في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ} (14)

9

ويلخص ما يوحى في ثلاثة أمور مترابطة : الاعتقاد بالوحدانية ، والتوجه بالعبادة ، والإيمان بالساعة ؛ وهي أسس رسالة الله الواحدة :

( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري . إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى . فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى ) . .

فأما الألوهية الواحدة فهي قوام العقيدة . والله في ندائه لموسى - عليه السلام - يؤكدها بكل المؤكدات : بالإثبات المؤكد . ( إنني أنا الله )وبالقصر المستفاد من النفي والاستثناء : لا إله إلا أنا الأولى لإثبات الألوهية لله ، والثانية لنفيها عن سواه . . وعلى الألوهية تترتب العبادة ؛ والعبادة تشمل التوجه لله في كل نشاط الحياة ؛ ولكنه يخص بالذكر منها الصلاة : ( وأقم الصلاة لذكري )لأن الصلاة أكمل صورة من صور العبادة ، وأكمل وسيلة من وسائل الذكر ، لأنها تتمحض لهذه الغاية ، وتتجرد من كل الملابسات الأخرى ؛ وتتهيأ فيها النفس لهذا الغرض وحده ، وتتجمع للاتصال بالله .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ} (14)

9

المفردات :

لذكري : لتكون ذاكرا لي .

التفسير :

14-{ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } .

إنه نداء علوي إلهي من رب كريم تفضل على أحد خلقه فكلمه تكليما ، وعلمه تعليما ، فالكبرياء له وحده ، والعظمة له وحده ، فالعبد يحسن به التواضع ، وإذا فعل كل شيء كان كأنه لم يفعل شيئا ، أما الرب فهو وحده الذي يحق له الحمد والشكر ، والعظمة والكبرياء ؛ فهو وحده الواحد الأحد ، الخالق الرازق المهيمن المبدئ المعيد ، الواجد الماجد .

{ إنني أنا الله لا إله إلا أنا } . أنا المستحق للعبادة لا إله غيري ، أنا الله خالق الكون والحياة والإنسان وسائر الموجودات ، لا إله سواي ، لا يقدر على الخلق غيري .

{ إنني أنا الله } . لإثبات الألوهية لله وحده ، لا إله إلا أنا لنفي الألوهية عن كل ما سواه ، والمقصود : إثبات عقيدة التوحيد ، واليقين الجازم ، بأن التصرف في هذا الكون كله بيد الله وحده .

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال : كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على بغلته فقال لي : ( يا غلام ، هل أعلمك كلمات ينفعك الله بهن في الدنيا والآخرة ؟ ) قلت : بلى يا رسول الله علمني ، فقال : ( يا غلام ، احفظ الله يحفظ ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ؛ ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء ؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، جفت الأقلام وطويت الصحف )10 .

{ فاعبدني } .

أي : وإذ كنت أنا الإله وحدي ولا معبود سواي ؛ فخصني بالعبادة والتذلل والانقياد في جميع ما كلفته به .

{ وأقم الصلاة لذكري } .

ادخل في الصلاة بالخشوع ، وحضور القلب وذكر الله ودعائه ، والتوجه إليه دون سواه .

وخص القرآن الصلاة هنا ؛ لأنها صلة بين العبد وربه ، ووسيلة للطهارة الحسية والمعنوية ، وباب من أبواب الرفعة ؛ حين يتطهر الإنسان الفاني ، ويكبر ويدخل في الصلاة فيناجي الإله الباقي ، ويكبر ويسبح ويحمد خالقه ، ومن له الحمد في الأولى والآخرة ؛ ولذا فإن الصلاة أفضل أركان الدين بعد التوحيد .

قال تعالى : { وأقم الصلاة لذكري } .

وقال سبحانه : { اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون } . ( العنكبوت : 45 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ} (14)

ثم بين الذي يوحيه إليه بقوله : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا } أي : الله المستحق الألوهية المتصف بها ، لأنه الكامل في أسمائه وصفاته ، المنفرد بأفعاله ، الذي لا شريك له ولا مثيل ولا كفو ولا سمي ، { فَاعْبُدْنِي } بجميع أنواع العبادة ، ظاهرها وباطنها ، أصولها وفروعها ، ثم خص الصلاة بالذكر وإن كانت داخلة في العبادة ، لفضلها وشرفها ، وتضمنها عبودية القلب واللسان والجوارح .

وقوله : { لِذِكْرِي } اللام للتعليل أي : أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي ، لأن ذكره تعالى أجل المقاصد ، وهو عبودية القلب ، وبه سعادته ، فالقلب المعطل عن ذكر الله ، معطل عن كل خير ، وقد خرب كل الخراب ، فشرع الله للعباد أنواع العبادات ، التي المقصود منها إقامة ذكره ، وخصوصا الصلاة .

قال الله تعالى : { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } أي : ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر ، وهذا النوع يقال له توحيد الألوهية ، وتوحيد العبادة ، فالألوهية وصفه تعالى ، والعبودية وصف عبده .