( وجاهدوا في الله حق جهاده ) . . وهو تعبير شامل جامح دقيق ، يصور تكليفا ضخما ، يحتاج إلى تلك التعبئة وهذه الذخيرة وذلك الإعداد . .
( وجاهدوا في الله حق جهاده ) . . والجهاد في سبيل الله يشمل جهاد الأعداء ، وجهاد النفس ، وجهاد الشر والفساد . . كلها سواء . .
( وجاهدوا في الله حق جهاده ) . . فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة ، واختاركم لها من بين عباده : ( هو اجتباكم ) . . وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة ، ولا يجعل هنالك مجالا للتخلي عنها أو الفرار ! وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء !
وهو تكليف محفوف برحمة الله : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) . . وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته . ملحوظ فيه تلبيته تلك الفطرة . وإطلاق هذه الطاقة ، والاتجاه بها إلى البناء والاستعلاء . فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم . ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم !
وهو منهج عريق أصيل في ماضي البشرية ، موصول الماضي بالحاضر : ( ملة أبيكم إبراهيم )وهو منبع التوحيد الذي اتصلت حلقاته منذ عهد إبراهيم - عليه السلام - فلم تنقطع من الأرض ، ولم تفصل بينها فجوات مضيعة لمعالم العقيدة كالفجوات التي كانت بين الرسالات قبل إبراهيم عليه السلام .
وقد سمى الله هذه الأمة الموحدة بالمسلمين . سماها كذلك من قبل وسماها كذلك في القرآن : ( هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) . .
والإسلام إسلام الوجه والقلب لله وحده بلا شريك . فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع الأجيال والرسل والرسالات . حتى انتهى بها المطاف إلى أمة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وحتى سلمت إليها الأمانة ، وعهد إليها بالوصاية على البشرية . فاتصل ماضيها بحاضرها بمستقبلها كما أرادها الله : ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) . . فالرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يشهد على هذه الأمة ، ويحدد نهجها واتجاهها ، ويقرر صوابها وخطأها . وهي تشهد على الناس بمثل هذا ، فهي القوامة على البشرية بعد نبيها ؛ وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها ، وتربيتها وفكرتها عن الكون والحياة . ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على منهجها العريق المتصل الوشائج ، المختار من الله .
ولقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي وطبقته في حياتها الواقعية . حتى إذا انحرفت عنه ، وتخلت عن تكاليفه ، ردها الله عن مكان القيادة إلى مكان التابع في ذيل القافلة . وما تزال . ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اجتباها له الله .
هذا الأمر يقتضي الاحتشاد له والاستعداد . . ومن ثم يأمرها القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله :
فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله . هو مولاكم . فنعم المولى ونعم المصير . .
فالصلاة صلة الفرد الضعيف الفاني بمصدر القوة والزاد . والزكاة صلة الجماعة بعضها ببعض والتأمين من الحاجة والفساد . والاعتصام بالله العروة الوثقى التي لا تنفصم بين المعبود والعباد .
بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها لها الله . وتملك الانتفاع بالموارد والطاقات المادية التي تعارف الناس على أنها مصادر القوة في الأرض . والقرآن الكريم لا يغفل من شأنها ، بل يدعو إلى إعدادها . ولكن مع حشد القوى والطاقات والزاد الذي لا ينفد ، والذي لا يملكه إلا المؤمنون بالله .
فيوجهون به الحياة إلى الخير والصلاح والاستعلاء .
إن قيمة المنهج الإلهي للبشرية أنه يمضي بها قدما إلى الكمال المقدر لها في هذه الأرض ؛ ولا يكتفي بأن يقودها للذائذ والمتاع وحدهما كما تقاد الأنعام .
وإن القيم الإنسانية العليا لتعتمد على كفاية الحياة المادية ، ولكنها لا تقف عند هذه المدارج الأولى . وكذلك يريدها الإسلام في كنف الوصاية الرشيدة ، المستقيمة على منهج الله في ظل الله . .
78 - وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ . . .
جاهدوا : الجهاد استفراغ الوسع في مجاهدة العدو ، وهو ثلاثة أضرب :
1 – مجاهدة العدو الظاهر كالكفار .
3 – مجاهدة النفس والهوى وهذه أعظمها .
اعتصموا بالله : استعينوا به وتوكلوا عليه .
مولاكم : ربكم ومالك أمركم ومدبر شئونكم .
تدعو الآية إلى الجهاد في سبيل الله ، والقرآن الكريم حافل بالدعوة إلى الجهاد ، والحث على الشهادة ، في سبيل الإسلام ونصر الدين ومقاومة الكافرين ، وأعداء الدين ، ومن أنواع الجهاد ، جهاد الشيطان ، وسد منافذه وإفساد خططه وحيله .
قال تعالى : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا . . . ( فاطر : 6 ) .
وقال عز شأنه : يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ . . . ( الأعراف : 27 ) .
وقال تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ . ( النحل : 99 ، 100 ) .
ومن أنواع الجهاد جهاد النفس والهوى وذلك بالمشارطة ، والمراقبة ، والمعاتبة ، والمعاقبة ، والمحاسبة ، والإخلاص في الدعاء ، فيشترط على نفسه الاستقامة ، والبعد عن المعاصي ، ويراقب نفسه في تصرفاتها ، ويلومها على الأخطاء ، فإذا تكررت الأخطاء ، عاقب نفسه بالصيام ، أو تلاوة القرآن ، أو غير ذلك .
وعلى المسلم أن يجلس وقتا ما في نهاية كل يوم لتصفية الحساب مع نفسه ، فإن وجد خيرا فليحمد الله ، وإن وجد معصية ، ندم واستغفر ، وجدد التوبة والالتجاء إلى الله تعالى ، طالبا منه قبول التوبة والهداية والمعونة .
وأفضل الجهاد ، مقاومة الظلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر )l .
أخرجه ابن ماجة ، والخطيب ، وأحمد ، والطبراني ، والبيهقي .
هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ .
هو سبحانه اختاركم واصطفاكم لحمل خاتم الأديان ، وأرسل إليكم خاتم الرسل ، وأنزل إليكم أكرم الكتب السماوية ، وأتم الله عليكم نعمته بالتأييد والنصر .
وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ .
ولم يجعل في الدين الذي تعبدكم ضيقا لا مخرج منه ، ولم يكلفكم ما يشق عليكم ، بل جعل التكاليف في حدود الوسع والطاقة لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا . . . ( البقرة : 286 ) .
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . ( البقرة : 185 ) .
ومن ذلك التيسير أنه أباح للمسافر قصر الصلاة ، والإفطار في رمضان ، وأباح لنا التيمم عند فقد الماء ، أو تعذر استعماله ، وأباح في الصلاة القيام والقعود والنوم على الجنب ، حسب الحالة الصحية للمصلي ، وأباح الفطر في رمضان للحامل والمرضع والمشتغل في الأعمال الشاقة ، ولم يوجب علينا الجمعة في المساجد حين السفر أو المطر ، أو الخوف من عدو أو سبع ، إلى نحو أولئك ، كما فتح الله لنا باب التوبة ، وشرع لنا الكفارات في حقوقه ، ودفع الدية بدل القصاص إذا رضى الولي .
وقريب من هذا المعنى قوله تعالى : مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . ( المائدة : 6 ) .
وقوله عز شأنه : رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . ( البقرة : 286 ) .
مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ .
أي : وملتكم هي ملة إبراهيم الحنيفية السمحة ، وإبراهيم هو الذي بنى البيت الحرام ، ودعا الناس إلى حجه والصلاة فيه ، بتكليف من الله تعالى ، ونحو الآية قوله تعالى : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين . ( الأنعام : 161 ) .
قال ابن جرير : وهو منصوب على تقدير : الزموا ملة أبيكم إبراهيم .
