في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا} (53)

45

وبعد هذه اللفتة يعود إلى مشاهد الكون ، فيعقب على مشهد الرياح المبشرة والماء الطهور ، بمشهد البحار العذبة والملحة وما بينهما من حجاز :

( وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات ، وهذا ملح أجاج ؛ وجعل بينهما برزخا ، وحجرا محجورا ) . .

وهو الذي ترك البحرين ، الفرات العذب والملح المر ، يجريان ويلتقيان ، فلا يختلطان ولا يمتزجان ؛ إنما يكون بينهما برزخ وحاجز من طبيعتهما التي فطرها الله . فمجاري الأنهار غالبا أعلى من سطح البحر ، ومن ثم فالنهر العذب هو الذي يصب في البحر الملح ، ولا يقع العكس إلا شذوذا . وبهذا التقدير الدقيق لا يطغى البحر - وهو أضخم وأغزر - على النهر الذي منه الحياة للناس والأنعام والنبات . ولا يكون هذا التقدير مصادفة عابرة وهو يطرد هذا الاطراد . إنما يتم بإرادة الخالق الذي أنشأ هذا الكون لغاية تحققها نواميسه في دقة وإحكام .

وقد روعي في نواميس هذا الكون ألا تطغى مياه المحيطات الملحة لا على الأنهار ولا على اليابسة حتى في حالات المد والجزر التي تحدث من جاذبية القمر للماء الذي على سطح الأرض ، ويرتفع بها الماء ارتفاعا عظيما .

يقول صاحب كتاب : الإنسان لا يقوم وحده [ العلم يدعو إلى الإيمان ] :

" يبعد القمر عنا مسافة مائتين وأربعين ألفا من الأميال ، ويذكرنا المد الذي يحدث مرتين تذكيرا لطيفا بوجود القمر . والمد الذي يحدث بالمحيط قد يرتفع إلى ستين قدما في بعض الأماكن . بل إن قشرة الأرض تنحني مرتين نحو الخارج مسافة عدة بوصات بسبب جاذبية القمر . ويبدو لنا كل شيء منتظما لدرجة أننا لا ندرك القوة الهائلة التي ترفع مساحة المحيط كلها عدة أقدام ، وتنحني قشرة الأرض التي تبدو لنا صلبة للغاية .

" والمريخ له قمر . قمر صغير . لا يبعد عنه سوى ستة آلاف من الأميال . ولو كان قمرنا يبعد عنا خمسين ألف ميل مثلا ، بدلا من المسافة الشاسعة التي يبعد بها عنا فعلا ، فإن المد كان يبلغ من القوة بحيث أن جميع الأراضي التي تحت منسوب الماء كانت تغمر مرتين في اليوم بماء متدفق يزيح بقوته الجبال نفسها . وفي هذه الحالة ربما كانت لا توجد الآن قارة قد ارتفعت من الأعماق بالسرعة اللازمة ، وكانت الكرة الأرضية تتحطم من هذا الاضطراب ، وكان المد الذي في الهواء يحدث أعاصير كل يوم .

" وإذا فرضنا أن القارات قد اكتسحت ، فإن معدل عمق الماء فوق الكرة الأرضية كلها يكون نحو ميل ونصف . وعندئذ ما كانت الحياة لتوجد إلا في أعماق المحيط السحيقة على وجه الاحتمال ? " .

ولكن اليد التي تدبر هذا الكون مرجت البحرين وجعلت بينهما برزخا وحاجزا من طبيعتهما ومن طبيعة هذا الكون المتناسق الذي تجري مقاديره بيد الصانع المدبر الحكيم ، هذا الجري المقدر المنسق المرسوم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا} (53)

المفردات :

مرج : خلط ، ومنه قوله تعالى : فهم في أمر مريج [ ق : 8 ] أي : مختلط ، ومنه قيل للمرعى : مرج : لاختلاط الدواب فيه بعضها ببعض ، ويطلق المرْج بمعنى الإرسال والتخلية .

