( اتخذوا أيمانهم جنة ) . . وهي توحي بأنهم كانوا يحلفون الأيمان كلما انكشف أمرهم ، أو عرف عنهم كيد أو تدبير ، أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين . كانوا يحلفون ليتقوا ما يترتب على افتضاح أمر من أمورهم ، فيجعلون أيمانهم وقاية وجنة يحتمون وراءها ، ليواصلوا كيدهم ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم . ( فصدوا عن سبيل الله ) . . صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم مستعينين بتلك الأيمان الكاذبة : ( إنهم ساء ما كانوا يعملون ) . . وهل أسوأ من الكذب للخداع والتضليل ! ?
جنّة : وقاية وسترا لدمائهم وأموالهم .
2- { اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
لقد أعدّوا أيمانهم الكاذبة وقاية لهم من القتل ، وحفظا لأموالهم وأولادهم } .
فهم شوكة في جنب المسلمين ، لأنهم يتظاهرون بالإيمان والإسلام ، ويبطنون الكيد والدّس للإسلام والمسلمين ، وقد اغترّ بهم من لا يعرف حقيقة أمرهم ، فامتنع عن الإسلام ، أو امتنع عن الفداء والتضحية للإسلام بسبب وساوسهم ، وتثبيطهم للناس عن الدخول في الإسلام ، أو عن الإخلاص لله ورسوله ، فما أقبح عملهم ، وما أسوأ فعلهم ، { إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
وسيلقون جزاءهم في الدنيا والآخرة :
أما في الدنيا فسيفضحهم الله على رؤوس الأشهاد .
قال تعالى : { ولا تصلّ على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } . ( التوبة : 84 ) .
وأما في الآخرة فإنهم في أسوأ درجات النار .
قال تعالى : { إن المنافقين في الدّرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا } . ( النساء : 145 ) .
{ اتخذوا أيمانهم جنة } : أي سترة ستروا بها أموالها وحقنوا بها دماءهم .
{ فصدوا عن سبيل الله } : أي فصدوا بها عن سبيل الله أي الجهاد فيهم .
{ إنهم ساء ما كانوا يعلمون } : أي قبح ما كانوا يعملونه من النفاق .
اتخذوا أيمانهم جنة أي جعلوا من أيمانهم الكاذبة جنة كجنة المقاتل يسترون بها كما يستتر المحارب بجنته فوق رأسه ، فهم بأيمانهم الكاذبة أنهم مؤمنون وقوا بها أنفسهم وأزواجهم وذرياتهم من القتل والسبي ، وبذلك صدوا عن سبيل الله أنفسهم وصدوا غيرهم ممن يقتدون بهم وصدوا المؤمنين عن جهادهم بما أظهروه من إيمان صوري كاذب .
قال تعالى : { إنهم ساء ما كانوا يعملون } يذم تعالى حالهم ويقبح سلوكهم ذلك وهو اتخاذ أيمانهم جنة وصدهم عن سبيل الله .
الأولى- قوله تعالى : " اتخذوا أيمانهم جنة " أي سترة . وليس يرجع إلى قوله " نشهد إنك لرسول الله " وإنما يرجع إلى سبب الآية التي نزلت عليه ، حسب ما ذكره البخاري والترمذي عن ابن أبي أنه حلف ما قال وقد قال . وقال الضحاك : يعني حلفهم بالله " إنهم لمنكم " وقيل : يعني بأيمانهم ما أخبر الرب عنهم في سورة " التوبة " إذ قال : " يحلفون بالله ما قالوا " [ التوبة : 74 ] .
الثانية- من قال أقسم بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله أو أحلف بالله ، أو أقسمت بالله أو أشهدت بالله أو أعزمت بالله أو أحلفت بالله ، فقال في ذلك كله " بالله " فلا خلاف أنها يمين . وكذلك عند مالك وأصحابه إن قال : أقسم أو أشهد أو أعزم أو أحلف ، ولم يقل " بالله " ، إذا أراد " بالله " . وإن لم يرد " بالله " فليس بيمين . وحكاه الكيا عن الشافعي ، قال الشافعي : إذا قال أشهد بالله ونوى اليمين كان يمينا . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لو قال أشهد بالله لقد كان كذا كان يمينا ، ولو قال أشهد لقد كان كذا دون النية كان يمينا لهذه الآية ؛ لأن الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال : " اتخذوا أيمانهم جنة " . وعند الشافعي لا يكون ذلك يمينا وإن نوى اليمين ؛ لأن قوله تعالى : " اتخذوا أيمانهم جنة " ليس يرجع إلى قوله : " قالوا نشهد " وإنما يرجع إلى ما في " التوبة " من قوله تعالى : " يحلفون بالله ما قالوا " [ التوبة : 74 ] .
الثالثة- قوله تعالى : " فصدوا عن سبيل الله " أي أعرضوا ، وهو من الصدود . أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم الله عليهم من القتل والسبي وأخذ الأموال ، فهو من الصد ، أو منعوا الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا ويفتدي بهم غيرهم . وقيل : فصدوا اليهود والمشركين عن الدخول في الإسلام ، بأن يقولوا ها نحن كافرون بهم ، ولو كان محمد حقا لعرف هذا منا ، ولجعلنا نكالا . فبين الله أن حالهم لا يخفي عليه ، ولكن حكمه أن من أظهر الإيمان أجرى عليه في الظاهر حكم الإيمان . " إنهم ساء ما كانوا يعملون " أي بئست أعمالهم الخبيثة من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة وصدهم عن سبيل الله أعمالا .