إن دينكم الذي لا حرج فيه هو دين إبراهيم ، فالزموه لأنه الدين القيم ، ووصف سبحانه إبراهيم عليه السلام بالأبوة لهذه الأمة ، لأن إبراهيم أب لشجرة الأنبياء ، فهو أبو الملة الإبراهيمية الحنيفية السمحة ، المائلة عن الباطل إلى الحق ، ومن نسل إبراهيم إسماعيل ، وكان من ذريته نبي واحد هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن نسل إبراهيم إسحاق ومن نسله يعقوب الملقب بإسرائيل ومن نسله الأسباط وهم الأحفاد ، أحفاد إبراهيم ، وكان من نسلهم آلاف الأنبياء لبني إسرائيل . كما يتضح ذلك من الآتي :
محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعقوب ( إسرائيل )
يوسف . بنيامين . . ( الأسباط )
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا .
أي : الله سماكم بهذا الاسم الأكرم من قبل في الكتب المقدسة وفي هذا . يعني : القرآن .
وقال بعض المفسرين : الضمير يعود إلى إبراهيم وذلك لقوله : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ . . . ( البقرة : 128 ) .
ورجح ابن كثير الرأي الأول فإن الله تعالى هو الذي اختار هذه الأمة وجعلها خير أمة أخرجت للناس ، وسماها أمة المسلمين بدليل ما جاء بعد هذه الفقرة ، من امتياز هذه الأمة بالشهادة على الناس ، فمعها الدين الحق والشريعة السمحاء .
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ .
أي : إنما جعلكم هكذا أمة وسطا عدولا ، مشهودا بعدالتكم بين الأمم ، ليكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهيدا عليكم يوم القيامة ، بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم ، وتكونوا شهداء على الناس بأن الرسل قد بلغوهم ما أرسلوا به إليهم ، وإنما قبلت شهادة الأمة الإسلامية على الناس لسائر الأنبياء ، لأنهم لم يفرقوا بين أحد منهم ، وعلموا أخبارهم من كتابهم على لسان نبيهم .
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يدعى نوح – عليه السلام – يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديك يا رب ، فيقال له : هل بلغت ما أرسلت به ؟ فيقول : محمد وأمته . فيشهدون بأنه قد بلغ )li .
وقريب من هذا المعنى قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا . . . ( البقرة : 143 ) .
حيث إن مكة فيها البيت الحرام وهو في منطقة وسط ، أشبه بمنتصف الدائرة حيث يتجه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها في الصلاة إلى البيت الحرام ، والإسلام رسالة كاملة ، أساسها القرآن الكريم والسنة المطهرة ، والاجتهاد الذي يعتمد على فهم النصوص وروح التشريع والقياس والاستحسان وأعمال الصحابة وسد الذرائع والمصالح المرسلة وغير ذلك من القواعد ، التي تكسب الفقه الإسلامي مرونة ، وصلاحية للتطبيق في كل زمان ومكان . وكان اليهود قد بالغوا في المادية ، فنزلت التوراة مشتملة على تشريعات فيها بعض العقوبات وتحريم بعض الطيبات .
قال تعالى : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم . . . ( النساء : 160 ) .
ثم جاءت المسيحية تهتم بالنواحي الروحية ؛ ويعتبر العهد الجديد – أي : الأناجيل – متمما للعهد القديم أي : للتوراة والتلمود . ( والتلمود ) كتاب صعب وهو مقدس عند اليهود كتقديس التوراة ويقول المسيح عليه السلام : ( ما جئت لأنقض الناموس بل لأتممه ) ، ثم جاء الإسلام ، جامعا بين المادة والروح ، والعناية بالإلهيات والنبوات والعبادات والمعاملات ، مع العناية بالتقوى ويقظة الضمير ونظافة القلب ، وحسن العلاقة مع الله ، أي أن الإسلام اشتمل على محاسن المبادئ والدعوات ، وتخلص من مساوئها .
فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ .
أي : قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها ، فأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض ، وترك ما حرم ، ومن أهم ذلك : إقام الصلاة كاملة في أوقاتها بخشوعها ، وإيتاء الزكاة التي كلفكم الله بها إلى مستحقيها .
وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ .
استعينوا بالله وتمسكوا بحبله وتوكلوا عليه وتأيدوا به ، هو حافظكم وناصركم على أعدائكم .
فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ .
نعم المولى ونعم المعين ، فمن تولاه كفاه كل ما أهمه ، وإذا نصر أحدا أعلاه على كل من خاصمه ، إذ لا ناصر في الحقيقة سواه ، ولا ولي غيره ، فله الحمد وهو رب العالمين .
2 . جدال عبدة الأوثان بدون حجة أو برهان .
3 . تطور خلق الجنين في بطن أمه .
5 . الله يحكم بين عباده يوم القيامة ، ويجازي كل فريق بما يستحق .
7 . تكليف إبراهيم بدعوة الناس إلى الحج .
10 . تسلية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليصبر على أذى قومه ، وذكر ما أصاب المكذبين من الأمم السابقة .
11 . شياطين الجن والإنس يقفون في وجه دعوات الرسل والمصلحين .
12 . فضل الهجرة ، وفضل الدفاع عن النفس والدين .
13 . ألوان من تعنت المشركين ، وبطشهم بالمؤمنين .
14 . ضعف الأصنام ، وعظيم قدرة الله .
15 . اصطفاء جبريل من الملائكة ، واصطفاء الرسل من الناس .
16 . أفضلية الأمة المحمدية وشهادتها على الناس يوم القيامة .
تم بحمد الله تفسير الجزء ( السابع عشر ) ويليه تفسير الجزء ( الثامن عشر ) إن شاء الله .
i بصائر ذوي التمييز للفيروزبادي تحقيق النجار ، وقد ذهب إلى أن السورة مكية بالاتفاق . والنظم الفني في القرآن لعبد المتعال الصعيدي ص 204 .
ii انظر بصائر ذوي التمييز للفيروزبادي تحقيق النجار 1 / 323 ، وفي ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 17 / 71 .
iii انظر بصائر ذوي التمييز للفيروزبادي 1 / 323 .
رواه البخاري في الرقاق ( 6527 ) ومسلم في الجنة ( 2859 ) والنسائي في الجنائز ( 2083 ) وابن ماجة في الزهد ( 4286 ) وأحمد في مسنده ( 33744 ) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( تحشرون حفاة عراة غرلا ، قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ، فقال : الأمر أشد من أن يهمهم ذاك ) .
رواه أحمد في مسنده ( 24272 ) من حديث عائشة قالت : قلت يا رسول الله هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة قال : يا عائشة أما عند ثلاث فلا : أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا ، وأما عند تطاير الكتب فإما أن يعطى بيمينه أو يعطى بشماله فلا ، وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم ويتغيظ عليهم ، ويقول ذلك العنق : وكلت بثلاثة ، وكلت بثلاثة : وكلت بمن ادعى مع الله إلها آخر ، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب ، ووكلت بكل جبار عنيد ، قال : فينطوي عليهم ويرمي بهم في غمرات ، ولجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف عليه كلاليب وحسك يأخذون من شاء الله والناس عليه كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب ، والملائكة يقولون : رب سلم ، فناج مسلم ، ومخدوش مسلم ومكور في النار على وجهه .
vi إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه :
رواه البخاري في بدء الخلق ( 2969 ) ، ومسلم في القدر ( 4781 ) ، وأحمد ( 3441 ، 3882 ) ، والترمذي في القدر ( 2063 ) .
رواه البخاري في بدء الخلق ( 3199 ) والتفسير ( 4802 ، 4803 ) والتوحيد ( 7433 ) ومسلم في الإيمان ( 159 ) وأحمد في مسنده ( 20793 ) من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس : ( أتدري أين تذهب ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها ، يقال لها : ارجعي من حيث جئت ؛ فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى : { والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم } .
viii إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد :
رواه البخاري في الجمعة ( 1043 ، 1061 ) من حديث المغيرة بن شعبة قال : كسفت الشمس على عهد رسول الله يوم مات إبراهيم فقال الناس : كسفت الشمس لموت إبراهيم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا الله ) . ورواه البخاري في الجمعة( 1040 ، 1048 ) ومسلم في الكسوف ( 915 ) من حديث أبي بكرة قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانكسفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجر رداءه حتى دخل المسجد فدخلنا فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم ) .
