ظلال القرآن 16/ 45 ، 44 طبعة عيس البابي الحلبي وشركاه ، وانظر تفسير المراغي 16/64 ، حيث أفاد : أن الباحثين في الآثار المصرية ، يعتقدون أن أوزوريس صعد إلى السماء ، وله فيها عرش عظيم .
xiii - التائب من الذنب كمن لا ذنب له :
رواه ابن ماجة في الزهد ( 4250 ) من حديث ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) .
xiv - ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه :
رواه البخاري في الرقاق ( 6502 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينّه ولئن استعاذني لأعيذنّه وما تردّدت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ) . قلت : تفرد به البخاري وهو من رواية خالد بن مخلد ، وقد قال بعضهم : لولا هيبة الصحيح ؛ لعدوه من منكرات خالد بن مخلد .
xv - وعزّتي وجلالي لو أتاني عبدي ليلا لقبلته :
xvi - ألا تزورنا أكثر مما تزورنا :
رواه البخاري في بدء الخلق ( 3218 ) والتفسير ( 4731 ) والتوحيد ( 7455 ) والترمذي في التفسير ( 3158 ) وأحمد في مسنده ( 2044 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : ( ألا تزورنا أكثر مما تزورنا ) . قال : فنزلت : { وما ننزل إلا بأمر ربّك له ما بين أيدينا وما خلفنا . . . } الآية .
xvii - عليك بسبحان الله والحمد لله :
رواه ابن ماجة في الأدب ( 3813 ) من حديث أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليك بسبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ؛ فإنه يعني يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها .
xviii - انظر مختصر تفسير ابن كثير تحقيق الصابوني ، وفي بعض الروايات : أن خباب بن الأرت صنع سيفا ، للعاص بن وائل ، فلما تقاضاه ثمنه ، تهكّم به .
xix - تفسير ابن كثير ، والآلوسي .
xx - مختصر تفسير ابن كثير تحقيق الصابوني 2/465 .
xxi - رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير ، وأن جرير ، وانظر مختصر تفسير ابن كثير الصابوني 2/466 .
xxii - مختصر تفسير ابن كثير تحقيق محمد علي الصابوني 2/466 .
xxiii - من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة :
قال السيوطي في ذر المنثوري : وأخرج الطبراني في الوسط ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة ، قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئا ؛ جاء له عند الله عهد أن لا يعذبه ، ومن جاء قد انتقص منهنّ شيئا ؛ فليس له عند الله عهد ، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه ) .
رواه البخاري في الأدب ح 6099 ، والتوحيد ح 7378 ، ومسلم في صفة القيامة ح 2804 ، وأحمد ح 19092 ، 19136 . من حديث أبي موسى مرفوعا : ( ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله . . . الحديث ) .
xxvi - انظر مختصر تفسير ابن كثير للصابوني حيث قال في التعليق عليه ، ويشهد له حديث البطاقة ، والله أعلم . 1 ه . وقد ورد في السنة النبوية ما يفيد : أن النار لا يبقى فيها من قال : ( لا إله إلا الله ) .
xxvii - إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل :
رواه البخاري في بدء الخلق ( 3209 ) ومسلم في البر والصلة ( 2637 ) .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وكثيرا أهلكنا يا محمد قبل قومك من مشركي قريش، "من قرن"، يعني: من جماعة من الناس، إذا سلكوا في خلافي وركوب معاصيّ مسلكهم، "هل تحس منهم من أحد": يقول: فهل تحسّ أنت منهم أحدا يا محمد، فتراه وتعاينه.
"أوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزا "يقول: أو تسمع لهم صوتا، بل بادوا وهلكوا، وخَلَت منهم دورهم، وأوحشت منهم منازلهم، وصاروا إلى دار لا ينفعهم فيها إلا صالح من عمل قدّموه، فكذلك قومك هؤلاء، صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يُعاجلوا التوبة قبل الهلاك...
قال: قال ابن زيد، في قوله: "هَلْ تُحِسّ مِنْهُمْ مِنْ أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزا" قال: أو تسمَع لهم حِسّا. قال: والركز: الحس. قال أبو جعفر: والركز في كلام العرب: الصوت الخفيّ...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يقول لنبيه: {هل تحس منهم من أحد} أي هل ترى؟ وتبصر منهم أحدا؟ أي لا ترى، ولا تبصر منهم أحدا.
{أو تسمع لهم ركزا} قيل: صوتا، وقيل: ذكرا، أي يذكرون بعد هلاكهم إلا بسوء. يحذر أهل مكة لئلا يكذبوا رسلهم كما كذب الذين من قبلهم الرسل، فيكونوا كما كان أولئك، ويصيروا مثلهم...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... المعنى: إنا قد أهلكنا أمما كثيرة أعظم منهم كثرة، وأكثر أموالا وأشد خصاما فلم يغنهم ذلك لما أردنا إهلاكهم، فكيف ينفع هؤلاء ذلك، وهم أضعف منهم في جميع الوجوه، وبين أن حكم هؤلاء حكم أولئك في أن لا يبقى لهم عين ولا أثر.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
وقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا} تخويف لهم وإنذار. وقرئ «تَحُسُّ» من حسه إذا شعر به. ومنه الحواس والمحسوسات... والركز: الصوت الخفي. ومنه: ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض. والركاز: المال المدفون.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
فكأنه يقول أو تسمع من أخبارهم قليلاً أو كثيراً، أو طرفاً خفياً ضعيفاً، وهذا يراد به من تقدم أمره من الأمم ودرس خبره، وقد يحتمل أن يريد: هل بقي لأحد منهم كلام أو تصويت بوجه من الوجوه؟ فيدخل في هذا من عرف هلاكه من الأمم...