فرات : مفرط العذوبة .

أجاج : شديد الملوحة .

برزخا : حاجزا .

حجرا محجورا : تنافرا شديدا ، فلا يبغي أحدهما على الآخر ، ولا يفسد الملح العذب .

التفسير :

53- { وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا } .

تعرض الآية مظهرا من مظاهر القدرة الإلهية ، فالله القدير خلط البحرين ومزجهما ، مع ما بينهما من التنافر والتضاد ، أحدهما حلو سائغ شرابه ، والثاني مالح شديد الملوحة ، وجعل بينهما حاجزا من قدرة الله ، لا يختلطان ولا يمتزجان ؛ حتى لا يفسد أحدهما خصائص الآخر ، قال تعالى : { مرج البحرين يلتقيان*بينهما برزخ لا يبغيان*فبأي آلاء ربكما تكذبان* } [ الرحمان : 19-21 ] .

وقال تعالى : { أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } [ النمل : 61 ] .

" ومن الفطرة التي فطرها الله تعالى أن مجاري الأنهار غالبا أعلى من سطح البحر ، ومن ثم فالنهر العذب هو الذي يصبّ في البحر المالح ، ولا يقع العكس إلا شذوذا ، وبهذا التقدير الدقيق ، لا يطغى البحر-وهو أضخم وأغزر- على النهر الذي منه الحياة للناس والأنعام والنبات ، ولا يكون هذا التقدير مصادفة عابرة ، وهو يطرد هذا الاطراد ، إنما يتم بإرادة الخالق الذي أنشأ هذا الكون لغاية تحققها نواميسه في دقة وإحكام ، وقد روعي في نواميس هذا الكون ألا تطغى مياه المحيطات الملحة ، لا على الأنهار ولا على اليابسة ، حتى في حالات المدّ والجزر التي تحدث من جاذبية القمر للماء الذي على سطح الأرض ويرتفع بها الماء ارتفاعا عظيما " 20 .

ويقول صاحب كتاب [ العلم يدعو إلى الإيمان ] يبعد القمر عنا مسافة مائتين وأربعين ألفا من الأميال ، ويذكرنا المدّ الذي يحدث مرتين تذكيرا لطيفا بوجود القمر ، والمدّ الذي يحدث بالمحيط قد يرتفع إلى ستين قدما في بعض الأماكن ، بل إن قشرة الأرض تنحني مرتين نحو الخارج مسافة عدة بوصات ، بسبب جاذبية القمر ، ويبدو لنا كل شيء منتظما لدرجة أننا لا ندرك القوة الهائلة التي ترفع مساحة المحيط كلها عدة أقدام ، وتنحني قشرة الأرض التي تبدو لنا صلبة للغاية . .

ولو اقترب القمر منا أكثر مما هو عليه لغرقت القشرة الأرضية ، وتعذرت الحياة على وجه الأرض .

ولكن اليد التي تدبّر هذا الكون ، مرجت البحرين ، وجعلت بينهما برزخا وحاجزا من طبيعتهما ، ومن طبيعة هذا الكون المتناسق ، الذي تجري مقاديره بيد الصانع المدبر الحكيم ، هذا الجري المقدّر المنسق المرسوم .

ومن ماء السماء ، وماء البحر والنهر ، إلى ماء النطفة التي تنشأ منها الحياة البشرية المباشرة .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا} (53)

مرج البحرين : خلطهما ببعض .

عذْب فرات : حلو سائغ للشرب .

ومِلح أُجاج : مالح شديد الملوحة .

برزخا : حاجزا .

حِجرا محجورا : لا يبغي أحدهما على الآخر ، ولا يفسد المالح العذب .

ومن آثار نعمة الله على خلْقه أن خَلَقَ البحارَ نوعين ، منها عذبٌ سائغ للشراب ، ومنها مالح شديد الملوحة ، وجعل البَحْرَين متجاورين ، لكنّ بينهما حاجزاً بحيث لا يطغى المالح على العذب فيفسده .