ورواه البخاري في الجمعة ( 1041 ، 1057 ) وبدء الخلق ( 3204 ) ومسلم في الكسوف ( 911 ) من حديث أبي مسعود ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد من الناس ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فقوموا فصلوا ) . ورواه مسلم في الكسوف ( 904 ) من حديث جابر قال : انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال الناس : إنما انكسفت لموت إبراهيم ، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات . . . الحديث ، وفيه : فقال : ( يا أيها الناس إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس – وقال أبو بكر : لموت بشر – فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلوا حتى تنجلي ، ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه لقد جيء بالنار . . . الحديث . ورواه مسلم في الكسوف ( 907 ) من حديث ابن عباس قال : انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس معه فقام قياما طويلا . . . الحديث ، وفيه : ثم انصرف وقد انجلت الشمس فقال : ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله ) قالوا : يا رسول الله ، رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا . . الحديث .
ix اللهم اكتب لي بها عندك أجرا :
رواه الترمذي في الجمعة ( 579 ) والدعوات ( 3424 ) من حديث ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ، إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت لسجودي ؛ فسمعتها وهي تقول : اللهم اكتب لي بها عندك أجرا ، وضع عني بها وزرا ، واجعلها لي عندك ذخرا ، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ، قال الحسن : قال لي ابن جريج : قال لي جدك : قال ابن عباس : فقرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجدة ثم سجد قال : فقال ابن عباس : فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة ، قال : قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
x إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي :
رواه مسلم في الإيمان ( 81 ) وابن ماجة في إقامة الصلاة ( 1052 ) وأحمد في مسنده ( 9420 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ، يقول : يا ويله ) . ورواية أبي كريب : ( يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد ؛ فله الجنة ، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ) .
xi هذان خصمان اختصموا في ربهم :
رواه البخاري في المغازي ( 3966 ، 3969 ) والتفسير ( 4743 ) ومسلم في التفسير ( 3033 ) وابن ماجة في الجهاد ( 2835 ) من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال : نزلت : { هذان خصمان اختصموا في ربهم } في ستة من قريش : علي وحمزة وعبيدة بن الحارث ، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ، ورواه البخاري في المغازي ( 3965 ، 3967 ) والتفسير ( 4744 ) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمان للخصومة يوم القيامة ، وقال قيس بن عباد : وفيهم أنزلت : { هذان خصمان اختصموا في ربهم } قال هم الذين تبارزوا يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة وأبو عبيدة بن الحارث ، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة .
xii مختصر تفسير ابن كثير تحقيق محمد علي الصابوني 2 / 536 .
رواه أحمد في مسنده ( 27623 ) من حديث أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لو أن مقمعا من حديد وضع في الأرض فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض . وذكره السيوطي( في الدر المنثور ) ، ونسبه لأبي يعلى وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث ، وزاد فيه : ( ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان ) .
xv إن الله كتب الحسنات والسيئات .
رواه البخاري في الرقاق ( 6491 ) ومسلم في الإيمان ( 131 ) وأحمد في مسنده ( 2515 ) وأحمد في مسنده ( 2786 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل قال : ( إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك ، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة ، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة ، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة ) . ورواه البخاري في التوحيد ( 7501 ) ومسلم في الإيمان ( 128 ، 130 ) وأحمد في مسنده ، ( 7155 ) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( يقول الله إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها ، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة ، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة ، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف ) . ورواه مسلم في الإيمان ( 162 ) من حديث أنس أثناء ذكره لحديث الإسراء والمعراج وفيه : ( حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن علمها كتبت سيئة واحدة قال : فنزلت حتى انتهيت إلى موسى . . . ) الحديث .
xvii ألا أنبئكم بأكبر الكبائر :
رواه البخاري في الشهادات ( 2460 ) ، والأدب ( 5519 ، 5520 ) ، ومسلم في الإيمان ( 126 ، 127 ) ، وأحمد ( 11886 ، 19491 ، 19499 ) .
xviii عدلت شهادة الزور بالشرك بالله :
رواه أبو داود في الأقضية ( 3599 ) والترمذي في الشهادات ( 2300 ) وابن ماجة في الأحكام ( 2372 ) ( 18419 ) من حديث خريم بن فاتك الأسدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة الصبح فلما انصرف قام قائما فقال : ( عدلت شهادة الزور بالشرك بالله ) . ثلاث مرات ، ثم تلا هذه الآية { واجتنبوا قول الزور } إلى آخر الآية ، قال أبو عيسى : هذا عندي أصح ، وخريم بن فاتك له صحبة وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث وهو مشهور ، ورواه الترمذي في الشهادات ( 2299 ) وأحمد في مسنده ( 1751 ) من حديث أيمن بن خريم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام خطيبا فقال : ( أيها الناس ، عدلت شهادة الزور إشراكا بالله ) . ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : { فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور } . قال أبو عيسى : وهذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد ، واختلفوا في رواية هذا الحديث عن سفيان بن زياد ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
رواه مسلم في البر ( 2564 ) والترمذي في البر ( 1927 ) وأحمد في مسنده ( 7670 ، 8042 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى ها هنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) .
رواه أبو داود في المناسك ( 1756 ) وأحمد في مسنده ( 6289 ) من حديث ابن عمر قال : أهدى عمر بن الخطاب نجيبا فأعطى بها ثلاث مائة دينار فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاث مائة دينار أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا ، قال : ( لا ، انحرها إياها ) .
xxi إنما سمى الله البيت العتيق :
رواه الترمذي في التفسير ( 3170 ) من حديث عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إنما سمى البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار ) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، قال السيوطي في ( الدر المنثور ) : وأخرج البخاري في تاريخه ؛ والترمذي وحسنه ، وابن جرير ، والطبراني ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إنما سمى البيت العتيق ؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط ) . قال المناوى في الفيض : قال الحاكم : على شرط مسلم ، وأقره الذهبي ، وأقول : فيه عبد الله بن صالح كتاب الليث ، ضعفه الأئمة ، وبقية رجاله ثقات .
رواه ابن ماجة في الأضاحي ( 3217 ) وأحمد في مسنده ( 18797 ) من حديث زيد بن أرقم ، قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله ، ما هذه الأضاحي ؟ قال : ( سنة أبيكم إبراهيم ) قالوا : فما لنا فيها يا رسول الله ؟ قال : ( بكل شعرة حسنة ) . قالوا : فالصوف يا رسول الله ؟ قال : ( بكل شعرة من الصوف حسنة ) . وذكره الترمذي في الأضاحي تعليقا بقوله : ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( الأضحية لصاحبها بكل شعرة حسنة ) . ويروى بقرونها .
رواه البخاري في الأضاحي ( 5558 – 5564 ، 5565 ) ومسلم في الأضاحي ( 1966 ) من حديث أنس قال : ضحى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكبشين أملحين ، فرأيته واضعا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده .
رواه البخاري في الحج ( 1713 ) ومسلم في الحج ( 1320 ) من حديث زياد بن جبير قال : رأيت ابن عمر رضي الله عنهما أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها ، قال : ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
xxv إن الله لا ينظر إلى صوركم :
رواه مسلم في البر ( 2564 ) وابن ماجة في الزهد ( 4143 ) وأحمد في مسنده ( 7768 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) .
xxvi الأملح : الذي بياضه أكثر من سواده .
xxvii الصفاح : الجوانب ، والمراد : الجانب الواحد من وجه الأضحية ، وإنما ثنى إشارة إلى أنه فعل ذلك في كل منهما .
xxviii البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة :
رواه مسلم في الحج ( 1318 ) وأبو داود في الضحايا ( 2809 ) والترمذي في الحج ( 904 ) والأضاحي ( 1502 ) وابن ماجة في الأضاحي ( 3132 ) وأحمد في مسنده ( 13713 ) من حديث جابر بن عبد الله قال : نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة .
رواه البخاري في الجمعة ( 881 ) ومسلم في الجمعة ( 850 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ) .
xxx عله يشير إلى الآية 9 من سورة الأحزاب ، وكذلك الآيات 25 ، 26 ، 27 من سورة الأحزاب حيث يقول سبحانه : { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا } ( الأحزاب : 25 ) .
xxxi في سورة هود ذكر القرآن قصة نوح مع قومه ، وهود مع عاد ، وصالح مع ثمود ، ولوط مع قومه ، وشعيب مع مدين ، وموسى مع فرعون ، وقد نصر الله في هذا القصص الرسل وأهلك المكذبين ، وانظر الآية ( 120 هود ) .
xxxii تفسير مقاتل بن سليمان ( 80 – 150ه ) تحقيق د . عبد الله شحاته ، المجلد الثالث طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب 1984 ، ص 130 .
xxxiii إن الله ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته :
رواه البخاري في التفسير باب : قوله : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } ( 4409 ) ومسلم في البر والصلة والآداب ، باب تحريم الظلم ( 2583 ) وابن ماجة في الفتن باب العقوبات ( 4018 ) عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته ) . قال : ثم قرأ : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } .
xxxiv إن النور إذا قذف به في القلب اتسع له الصدر وانشرح :
قال السيوطي في ( الدر المنثور ) : وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } فقلنا : يا رسول الله ، كيف انشراح صدره ؟ قال : ( إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح ، قلنا يا رسول الله ، فما علامة ذلك ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والتأهب للموت قبل نزول الموت ) . قال العراقي في تخريج الإحياء : رواه الحاكم في المستدرك ، من حديث ابن مسعود .
xxxv أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت :
رواه البخاري في بدء الخلق ( 3244 ) ، والتفسير ( 4779 ، 4780 ) ، والتوحيد ( 7498 ) ومسلم في الجنة ( 2824 ) ، والترمذي في التفسير ( 3197 ، 3292 ) وابن ماجة في الزهد ( 4328 ) ، وأحمد ( 9365 ، 9688 ، 10051 ) ، والدارمي في الرقاق ( 2828 ) من حديث أبي هريرة .
xxxvi تفسير المراغي 17 / 130 .
xxxvii التفسير الوسيط ، تأليف لجنة من العلماء بالأزهر ، حزب34 ، ص 1239 .
xxxviii انظر أيضا تفسير في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب .
xxxix انظر تفسير الفخر الرازي للآية .
xl التفسير الوسيط ، تأليف لجنة من علماء الأزهر ، ص 1246 بتصرف .
xli تفسير مقاتل بن سليمان ، تحقيق د . عبد الله شحاته 3 / 135 طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب .
xlii تفسير مقاتل بن سليمان ، تحقيق د . عبد الله شحاته 3 / 137 طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب .
xliii تفسير القرطبي 5 / 4613 ط 2 دار الغد العربي 3 ش دانش العباسية القاهرة .
xliv تفسير القرطبي 5 / 4613 دار الغد العربي 3 ش دانش العباسية القاهرة .
xlv كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات :
رواه مسلم في القدر ( 2653 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، قال : وعرشه على الماء ) .
أخرجه الترمذي ( 2155 ، 3319 ) ، وأبو داود ( 4700 ) ، وأحمد ( 22197 و 22199 ) ، من حديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – وقال الترمذي : حسن غريب . وقال الشيخ الألباني : صحيح .
xlvii انظر تفسير الكشاف حيث قال : ( فإن قلت : الذي جاء به سبحانه ليس بمثل ، فكيف سماه مثلا ؟ قلت : قد سميت الصفة أو القصة الرائعة المتلقاة بالاستغراب مثلا ، تشبيها لها ببعض الأمثال السائرة لكونها مستحسنة مستغربة ) .
xlviii ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي :
رواه البخاري في اللباس ( 5953 ) وأحمد في مسنده ( 7126 ) من حديث أبي هريرة أنه رأى مصورا يصور قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ، فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة ) ثم دعا بتور من ماء فغسل يديه حتى بلغ إبطه فقلت : يا أبا هريرة شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : منتهى الحلية .
l أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر :
رواه أبو داود في الملاحم ( 4344 ) والترمذي في الفتن ( 2174 ) وابن ماجة في الفتن ( 4011 ) وأحمد في مسنده ( 10759 ) من حديث أبي سعيد ، وقال الترمذي : حديث غريب . ورواه النسائي في البيعة ( 4209 ) وأحمد في مسنده ( 18349 ، 18351 ) من حديث طارق بن شهاب . ورواه ابن ماجة في الفتن ( 4012 ) وأحمد في مسنده ( 21654 ) من حديث أبي أمامة .
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3339 ) والتفسير ( 4487 ) من حديث أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يجيء نوح وأمته فيقول الله تعالى : هل بلغت ؟ فيقول نعم ، أي رب ، فيقول لأمته : هل بلغكم ؟ فيقولون : لا ، ما جاءنا من نبي ، فيقول لنوح : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته ، فنشهد أنه قد بلغ ، وهو قوله جل ذكره : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } . والوسط : العدل .
تمت الهوامش وتخريج الأحاديث بحمد الله وبها تم الجزء ( السابع عشر )
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وجاهدوا في الله} يأمرهم بالعمل {حق جهاده} يقول: اعملوا لله بالخير حق عمله... ثم قال: {هو اجتباكم} يقول الله عز وجل: استخلصكم لدينه. {وما جعل عليكم في الدين} يعني: في الإسلام {من حرج} يعني: من ضيق، ولكن جعله واسعا. هو {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم} يقول الله عز وجل: سماكم {المسلمين} فيها تقديم {من قبل} قرآن محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب الأولى {وفي هذا} القرآن أيضا سماكم المسلمين {ليكون الرسول} يعني: النبي صلى الله عليه وسلم {شهيدا عليكم} أنه بلغ الرسالة {وتكونوا} أنتم يا معشر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يعني: مؤمنيهم {شهداء على الناس} يعنى شهداء للرسل أنهم بلغوا قومهم الرسالة {فأقيموا الصلاة} يقول: أتموها {وآتوا الزكاة} يقول: أعطوا الزكاة من أموالكم {واعتصموا بالله} يقول: وثقوا بالله، فإذا فعلتم ذلك {هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} آية، يقول: نعم المولى هو لكم، ونعم النصير هو لكم.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"وَجاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهادِهِ"؛
فقال بعضهم: معناه: وجاهدوا المشركين في سبيل الله حقّ جهاده... وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تخافوا في الله لومة لائم. قالوا: وذلك هو حقّ الجهاد... وقال آخرون: معنى ذلك: اعملوا بالحقّ حقّ عمله... والصواب من القول في ذلك: قول من قال: عُنى به الجهاد في سبيل الله لأن المعروف من الجهاد ذلك، وهو الأغلب على قول القائل: جاهدت في الله. وحقّ الجهاد: هو استفراغ الطاقة فيه.
وقوله: "هُوَ اجْتَباكُمْ "يقول: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه والجهاد في سبيله...
وقوله: "وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ" يقول تعالى ذكره: وما جعل عليكم ربكم في الدين الذي تعبدكم به من ضيق، لا مخرج لكم مما ابتليتم به فيه بل وسّع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجا، والكفّارة من بعض، والقصاص من بعض، فلا ذنب يذنب المؤمن إلا وله منه في دين الإسلام مخرج...
وقال آخرون: معنى ذلك: "ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ": من ضيق في أوقات فروضكم إذا التبست عليكم، ولكنه قد وسع عليكم حتى تَيَقّنوا محلها...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما جعل في الإسلام من ضيق، بل وسعه...