ثم إنه تعالى ختم السورة بموعظة بليغة فقال: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا والانتهاء إلى الموت خافوا ذلك وخافوا أيضا سوء العاقبة في الآخرة فكانوا فيها إلى الحذر من المعاصي أقرب، ثم أكد تعالى في ذلك فقال: {هل تحس منهم من أحد} لأن الرسول عليه السلام إذا لم يحس منهم أحدا برؤية أو إدراك أو وجدان: {ولا يسمع لهم ركزا} وهو الصوت الخفي... دل ذلك على انقراضهم وفنائهم بالكلية، والأقرب في قوله: {أهلكنا} أن المراد به الانقراض بالموت وإن كان من المفسرين من حمله على العذاب المعجل في الدنيا، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان التقدير بعدما أرشد إليه السياق من مفعول {ينذر}: فإنا قادرون على إهلاكهم وجميع ما نريد منهم، عطف عليه قوله: {وكم أهلكنا} بما لنا من العظمة، ولما كان المراد التعميم، أثبت الظرف عرياً عن الجار، وأكد الخبر بإثبات من بعده فقال: {قبلهم من قرن} كانوا أشد منهم شدة، وأكثر عدة، وأوثق عدة، فلم يبق إلا سماع أخبارهم، ومشاهدة آثارهم؛ ثم قال تصويراً لحالهم، وتقريراً لمضمون ما مضى من مآلهم: {هل تحس منهم من أحد} ببصر أو لمس {أو تسمع لهم ركزاً} أي صوتاً خفياً فضلاً عن أن يكون جلياً، فقد ختمت السورة بما بدئت به من الرحمة لأوليائه، والود لأصفيائه، والنعمة للذين خلفوا بعدهم من أعدائه، بعد الرحمة للفريقين بهذا الكتاب بشارة ونذارة فحلت الرحمة على أوليائه، وزلت عن أعدائه والله الموفق.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ} من قوم نوح، وعاد، وثمود، وفرعون، وغيرهم من المعاندين المكذبين، لما استمروا في طغيانهم، أهلكهم الله فليس لهم من باقية. {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} والركز: الصوت الخفي، أي: لم يبق منهم عين ولا أثر، بل بقيت أخبارهم عبرة للمعتبرين، وأسمارهم عظة للمتعظين...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهو مشهد يبدأك بالرجة المدمرة، ثم يغمرك بالصمت العميق. وكأنما يأخذ بك إلى وادي الردى، ويقفك على مصارع القرون؛ وفي ذلك الوادي الذي لا يكاد يحده البصر، يسبح خيالك مع الشخوص التي كانت تدب وتتحرك، والحياة التي كانت تنبض وتمرح. والأماني والمشاعر التي كانت تحيا وتتطلع.. ثم إذا الصمت يخيم، والموت يجثم، وإذا الجثث والأشلاء والبلى والدمار، لا نأمة. لا حس. لا حركة. لا صوت.. (هل تحس منهم من أحد؟) انظر وتلفت (هل تسمع لهم ركزا) تسمع وأنصت. ألا إنه السكون العميق والصمت الرهيب. وما من أحد إلا الواحد الحي الذي لا يموت.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لما ذكروا بالعناد والمكابرة أتبع بالتعريض بتهديدهم على ذلك بتذكيرهم بالأمم التي استأصلها الله لجبروتها وتعنّتها لتكون لهم قياساً ومثلاً. فالجملة معطوفة على جملة {فإنما يسرناه بلسانك} [مريم: 97] باعتبار ما تضمنته من بشارة المؤمنين ونذارة المعاندين، لأنّ في التعريض بالوعيد لهم نذارة لهم وبشارة للمؤمنين باقتراب إراحتهم من ضرّهم.
الحق تبارك وتعالى يسري عن نبيه صلى الله عليه وسلم ما يلاقي من عنت في سبيل دعوته، كأنه يقول له: إياك أن ينال منك بغض القوم لك وكرههم لمنهج الله، إياك أن تتضاءل أمام جبروتهم في عنادك، فهؤلاء ليسوا أعز من سابقيهم من المكذبين، الذين أهلكهم الله، إنما استبقى هؤلاء لأن لهم مهمة معك.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} من هذه الجماعات التي كانت تتجمع في دوائر محدودة فبادت وتناولتها أيدي الفناء، فلم تبق على شيء منها، ولم يعد لها إلا ذكريات التاريخ القديم الضائع فلا يحس بهم أحد، {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أحدٍ أو تسمع لهم ركزاً} يتحرك ليدل على الوجود. ولكن إذا جاء الموت، فإنه لا يُبْقي أثراً من حركة الحياة، ومن صوت خفيف أو قوي يدل على مثل هذه الحركة، أو يؤكد ذاك الوجود.
وهكذا تنتهي السورة، لتقود الإنسان إلى التأمُّل في كل التاريخ القديم، ولتحثه على صنع تاريخه الجديد في مستقبل حياته، وذلك بطريقة تستلهم كل أفكارها ومعانيها من أجواء التأمل، لتأخذ العبرة دائماً، للمستقبل، من حركة الأجيال المتتابعة التي يطل منها كل جيل في تجربته على الجيل الآخر...