وقوله: "مِلّةَ أبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ"...بمعنى: وما جعل عليكم في الدين من حرج، بل وسعه، كملّة أبيكم... وقد يحتمل نصبها أن تكون على وجه الأمر بها، لأن الكلام قبله أمر، فكأنه قيل: اركعوا واسجدوا والزموا ملَة أبيكم إبراهيم. وقوله: "هُوَ سمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وفِي هَذَا" يقول تعالى ذكره: سماكم يا معشر من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم المسلمين من قبل...عن ابن عباس، قوله: "هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ" يقول: الله سماكم...
وقال آخرون: بل معناه: إبراهيم سماكم المسلمين وقالوا هو كناية من ذكر إبراهيم صلى الله عليه وسلم... [قاله ابن زيد].
ولا وجه لما قال ابن زيد من ذلك، لأنه معلوم أن إبراهيم لم يسمّ أمة محمد مسلمين في القرآن، لأن القرآن أنزل من بعده بدهر طويل، وقد قال الله تعالى ذكره: "هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وفي هَذَا" ولكن الذي سمانا مسلمين من قبل نزول القرآن وفي القرآن الله الذي لم يزل ولا يزال.
وأما قوله: "مِنْ قَبْلُ" فإن معناه: من قبل نزول هذا القرآن في الكتب التي نزلت قبله. "وفي هَذَا" يقول: وَفِي هَذَا الكِتابِ...
وقوله: "لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيدا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النّاسِ"، يقول تعالى ذكره: اجتباكم الله وسماكم أيها المؤمنون بالله وآياته، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مسلمين، ليكون محمد رسول الله شهيدا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم شهداء حينئذ على الرسل أجمعين أنهم قد بلّغوا أممهم ما أُرسلوا به إليهم.
{فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} يعني تعالى ذكره بقوله "فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ" يقول: فأدّوا الصلاة المفروضة لله عليكم بحدودها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم "وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ" يقول: وثقوا بالله، وتوكلوا عليه في أموركم "فَنِعْمَ المَوْلَى" يقول: نعم الوليّ الله لمن فعل ذلك منكم، فأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وجاهد في سبيل الله حقّ جهاده، واعتصم به "وَنِعْمَ النَّصِيرُ" يقول: ونعم الناصر هو له على من بغاه بسوء.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وقوله (هو اجتباكم) فالاجتباء: هو اختيار الشئ لما فيه من الصلاح.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
ويحتمل أن يقال هو الذي اجتباكم، ولولا أنه اجتباكم لَمَا جَاهَدْتُم، فلاجتبائه إياك وَفَّقَكَ حتى جاهدتَ. ويقال عَلم ما كنت تفعله قبل أَنْ خَلَقَكَ ولم يمنعه ذلك مِنْ أَنْ يَجْتَبِيَكَ، وكذلك إِنْ رأى ما فَعَلْتَ فلا يمنعه ذلك أَنْ يتجاوزَ عنك ولا يعاقبك...
الشرع مبناه على السهولة، والذي به تصل إلى رضوانه وتستوجِب جزيلَ فضله وإحسانه، وتتخلَّص به من أليم عقابه وامتحانه -يسيرٌ من الأمر لا يستغرق كُنْه إمكانك؛ بمعنى أَنَّك إٍن أَرَدْتَ فِعْلَه لَقَدَرْتَ عليه، وإنْ لم توصَفْ في الحال بأنَّك مستطيعٌ ما ليس بموجودٍ فيك...
{مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}. أي اتَّبِعوا والزَمُوا مِلَّةَ أبيكم إبراهيم عليه السلام في البَذْلِ والسخاء والجود والخلة والإحسان...
{فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}. أقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ بحكم الإتمام، ونعت الاستدامة، وجميل الاستقامة. والاعتصامُ بالله التبري من الحول والقوة والنهوض بعبادة الله بالله لله يقال الاعتصام بالله التمسكُ بالكتاب والسنة. ويقال الاعتصامُ بالله حُسْنُ الاستقامة بدوام الاستعانة...
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
(وجاهدوا في الله حق جهاده) اعلم أن الجهاد يكون بالنفس، وبالقلب، وبالمال؛ فأما الجهاد بالنفس فهو فعل الطاعات واختيار الأشق من الأمور، وأما الجهاد بالقلب فهو دفع الخواطر الردية، وأما الجهاد بالمال فهو البذل (والإيثار).
(حق جهاده) قال بعضهم: «هو أن يطيع الله ولا يعصيه، ويذكره فلا ينساه، ويشكره فلا يكفره...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
قالت فرقة: هذه آية أمر الله تعالى فيها الجهاد في سبيله وهو قتال الكفار، وقالت فرقة: بل هي أعم من هذا وهو جهاد النفس وجهاد الكافرين وجهاد الظلمة وغير ذلك، أمر الله تعالى عباده بأن يفعلوا ذلك في ذات الله حق فعله... ورفع الحرج لجمهور هذه الأمة ولمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة والسرّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين،..
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ". وَقَدْ كَانَتْ الشَّدَائِدُ وَالْعَزَائِمُ فِي الْأُمَمِ، فَأَعْطَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ من الْمُسَامَحَةِ وَاللِّينِ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا قَبْلَهَا فِي حُرْمَةِ نَبِيِّهَا، وَرَحْمَةِ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا)... فَأَعْظَمُ حَرَجٍ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا نُبْدِي فِي أَنْفُسِنَا وَنُخْفِيهِ، وَمَا يَقْتَرِنُ بِهِ من إصْرٍ وُضِعَ، كَمَا بَيَّنَّا من قَبْلُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْهَا التَّوْبَةُ بِالنَّدَمِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَالِاسْتِغْفَارُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ...
الرابع: قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده} قال صاحب الكشاف {في الله} أي في ذات الله، ومن أجله...
{هو اجتباكم} ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته، فأي رتبة أعلى من هذا، وأي سعادة فوق هذا، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير...
لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} فاستجاب الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم،...
{واعتصموا بالله} أي بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته، قال ابن عباس: «سلوا الله العصمة عن كل المحرمات» وقال القفال: اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون، هو مولاكم وسيدكم المتصرف فيكم فنم المولى ونعم البصير، فكأنه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك...
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
" وجاهدوا في الله حق جهاده "قيل: عنى به جهاد الكفار. وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم.
"هو اجتباكم" أي اختاركم للذب عن دينه والتزام أمره، وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة، أي وجب عليكم أن تجاهدوا لأن الله اختاركم له.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
{وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي ضيق بتكليف ما يشتد القيام به عليكم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه، أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شق عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام "إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم". وقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجا بأن رخص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه والأروش والديات في حقوق العباد..
لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741 هـ :
وقال أكثر المفسرين حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة لله ولتكون كلمة الله هي العليا بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: « من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم،... {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء فَشَقَ عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين- تجب في الحَضَر أربعًا وفي السفر تُقْصَر إلى ثِنْتَين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتُصَلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات...
{هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نَوّه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان، في كتب الأنبياء، يتلى على الأحبار والرهبان،... عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جِثيّ جهنم". قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: "نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله"... {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم. ومن أهم ذلك إقامُ الصلاة وإيتاءُ الزكاة، وهو الإحسان إلى خلق الله، بما أوجب، للفقير على الغني، من إخراج جزء نزر من ماله في السَّنة للضعفاء والمحاويج،...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان الجهاد أساس العبادة، وهو -مع كونه حقيقة في قتال الكفار- صالح لأن يعم كل أمر بمعروف ونهي عن منكر بالمال والنفس بالقول والفعل بالسيف وغيره، وكل اجتهاد في تهذيب النفس وإخلاص العمل، ختم به فقال: {وجاهدوا في الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له في كل ما ينسب إليه سبحانه، لا يخرج منه شيء عنه كما لا يخرج شيء من المظروف عن الظرف {حق جهاده} باستفراغ الطاقة في إيقاع كل ما أمر به من جهاد العدو والنفس على الوجه الذي أمر به من الحج والغزو وغيرهما جهاداً يليق بما أفهمته الإضافة إلى ضميره سبحانه من الإخلاص والقوة، فإنه يهلك جميع من يصدكم عن شيء منه...
{هو اجتباكم} أي اختاركم لجعل الرسالة فيكم والرسول منكم وجعله أشرف الرسل، ودينه أكرم الأديان، وكتابه أعظم الكتب، وجعلكم -لكونكم أتباعه- خير الأمم... ولما كان أول مخاطب بهذا قريشاً، ثم مضر، وكانوا كلهم أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام حقيقة، قال: {أبيكم إبراهيم} أي الذي ترك عبادة الأصنام ونهى عنها، ووحد الله وأمر بتوحيده، يا من تقيدوا بتقليد الآباء! فالزموا دينه لكونه اباً، ولكوني أمرت به، وهو أب لبعض المخاطبين من الأمة حقيقة، ولبعضهم مجازاً بالاحترام والتعظيم، فيعم الخطاب الجميع،... أي أن كل أمة تسمت باسم من تلقاء نفسها، والله تعالى خصكم باسم الإسلام مشتقاً له من اسمه {السلام} [الحشر: 3] مع ما خصكم به من اسم الإيمان اشتقاقاً له من اسمه المؤمن، فأثبت لكم هذا الاسم في كتبه، واجتباكم لاتباع رسوله. ولما كان الاسم إذا كان ناشئاً عن الله تعالى سواء كان بواسطة نبي من أنبيائه أو بغير واسطة يكن مخبراً عن كيان المسمى، وكان التقدير: رفع عنكم الحرج وسماكم بالإسلام لتكونوا أشد الأمم انقياداً لتكونوا خيرهم،... {شهداء على الناس} بأن رسلهم بلغتهم رسالات ربهم، لأنكم قدرتم الرسل حق قدرهم، ولم تفرقوا بين أحد منهم، وعلمتم أخبارهم من كتابكم على لسان رسولكم صلى الله عليه وسلم، فبذلك كله صرتم خيرهم، فأهلتم للشهادة وصحت شهادتكم وقبلكم الحكم العدل، وقد دل هذا على أن الشهادة غير المسلم ليست مقبولة...
{فنعم المولى} أي هو {ونعم النصير} لأنه إذا تولى أحداً كفاه كل ما أهمه، وإذا نصر أحداً أعلاه على كل من خاصمه "ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته"... وهذا نتيجة التقوى، وما قبله من أفعال الطاعة دليلها. فقد انطبق آخر السورة على أولها. ورد مقطعها على مطلعها -والله أعلم بمراده وأسرار كتابه وهو الهادي للصواب...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
فالجهاد في الله حق جهاده، هو القيام التام بأمر الله، ودعوة الخلق إلى سبيله بكل طريق موصل إلى ذلك، من نصيحة وتعليم وقتال وأدب وزجر ووعظ، وغير ذلك.
ولما كان قوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} ربما توهم متوهم أن هذا من باب تكليف ما لا يطاق، أو تكليف ما يشق، احترز منه بقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي: مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، فأولا ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤودها ويؤخذ من هذه الآية، قاعدة شرعية وهي أن "المشقة تجلب التيسير "و "الضرورات تبيح المحظورات" فيدخل في ذلك من الأحكام الفرعية، شيء كثير معروف في كتب الأحكام.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(وجاهدوا في الله حق جهاده).. وهو تعبير شامل جامح دقيق، يصور تكليفا ضخما، يحتاج إلى تلك التعبئة وهذه الذخيرة وذلك الإعداد..
(وجاهدوا في الله حق جهاده).. والجهاد في سبيل الله يشمل جهاد الأعداء، وجهاد النفس، وجهاد الشر والفساد.. كلها سواء..
(وجاهدوا في الله حق جهاده).. فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة، واختاركم لها من بين عباده: (هو اجتباكم).. وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة، ولا يجعل هنالك مجالا للتخلي عنها أو الفرار! وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء!
وهو تكليف محفوف برحمة الله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج).. وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته. ملحوظ فيه تلبيته تلك الفطرة. وإطلاق هذه الطاقة، والاتجاه بها إلى البناء والاستعلاء. فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم. ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم!
وهو منهج عريق أصيل في ماضي البشرية، موصول الماضي بالحاضر: (ملة أبيكم إبراهيم) وهو منبع التوحيد الذي اتصلت حلقاته منذ عهد إبراهيم -عليه السلام- فلم تنقطع من الأرض، ولم تفصل بينها فجوات مضيعة لمعالم العقيدة كالفجوات التي كانت بين الرسالات قبل إبراهيم عليه السلام.
وقد سمى الله هذه الأمة الموحدة بالمسلمين. سماها كذلك من قبل وسماها كذلك في القرآن: (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا)..
والإسلام إسلام الوجه والقلب لله وحده بلا شريك. فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع الأجيال والرسل والرسالات. حتى انتهى بها المطاف إلى أمة محمد [صلى الله عليه وسلم] وحتى سلمت إليها الأمانة، وعهد إليها بالوصاية على البشرية. فاتصل ماضيها بحاضرها بمستقبلها كما أرادها الله: (ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس).. فالرسول [صلى الله عليه وسلم] يشهد على هذه الأمة، ويحدد نهجها واتجاهها، ويقرر صوابها وخطأها. وهي تشهد على الناس بمثل هذا، فهي القوامة على البشرية بعد نبيها؛ وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها، وتربيتها وفكرتها عن الكون والحياة. ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على منهجها العريق المتصل الوشائج، المختار من الله.
ولقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي وطبقته في حياتها الواقعية. حتى إذا انحرفت عنه، وتخلت عن تكاليفه، ردها الله عن مكان القيادة إلى مكان التابع في ذيل القافلة. وما تزال. ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اجتباها له الله.
هذا الأمر يقتضي الاحتشاد له والاستعداد.. ومن ثم يأمرها القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله:
فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله. هو مولاكم. فنعم المولى ونعم المصير..
فالصلاة صلة الفرد الضعيف الفاني بمصدر القوة والزاد. والزكاة صلة الجماعة بعضها ببعض والتأمين من الحاجة والفساد. والاعتصام بالله العروة الوثقى التي لا تنفصم بين المعبود والعباد.
بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها لها الله. وتملك الانتفاع بالموارد والطاقات المادية التي تعارف الناس على أنها مصادر القوة في الأرض. والقرآن الكريم لا يغفل من شأنها، بل يدعو إلى إعدادها. ولكن مع حشد القوى والطاقات والزاد الذي لا ينفد، والذي لا يملكه إلا المؤمنون بالله.
فيوجهون به الحياة إلى الخير والصلاح والاستعلاء.
إن قيمة المنهج الإلهي للبشرية أنه يمضي بها قدما إلى الكمال المقدر لها في هذه الأرض؛ ولا يكتفي بأن يقودها للذائذ والمتاع وحدهما كما تقاد الأنعام.
وإن القيم الإنسانية العليا لتعتمد على كفاية الحياة المادية، ولكنها لا تقف عند هذه المدارج الأولى. وكذلك يريدها الإسلام في كنف الوصاية الرشيدة، المستقيمة على منهج الله في ظل الله..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
الجهاد بصيغة المفاعلة حقيقة عرفية في قتال أعداء المسلمين في الدّين لأجل إعلاء كلمة الإسلام أو للدفع عنه كما فسرّه النبي صلى الله عليه وسلم « من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»...
جملة {هو اجتباكم}... أي لأنه لما اجتباكم، كان حقيقاً بالشكر له بتلك الخصال المأمور بها...
فيظهر أن هذا موجّه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصالة ويشركهم فيه كل من جاء بعدهم بحكم اتّحاد الوصف في الأجيال كما هو الشأن في مخاطبات التشريع...
{ملة أبيكم إبراهيم} زيادة في التنويه بهذا الدّين وتحْضيض على الأخذ به بأنه اختص بأنه دين جاء به رسولان إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم وهذا لم يستتب لدين آخر، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم « أنا دعوة أبي إبراهيم» أي بقوله: {ربّنا وابْعَث فيهم رسولاً منهم} [البقرة: 129]، وإذ قد كان هذا هو المقصود فمحمل الكلام أنّ هذا الدّين دين إبراهيم، أي أنّ الإسلام احتوى على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ومعلوم أن للإسلام أحكاماً كثيرة ولكنه اشتمل على ما لم يشتمل عليه غيره من الشرائع الأخرى من دين إبراهيم، جعل كأنه عين ملّة إبراهيم،... {ليكون الرسول شهيداً عليكم} يتعلّق بقوله {اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] أو بقوله {اجتباكم} أي ليكون الرسول، أي محمد عليه الصلاة والسلام شهيداً على الأمة الإسلامية بأنها آمنت به، وتكون الأمة الإسلامية شاهدة على النّاس، أي على الأمم بأن رسلهم بلغوهم الدعوة فكفر بهم الكافرون. ومن جملة الناس القوم الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم...
أي نِعم المدبر لشؤونكم، ونِعم الناصر لكم. ونصير: صيغة مبالغة في النصر، أي نِعم المولى لكم ونِعم النصير لكم. وأما الكافرون فلا يتولاّهم تولي العناية ولا ينصرهم. وهذا الإنشاء يتضمّن تحقيق حسن ولايَة الله تعالى وحسن نصره. وبذلك الاعتبار حسن تفريعه على الأمر بالاعتصام به. وهذا من براعة الختام، كما هو بَيّن لذوي الأفهام...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وفي هذه الآية المطالبة بالنفع الإنساني بتبليغ الرسالة المحمدية رسالة الإنسانية للناس جميعا، وذلك بالدعوة إلى الإسلام، وهو جهاد، وتذليل العقبات في سبيل هذه الدعوة، وإزالة كل المحاجزات التي تحاجز دونها، ولو كان ذلك بالحرب... أي الجهاد الحق الذي يكون من غير إرادة الفخر، أو ابتغاء دنيا يصيبها، وحق الجهاد أن يخلص النفس من أدران الهوى، وإرادة إراقة الدماء، وأن يجاهد المقاتل نفسه أولا، فيقيها عن شهواتها، ويبعد عنها نزغات الشيطان، وأن يجاهد المقاتل نفسه أولا، فيقيها عن شهواتها، ويبعد عنها نزغات الشيطان، وأن يجاهد للحق ورفعته، ويكون الجهاد أحيانا أمام الحكام الغاشمين، ولقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (أعظم الجهاد كلمة حق عند حق عند سلطان جائر)، وإذا قتله يكون خير الشهداء...
وحق الجهاد ألا يرفع السيف في سبيل الدعوة الإسلامية إلا إذ تعذرت الإجابة بالتي هي أحسن، وإلا بعد البيان، ومحاجزة أهل الباطل بين الدعوة المحمدية والناس، ولذلك كان الجهاد في الإسلام ليس للشعوب، ولكن لمعسكر السلطان الذي يحول بين الدعوة الإسلامية والشعوب، وإذا وصلت الدعوة إلى الشعوب فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما ربك بظلام للعبيد، فلا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي...
{وما جعل عليكم في الدين من حرج} فيه إشارة إلى أن فرضية الجهاد مرفوعة عن أصحاب المعاذير وقت عذرهم، وهي في الوقت ذاته قاعدة عامة في معاني الشريعة الإسلامية، والحرج أصله الضيق بين الأشياء المجتمعة فهو الضيق في صدور الناس وفي تكليفاتهم...
والشريعة الإسلامية جاءت لنفع الناس وجلب الخير لهم، "وخير الدين أيسره"... وسمي أبا للعرب، وإن كان أبا لبعضهم، وذلك لأن العرب جميعا كانوا يتفاخرون بالانتساب إليه، ولأنه باني البيت الحرام الذي كان مناط عزة العرب أجمعين، ولأنه أب بالفعل لقريش الذين ابتدأت الدعوة المحمدية فيهم، وكان ذكر هذه الدعوة الكريمة تقريبا وتأليفا، وإدناء من الإسلام،... {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله}، "الفاء "للإفصاح عن شرط مقدر تقديره إذا كانت لكم هذه المكانة، فادرعوا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والاعتصام بالله فأمرهم بأركانها من ركوع وسجود وقعود خاشعين لله مستحضرين لذاته العلية، إذا ذكرتموه وإذا كبرتم، {وآتوا الزكاة}، وقد جمع سبحانه بذلك بين التهذيب الروحي بالصلاة، والتعاون الاجتماعي بالزكاة، ثم أمر بالاتفاق على طاعة الله تعالى فقال: {واعتصموا بالله} الاعتصام الاستمساك، فمعنى الاعتصام بالله الاستمساك به، بأن يكونوا مستمسكين بأوامرهم ونواهيه، ومستمسكين بذاته العلية لا يفكرون إلا فيه، ولا يبتغون غيره، ويلتفون حول شريعته غير منفصلين عنه، وهو نعم المولى ونعم النصير،...
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 77]
- هتاف ربّاني بالمؤمنين بأن يعبدوا الله ويسجدوا ويركعوا له ويفعلوا الخير. ففي ذلك فوزهم ونجاحهم.
- وأمر لهم بأن يجاهدوا كذلك في سبيل الله ودينه حق الجهاد.
- وتنويه بالمنزلة والعناية الكبيرتين اللتين اختصّهم بهما: فقد اجتابهم واصطفاهم وهداهم إلى دينه القويم. ولم يجعل عليهم فيه حرجا ولا إعناتاً. وهو ملّة أبيهم إبراهيم وقد سمّاهم المسلمين من قبل وفي القرآن الآن. وأعدّهم بذلك كله ليكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيدا. وهذه مكانة خطيرة وعناية كريمة تقتضيان منهم الشكر والاجتهاد في أداء ما ترتّب عليهم من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والتمسّك بأهداب دين الله والاعتصام بحبله. وهو مولاهم ونعم هو من مولى ونصير لهم...
فجاءت هاتان الآيتان على الأثر تختتمان الكلام بالالتفات إلى المسلمين فتهتفان بهم بما تهتفان، وتعظانهم بما تعظان وتبثّان فيهم روح الطمأنينة والسكينة والاغتباط، وتنوّهان بالملّة السمحاء التي هداهم الله إليها وبالعناية الكبرى التي خصّهم بها وتنبّهانهم إلى ما أوجبه عليهم من الجهاد في سبيل دينه وما أعدّهم له من رفعة الشأن بين الأمم والملل إذا هم اعتصموا بالله وتمسّكوا بدينهم وجاهدوا في سبيله حق الجهاد...
ومع خصوصية الآيتين الزمنية على ضوء هذه الشروح وصلتها بالسياق السابق فإنهما احتوتا بأسلوبهما القوي ومضامينهما الواعظة المنبّهة المنوّهة تلقينات خطيرة تظل مستمرة التلقين والفيض والمدد والنفحات للمسلمين عامة والعرب خاصة بحيث يمكن أن يقال: إنها قد جعلت للعرب المسلمين في المجتمع الإسلامي شأنا خاصا وحملتهم مهمة كبرى ونبّهتهم إلى أن الله قد اجتباهم وجعلهم وسطا وعدولا وهداة ليرشدوا الناس ويهدوهم بهدى دينه الذي ارتضاه لهم والذي رشّحه ليكون دين الإنسانية عامة...
{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}...وهذا المعنى قد تكرر في سور عديدة بحيث يصحّ أن يقال إنه مما امتازت به الشريعة الإسلامية عما قبلها...
ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة وردت في كتب الأحاديث الصحيحة متصلة بمدى الجملة منها حديث رواه الشيخان جاء فيه «يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا»...
وحديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة جاء فيه: «عليكم بما تطيقون. فوالله لا يملّ الله حتى تملّوا وكان أحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه»...
وهكذا يكون التساوق تاما بين التلقين القرآني والتلقين النبوي؛ ويصبح المعنى الذي احتوته الجملة من المبادئ المحكمة في الإسلام...
كذلك فإن جملة {وافعلوا الخير} جديرة بالتنويه من حيث إنها تحث على فعل الخير انطلاقا. والخير هو كل عمل نافع ومفيد قولا وفعلا. والإطلاق يفيد الحثّ على عمل الخير في كل ظرف ولكل الناس بدون قيد وشرط مما فيه رائع التلقين...
ولقد تكرر ذلك في آيات عديدة مما يزيد الروعة. منها آية سورة البقرة هذه {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {148}} حيث انطوت على حث على التسابق إلى فعل الخير... وهناك حديث عام في هذا الباب فيه حثّ على المساعدة على عمل الخير إذا لم يستطع المرء أن يفعله بنفسه رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة جاء فيه: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أُبْدِعَ بي فاحملني، قال: لا أجد ما أحملك عليه ولكن ائت فلانا فلعلّه أن يحملك فأتاه فحمله فأتى النبي فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله»...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
وهذه الأوامر الإلهية تتضمن ثلاثة إمور جوهرية:
الأمر الأول: أن تكون طاعة الله والصلة به قائمة في كل وقت {اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم}.
الأمر الثاني: أن يكون فعل الخير بجميع أصنافه باسطا رواقه في كل مكان {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون}.
الأمر الثالث: أن يكون المسلمون على أهبة الاستعداد للدفاع عن كيانهم بكل ما يلزم للجهاد، من عدة وعتاد {وجاهدوا في الله حق جهاده}. ثم عقب كتاب الله على ذلك بقوله: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم}، إشارة إلى أن المسلمين إذا أقاموا دولتهم على هذه الدعائم، وحافظوا على ما لديهم من شعائر ومعالم، فإنهم سيكونون الصفوة المختارة من بين البشر، التي تحيي من ملة إبراهيم ما ضاع واندثر، والتي لا تعرف إفراطا ولا تفريطا في ورد ولا صدر. ووصف إبراهيم بكونه (أبا) للمسلمين: من جهة أنه إمام الموحدين، ومقيم قواعد البيت الحرام الذي جعله الله مثابة وأمنا للناس أجمعين. وختم هذا الربع بالإشارة إلى ما ميز الله به أمة التوحيد من اسم "الإسلام والمسلمين"، ووصفها واشتهارها بهذا الاسم الشريف على مر الأعوام والسنين، والإشارة إلى ما ادخر الله لها من "الشهادة "على العالمين، والتركيز على ما يضمن لها البقاء والنصر في كل حين، فقال تعالى: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير}...
لأن الجهاد أيضا يحتاج إلى إخلاص، وأن تجعل الله في بالك، فربما خرجت لمجرد أن تدفع اللوم عن نفسك وحملت السلاح فعلا ودخلت المعركة، لكن ما في بالك أنها لله وما في بالك إعلاء كلمة الله، كالذي يقاتل للشهرة وليرى الناس مكانته، أو يقاتل طمعا في الغنائم، أو لأنه مغتاظ من العدو وبينه وبينه ثأر، ويريد أن ينتقم منه، هذه وغيرها أمور تخرج القتال عن هدفه وتفرغه من محتواه...
لأنك إذا انتفعت بالمنهج تطبيقا له بعد التحقيق الذي أتى به الرسل تنفع نفسك، لكن ربك- عز وجل- يريد أن يشيع النفع لمن معك أيضا، وهذا لا يتأتى إلا بالجهاد بالنفس أو المال أو أي شيء محبوب، وإلا فكيف ستربح الصفقة التي قال الله تعالى عنها: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.. (111)} [التوبة]...
أما الذين بقوا ولم يخرجوا، فمهمتهم أن يحملوا المنهج، وأن يحققوه، وإلا لو خرج الجميع إلى القتال واستشهدوا جميعا، فمن يحمل منهج الله وينشره؟... كما ننصح جماعة من أهل الدعوة الذين حملوا رايتها، نقول لهم: لقد اختاركم الله، فكونوا أهلا لهذا الاختيار، واجعلوا كلامه تعالى في محله...
{وما جعل عليكم في الدين من حرج} يعني: ما اجتباكم ليعنتكم، أو ليضيق عليكم، أو ليعسر عليكم الأمور، إنما جعل الأمر كله يسر، وشرعه على قدر الاستطاعة، ورخص لكم ما يخفف عنكم، ويذهب عنكم الحرج والضيق، فمن لم يستطع القيام صلى قاعدا، ومن كان مريضا أفطر، والفقير لا زكاة عليه ولا حج.. الخ...
لذلك من شرف أمة محمد أولا أنه لا يأتي بعده رسول، لأنهم مأمونون على منهج الله، وكأن الخير لا ينطفئ فيهم أبدا، وقلنا: إن الرسل لا يأتون إلا بعد أن يعم الفساد، ويفقد الناس المناعة الطبيعية التي تحجزهم عن الشر، وكذلك يفقدها المجتمع كله فلا ينهى أحد أحدا عن الشر، عندها يتدخل الحق سبحانه برسول ومعجزة جديدة ليصلح ما فسد...
فختام الرسالات بمحمد (صلى الله عليه وسلم) شهادة أن الخير لا ينقطع من أمته أبدا، ومهما انحرف الناس سيبقى جماعة على الجادة يحملون المنهج ويتمسكون به ويكونون قدوة لغيرهم... فالخير كله والكمال كله في شخص رسول الله، ومنثور في أمته...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} لأن الله يريد للناس أن يواجهوا التحديات بإرادة صلبة مستعدة لمجابهة كل الصعوبات، وتحمّل كل آلام الحرمان، من أجل تحقيق الصورة التي يحبّ الله للحياة أن تكون عليها ويريد للإنسان أن يبرز فيها، ابتداءً من جهاد النفس الذي يقتحم الأعماق ليحطم كل الحواجز التي تحول بينها وبين الانطلاق في طريق الخير، إلى جهاد العدو الذي يخوض المعارك انتصاراً للشيطان ليبعد الإنسان عن طريق الله...
{هُوَ اجْتَبَاكُمْ} واختاركم من بين خلقه لتكونوا الأمّة المرحومة الداعية المجاهدة التي تحمل من خلال الرسول محمد (ص) رسالة الإسلام للناس كافة، وحمّلكم مسؤولية ذلك، وتلك كرامة إلهية لا تفوقها كرامة، تفرض عليكم رعايتها وتحريكها في الاتجاه الذي يحبّه الله. ما جعل عليكم في الدين من حرج... {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} الذي انطلقت شرائع الأنبياء بعده، من القاعدة العامة التي وضعتها مبادئ شريعته العامة، بحيث كانت الرسالات اللاحقة بمثابة التفاصيل المتنوعة لتلك المبادئ...
{لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شهداء عَلَى النَّاسِ} وذلك عبر هذه الشريعة التي هي المقوّم لأعمال الناس ومشاريعهم، في ما يشهد به النبي على أمّته لجهة تطبيقها لهذه الشريعة والتزامها بها، في خط الدعوة والحركة، وفي ما تشهد به هذه الأمّة على سائر الأمم لجهة التزامها بالإسلام ورعايتها له،... {وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ} لأنه الحقيقة الوحيدة التي يرتبط بها كل ما في الحياة من عمقٍ وامتدادٍ والتزام وانتماء، لأن كل ما هو غيره، مخلوق له، ومنسوب إليه، ومحتاج إليه، فلا ثبات لأحد إلا من خلال الاعتصام به وبحبله، لأن كل من عداه مهتز بطبيعة الضعف الكامنة في ذاته التي تجعله يتأثر بغيره...